
وراء كلّ منّا حكاية، يختلط فيها الفرح بالألم؛ لكن هناك من قرر المتاجرة بآلام الآخرين ممن ترزح أرواحهم الهشّة تحت وطأة الخوف من المجهول وتصديق الخرافة؛ وبمرور الوقت صار أسياد الظلام أصحاب كرامات لهم إعلانات تروّج لقدرتهم الخارقة في جلب الحبيب وشفاء العليل وتفريج الكرب وتوسعة الرزق.. يدّعون محاربة السحرة بينما هم عبدة الجان وسيفهم المسلّط لإيذاء بني البشر.
في رحلتها السردية “الجلّاب” والصادرة عن دار “الرواق”، تكشف الأديبة هدى سعد، حكايات الوهم في مجتمعنا من خلال ثلاثة أبطال، نرى من خلالهم كيف يتحول الضحية في مجتمعنا لجلاد، وكيف يمكن أن يصبح الدين مشكاة نور أو سوطا يجلد الضعفاء.. وكيف يمكن أن يحيا الحب نفوسا كادت تسقط في بئر الضياع.
اختارت الكاتبة أن تترك العنان لأبطالها في الحكي، ضمن رواية الأصوات، والتي نصبح فيها أقرب لدوافعهم وذكرياتهم؛ أما السرد فجاء بلغة شاعرية تفيض عذوبة، وحوارات عامية تتنقل بين لهجة أهل بحري والصعيد، وعالم ثري تتنقل فيه بين مدينة المنصورة وقنا، بكل تفاصيلها المكانية وطقوسها، وكأنها تخبرنا بأنها قصة من يعيش على هذه الأرض، بؤسا وسعادة.
مع الرواية نشعر بدفء الحياة الاجتماعية في قرى مصر، ومنها الاحتفالات بالمولد والأعراس والمواليد، لكننا نقترب مما يحيطها من حالة وجدانية ومعتقدات شعبية أقرب للخرافة. تستمتع مع النص بحكي النساء وطهيهن ومشاهد الطبيعة والأمكنة التي تجعل للسرد رائحة وملمس وإن كان الاستغراق فيها قد أبطأ كثيرا من إيقاع السرد.
تعتمد الرواية الزمن الدائري الذي يبدا من نقطة النهاية ثم يعود إليها مع لحظات التنوير. وقد قامت الحبكة المتماسكة على حياة ابنتي خالة يصبحان صيدًا لسيد السحر والأعمال في الصعيد، بين نساء كثيرات ورجال كانوا هدفا للأذى والتفرقة عن أحبائهم. في هذه الأجواء ينشأ البطل الثالث “سيد” في حياة ملطخة بالتذلل والحرمان ككل أطفال المقابر والذين يصبح الحلم في حياتهم مجرد رفاهية.
لحن حزين
“الكرامة جلباب ينزعه الفقر عن جسد الفقراء ويتركهم عرايا بين اللئام”
في طفولته عانى بطل الرواية – ابن التربي- من استقواء ابن ساعي الناظر عليه؛ وبدلا من أن تأتي له أمه بحقه، شاهدها تتوسل للعفو عنهم، بل وشاهد عار اللمسات المحرمة لأمه الخادمة في البيوت، وكأن الفقر كتب عليهم الاستباحة. ليس هذا فحسب بل نرى كيف ينقش الفقر الخوف داخل أصحابه؛ وقد كانت أم سيد تتنفس الخوف وتطعمه لولدها مع الخبز كي ينجو؛ لكنه أدرك كم أن ” الخوف طوق نجاة مثقوب يغرق صاحبه في بحر الهزائم”، وظلت حياته ملحمة لهزيمة خوفه وعاره.
ومن أجمل ما تبدع فيه الرواية هو علاقة “سيد” بالناي الذي يتحول بالنسبة لطفل فقير منبوذ يعيش على مد يده للمحسنين من زوار القرافة، إلى ملاذ “يلامس صوته الشجيّ جراح روحه”. يتذكر كيف حرمته الحياة من مجرد الذهاب للمدرسة ولو بكيس بلاستيكي وكتب مستعملة، وكيف حرمته من أن يسد جوعه إلا بالتذلل أو خدمة أمه للبيوت والتي استحق بفضلها أن يصبح قائدا لفريق المنبوذين الخمسة.
ومن أبدع مشاهد الوحدة الشعورية حين نرى كيف تتوارى الشمس خلف النخيل حين يعزف سيد أمام حبيبته وكأنها تمد له يدها ليعزف، والأطفال في المقابر يغنون “يا نيل يا طيب .. هيلا هيلا” ليمسحوا همومهم.
تحت التراب
“ألم يكن إغلاق باب القبر بالمفتاح وتركه مع الميت أفضل؟!”
تعد تيمة “الفقد” في مقابل “الحب” هي عامود تلك الرواية؛ لكن الروائية هدى سعد هنا جعلتنا نرى الموت بعيون طفل عاش في المقابر وسكنها، وظل يخاف منها، لأنها بالنسبة له “حفر يلقى فيها الاحباء ونهيل عليهم التراب دون أن نترك لهم نافذة أو بصيص ضوء”. وهكذا يظل الموت يلاحق “سيد” في حياته برحيل أمه التي تورطت في جلب الزبائن للغرباوي الساحر فماتت ملعونة من أهل القرية لا يشفق عليها أحد؛ غير أن ولدها يظل يعزف على الناي حتى الصباح كي يؤنسها في قبرها، في مشهد يفيض بالشجن. بل وسيدفن سيد مع أمه سماعة الطبيب، أو حلمه الذي مات مبكرا لأن المدرسة رأت فيه “ابن ملعونة”، ويدفن شعرة حبيبته التي تزوجت غيره، وكأنه يدفن أحلامه جميعا بالفرح!!
من هذه القسوة يواجه سيد الموت نفسه في أرض الخوف المحيطة بقصر الساحر دون أن يطرف له جفن لأن قسوة البشر أصبحت موتا أشق.
وثاق الروح
“يهمس لي فارس أحبك فيضيء ألف مصباح “
تعيدنا الرواية للأدب الرومانسي المشع بحالة حب تجمع قلبي الفتاة “حسناء” وخطيبها “فارس” وقد التقته وهي بعد صبية تزور مسجد القرية، ونمت علاقتهما التي تحمل داخلها ذكريات برائحة الزهور وصوت العصافير وخفقات القلب المتسارعة.
وتتحول علاقات الحب للنفور في الرواية مع وقوع الضحايا في براثن الأسحار والأشباح التي تزورها ليلا وتنتهك روحها وجسدها، كحال ضحايا الساحر الغرباوي والذي يسلط الجن لتلبس صوت حبيب كل منهن في الواقع، والتفوه بكلماتهم وسط أجواء مشحونة بالرغبة والانتهاك الجسدي الذي تفيض الرواية في وصفه وكأنه انتقام باسم الحب.
لقد كانت شخصية “فارس” هي الدعامة الحقيقية لحسناء بطلة الرواية؛ لكنه شخصيته على الورق اكتفت بكلماته الداعمة دون حضور يقترب من هواجسه وتفاعله مع اختبار الحياة في حب العمر.
صحراء الحب
“كزهرة وحيدة نبتت داخل كهف تذبل عطشا في شتاء بفيض بالمطر عل الجميع!”
تجسد الرواية محنة الفتاة التي فاتها قطار الزواج في مجتمعنا بصورة دقيقة من خلال “صباح” والتي رفض أهلها من تقدم لخطبتها لفقره، ولكن الحياة لم تمنحها العوض. نرى مع صباح كيف تهرب من قسوة واقعها الذي يجبرها على خدمة بيت أهلها في الصعيد منذ الفجر، وقسوة أبيها الذي يضنّ عليها بكلمة عطف تقوي روحها كما يفعل والد حسناء. وكيف تعزي نفسها في أحلام يقظة تصبح فيها امرأة مرغوبة من جميع من تمنتهم، وتتمادى بدافع حرمانها الجسدي فيما هو أبعد من كلمات الحب، وهو ما يجعل مشاعرها تجاه الأسحار مختلفا ونابعا من حرمانها حتى تفيق وتدرك انها كانت تطير بـ”أجنحة الوهم”
وحوار صباح مع ابنة خالتها يكشف عزلتها عن التعلم والقراءة، وسجنها في محيط ضيق لبيوت العائلة والخطّاب الأرامل والمطلقين المسنين الذين يرغبون في زوجة ومربية لأولادهم في صفقة واحدة. ولهذا يبدو طبيعيا أن تسقط صباح في بئر الغيرة من ابنة خالتها، وترى البيئة حولها صلدة قاسية وليس كما تراها حسناء التي يحيطها الحب من كل جانب.
بيت الأشباح
“جميعنا دمى خشبية في مولد، تحرّكنا خيوط خفية..”
تنشأ عقدة لدى طفل يقتل أبوه التاجر زوجته التي شعر بخيانتها في غيابه، ولم يكن هذا الطفل سوى الغرباوي ساحر الصعيد بعباءته السوداء وشرهه للانتقام من النساء الجميلات. وتبرع الحبكة في ربط حكايات الشال الأحمر المعلق في أرض الموت على غصن شجرة من مجرد قصة رعب لحقيقة ندرك قصة أصحابها في بيت الغرباوي.
في الرواية نرى تواصل السحرة مع جند الشيطان بعهد التسخير والولاء. لم يكن طريق سيد لبيت الغرباوي إلا بدافع الشفقة أولا على سعدية التي حولتها الأسحار لامرأة بائسة، ولم يدرك أن قلبه سيتغير للأبد منذ ذلك الوقت وسيتعلم القسوة التي ذاق كؤوسها، وسيخلف الغرباوي ويحمل صفاته.
ترسم الرواية شخصيات من نور ونار؛ فأم سيد كانت تفيض بالحنو رغم تورطها في خدمة الساحر؛ تلعنها لكنك تبكي معها في ضريح القناوي أو وهي تتصور مع ولدها بسماعة الطبيب. تشفق على ابنها حرمانه وتحنق على تحوله لدجال أصيل يبيع وهم السعادة بأسلوب عصري يصبح فيه الإعلام والدعاية هم الجلابون الجدد للضحايا. لقد أصبح “مداويا للجراح بأقلام الوهم لمن نصبوه إلها يغير أقدارهم!”
لقد كان الشيخ عامر وجها مسيئا لرجل الدين حين حطم ناي سيد ودهسه لأنه “مزمار الشيطان” وحين ركله بقسوة ورفض أن يتصدق عليه في عز جوعه وبؤسه، لأنه “ابن ملعونة” فجعل الطفل يلقمه بالحجارة التي أصابت نافذة المسجد!.
وتدفعنا الرواية للاقتراب من عالم آخر من الخرافة والدجل من باب فك السحر عن النساء، في الساحات المبروكة والأديرة، رأينا مع البطلة هذا يضربها وهذا يرقيها وهذا يعظها، تتحداهم بالجن المتلبس فيها وتذكرهم بماضيهم البشري الغارق في الشهوة، فنصبح أمام صراع أكبر بين الطهر والخطيئة، الكرامة والدجل.
واشرقت الشمس
“تعبر كلمات الله من صوته العذب مثل خيوط النور فتضيء أرواحنا كمصباح متوهج”
تبدو شخصية الشيخ عبد العظيم هي مثال لصوت الدين النوراني؛ لقد أخبر البطلة منذ صباها بأن “الحب ليس حراما وإنما ما يغضب الله باسمه”، وتلقفها في عز محننتها التي كادت تنتحر بسببها بكلمات من نور اخترقت قلبها ورأت فيها محبة الله تحيطها.
وسط فوضى عارمة وأحداث متشابكة، تلقي الرواية بحبل النجاة لأبطالها الحيارى وتعيدنا للحظة النور بعد رحلة مضنية في دروب الظلام، تجعلنا ندرك محبة الله في ضوء الصباح، وتهمس بهمس يتشارك حب يظل “حتى تحترق النجوم”، يحميهما من العواصف كقارب نجاة.
اقرأ أيضا :
السيد حامد: إسرائيل الكبرى مؤامرة تعمل بقوة السلاح
