ثقافة وأدب

محمد طه في “علاقات خطرة” يحذر من العلاقات السامة

تشهد أروقة المكتبات العربية في السنوات الأخيرة تدفقًا لافتًا لكتب التنمية الذاتية والصحة النفسية، ولكن قليلا منها نجح في إحداث فرق حقيقي في وعي القارئ العادي. في كتابه الأبرز علاقات خطرة، يسلط استشاري الطب النفسي الدكتور محمد طه الضوء على الجروح النفسية غير المرئية التي تصيب علاقاتنا اليومية.

لم يكن الكتاب مجرد تجميع لنظريات أكاديمية جافة، بل جاء كدليل إنساني بلغة عامية مثقفة وأسلوب سلس، يُعيد صياغة أعقد مفاهيم التحليل النفسي ليضعها بين يدي الشاب، والموظف، وربة المنزل، محولًا عيادة الطب النفسي من فضاء نخبوي معزول إلى مرآة مواجهة يرى فيها كل قارئ تفاصيل حياته.

في قاموسه العلاقات السامة ليست مجرد خلافات، بل هي بالوعة تستنزف طاقتك، وسيطرة تلغي وجودك، وإسقاط يصنع منك طاغية رغمًا عنك.

كائن علاقاتي

يؤسس الدكتور محمد طه كتابه على فرضية وجودية بالغة العمق في قوله: نحن نولد في علاقة، ونمرض في علاقة، ونشفى في علاقة. ومن خلال هذا المنطلق، ينسف الكاتب الفكرة التقليدية التي ترى في الصحة النفسية حالة فردية انعزالية. فالإنسان في منظور الكتاب كائن علاقاتي بالدرجة الأولى، وتتحدد جودة حياته النفسية بناء على ثلاثة مستويات من التشابك: العلاقة مع الذات ومدى الوعي بالاحتياجات الحقيقية دون زيف. والعلاقة مع الماضي والقدرة على تفكيك صدمات الطفولة والتصالح معها. والعلاقة مع الآخرين: الشريك، والأهل، والأصدقاء، والمجتمع.

في بحثه عن جذور العلاقات المشوهة، يغوص الكاتب في فكرة الذات المزيفة. وكيف يضطر الإنسان مدفوعا بالرغبة في القبول والتشجيع الاجتماعي أو الوالدي إلى ارتداء قناع يرضي الآخرين على حساب رغباته وهويته الحقيقية.

هذا التشويه الذاتي يتكامل مع آلية الإنكار، حيث يوهم المرء نفسه بأن كل شيء على ما يرام، ليقوم بتخزين الآلام في اللاشعور. هذا التخزين يتحول لاحقًا إلى قنابل موقوتة تنفجر في شكل اضطرابات نفسية أو أمراض جسدية.

الشخصيات الخطرة

يخصص الكاتب مساحة واسعة لتشريح أنواع العلاقات التي تصيب الإنسان بالتسمم، مستخدمًا أسماءً مستوحاة من واقعنا اليومي لتيسير فهم آليتها وتأثيرها النفسي؛ حيث يبدأ بعلاقة الاستنزاف وهي العلاقة التي يمتص فيها طرف واحد كل طاقة الآخر ووقتّه واهتمامه دون تقديم أي مقابل عاطفي، مرورًا بعلاقة الاستهلاك المبنية على المنفعة البحتة والتي تنتهي فيها قيمة الإنسان بمجرد انتهاء الفائدة المرجوة منه.

كما يسلط الضوء على علاقات قائمة على التحكم والسيطرة التي يلغي فيها أحد الطرفين شخصية الآخر تمامًا ويحوله إلى تابع بحجة الحب أو الخوف عليه، بالتوازي مع علاقات قائمة على الابتزاز العاطفي وإشعار الطرف الآخر بالذنب المستمر مما يعقد الحياة بدلًا من تيسيرها. ويختتم هذه الأنماط بعلاقات تقوم بالتنبؤ الذاتي -صناعة الطاغية-، وهي آلية نفسية معقدة يتوقع فيها شخص السوء من شريكه باستمرار ويتصرف بناءً على هذا التوقع، مما يدفع الشريك لا شعوريًا لارتكاب السوء فعليًا وتحقيق هذا التنبؤ.

الحيل الدفاعية

يحلل الدكتور محمد طه الآليات الدفاعية اللاشعورية التي نستخدمها وتدمر علاقاتنا دون أن ندري، ويسلط الضوء بشكل تفصيلي على ظاهرتين هما الأكثر فتكًا بالنسيج الإنساني، هما: ظاهرة الإسقاط، وهي حيلة دفاعية يهرب بها العقل الباطن من مواجهة حقيقته المُرّة. عندما يحمل الشخص صفة سيئة أو رغبة غير مقبولة، يقوم لا شعوريًا بإسقاطها على الآخر، وكأنه يملك جهاز عرض سينمائي يرى عيوبه الخاصة معروضة على شاشة الآخرين.

وظاهرة التماهي، وتعد هذه الظاهرة من أخطر التشوهات النفسية؛ حيث يقوم الشخص الذي تعرض للأذى أو التنمر أو القهر في طفولته بتقمص دور الجلاد لا شعوريًا، ليمارس نفس الأذى والقسوة مستقبلًا على أطفاله أو شريك حياته، ظنًا منه -في اللاشعور- أن هذا يحميه من دور الضحية.

وفي العلاقات التي يصفها الكاتب بالتملك أو إلغاء الآخر، يتخلى أحد الطرفين عن استقلاليته ليتحول إلى مجرد امتداد للطرف المسيطر. والخطورة الكبرى هنا هي أن السيطرة تأتي دائما تحت أقنعة براقة مثل: الحب أو الخوف.

ويستخدم المسيطر أسلحة كالابتزاز العاطفي ليفقد الضحية ثقتها بنفسها تمامًا. وللخروج من هذا الفخ، يقدم الكتاب استراتيجية مواجهة تتطلب شجاعة عالية، أهمها: استعادة الوعي وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية؛ فالخنق ليس اهتمامًا، والإلغاء ليس حبًا.

خريطة التعافي

ويقدم الكتاب دليلًا عمليًا يتلخص في ثلاث خطوات متتالية للتعافي، هي: التغيير، والقبول، والقدرة على البدء من جديد. وتكمن عبقرية الكتاب الأساسية في أنسنة الطب النفسي. لقد نجح في نزع الغلاف الأكاديمي الجاف والبارد عن نظريات قامات كبرى مثل كارل يونغ، وفرويد، وقدمها بخلطة مصرية وعربية معاصرة. جعل النص نابضًا بالحياة ويلامس الوجدان مباشرة.

ولكن قد يُعاب على الكتاب الإفراط في استخدام اللغة العامية في بعض المواضع ما أدى إلى تبسيط مخل لبعض المفاهيم النفسية شديدة التعقيد. والتقسيمات الكثيرة والجازمة للشخصيات السامة قد تدفع القارئ غير المتخصص إلى حالة من الوسوسة النفسية، مما يجعله يسارع بإطلاق الأحكام الجاهزة وإلصاق تهم مثل نرجسي، أو سام، أو مستهلك على المحيطين به دون امتلاك الأدوات الحقيقية للتشخيص.

قيمة الكتاب الحقيقية في قدرته العالية على دفع القارئ لإعادة ترتيب دائرته المقربة. وتقييم علاقته بذاته، ليتخلى عن دور الضحية، ويبدأ رحلة حقيقية نحو التشافي النفسي. فالعلاقة الصحية هي التي تجعلك في كل يوم نسخة أفضل وأجمل وأكثر حرية من نفسك. أما العلاقة التي تجعلك خائفًا، متوترًا، ومقيدًا، فهي علاقة خطرة يجب مراجعتها فورًا.

 

اقرأ أيضًا:

فريضة الحج.. سلام داخلي وولادة جديدة للمسلم

اقتصاد النقرة يحوّل الشراء اليومي إلى هوس مقلق

الطعام والاستعمار: أسرار فوز يوميات تايوان بالبوكر الدولية

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19342

موضوعات ذات صلة

ملحمة آخر الزمان في الصفحات الأخيرة لمحمد أنيس

المحرر

ريتا بربارة لـ”صوت البلد”: نجوت وأصبحت أميرة

أيمن مصطفى

إعلان الإخوان الدكتاتوري .. وأيام الغضب المصري

المحرر

الكحلاوي شخصية العام للتراث

هدير عادل

نقاد: ما ألقاه الطير عمل بديع يستحق الانتشار

المحرر

حامل مفتاح المدينة.. أن يصبح التعاطف طوقا للنجاة

شيماء عيسي