ثقافة وأدبسليدر

جيل “كل شيء”مهارات متعددة .. طريق للإبداع أم التشتت؟

يأتي اليوم العالمي لمهارات الشباب هذا العام تحت شعار “مهارات من أجل مستقبل مشترك”، ليؤكد أن بناء مستقبل الشباب لم يعد يعتمد على المهارات التقنية وحدها، بل على مزيج من المهارات الرقمية والإبداع والتفكير النقدي والقدرة على التكيف والتواصل. وأكدت الأمم المتحدة أن تنمية المهارات أصبحت ركيزة أساسية لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل التطور التكنولوجي والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

فيما تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل بطالة الشباب عالميًا بلغ نحو 13% في عام 2023، وهو أدنى مستوى خلال نحو خمسة عشر عامًا. لكن التحولات المتسارعة في سوق العمل تجعل تطوير المهارات أولوية مستمرة لضمان فرص عمل لائقة ومستدامة. وتعكس هذه المؤشرات أن امتلاك مهارات متنوعة لم يعد وسيلة لتعزيز فرص العمل فحسب، بل أصبح أحد ملامح التحول الثقافي الذي يعيشه الشباب في مختلف أنحاء العالم.

يطرح الاحتفاء باليوم العالمي لمهارات الشباب سؤالًا يتجاوز العلاقة التقليدية بين التعليم وسوق العمل إلى تساؤل أعمق يرتبط بالهوية الثقافية والإبداعية للأجيال الجديدة: كيف يعيد الشباب اليوم تعريف مفهوم المهارة؟ فإلى جانب اكتساب الخبرات المهنية، تشير اتجاهات المشهد الثقافي إلى بروز جيل يميل إلى الجمع بين مهارات متعددة، حيث تتداخل الموهبة الأدبية والفنية مع الكفاءات الرقمية، وتتحول التحديات المتسارعة إلى فرص لابتكار أشكال جديدة من التعبير والإنتاج الثقافي.

الإبداع الرقمي

في هذا العصر، لم يعد النص الأدبي حبيس الورق، كما لم يعد الفن التشكيلي مقصورًا على قاعات العرض. فقد اتجه كثير من الشباب إلى تطوير مهارات الدمج بين الإبداع الفني والأدوات الرقمية، مستخدمين تقنيات التصميم والذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات مساعدة تعزز العملية الإبداعية، لا بديلًا عن الموهبة الإنسانية.

ويتجلى ذلك في تجارب عدد من المصممين والفنانين البصريين الشباب الذين يعيدون توظيف الخط العربي والزخارف والعناصر التراثية في أعمال رقمية معاصرة، بما يواكب التطورات التقنية ويحافظ في الوقت نفسه على الخصوصية الثقافية. وهنا لا تقتصر المهارة على إتقان التكنولوجيا، بقدر ما تمتد إلى القدرة على إعادة تقديم الموروث البصري بصورة معاصرة في ظل هيمنة المنصات الرقمية العالمية.

صناعة المعرفة

مع التدفق الهائل للمعلومات عبر المنصات الرقمية، برزت لدى كثير من الشباب مهارة اختيار المحتوى الثقافي وتنظيمه وتقديمه بأساليب أكثر قربًا من الجمهور. وأصبح صناع البودكاست الثقافي وصناع المحتوى على المنصات الرقمية يؤدون دورًا متناميًا في تبسيط الأفكار والكتب والأعمال الفنية وتقديمها بلغة تناسب جمهورًا واسعًا، بما يسهم في إتاحة المعرفة لشرائح أوسع من المتلقين عبر مهارات التلخيص والتحليل والتواصل. كما يسهم بعض هؤلاء في تشجيع القراءة والنقاش الثقافي لدى فئات من مستخدمي المنصات الرقمية، من خلال تقديم محتوى يجمع بين العمق وسهولة الوصول.

مهارة التكيف

في المسرح المستقل والجامعي تتجسد مهارة التكيف بصورة لافتة. فكثير من المسرحيين الشباب يؤدون أكثر من دور داخل العمل الواحد، فيجمعون بين الكتابة والإخراج والتمثيل وإدارة الإنتاج والترويج في ظل إمكانات مالية محدودة.

ويعكس هذا الواقع أهمية مهارات إدارة الموارد والابتكار والارتجال، إذ تدفع محدودية الإمكانات إلى البحث عن حلول فنية مبتكرة، وإعادة قراءة النصوص والقضايا الاجتماعية والثقافية بوسائل بصرية جديدة. وتؤكد هذه التجارب أن القدرة على التكيف أصبحت إحدى الركائز والمهارات الأساسية حياة الشباب.

الوجه الآخر

ورغم ما تتيحه ثقافة تعدد المهارات من فرص للإبداع والمرونة، فإنها تطرح في الوقت نفسه تحديات متزايدة أمام الشباب. فالسعي إلى اكتساب مهارات عديدة في وقت متقارب قد يتحول، في بعض الحالات، إلى مصدر للتشتت وضغط نفسي مستمر، خاصة في ظل ثقافة المنصات الرقمية التي تحتفي بالإنتاجية المتواصلة والإنجاز السريع.

ومن المهم التمييز بين تعدد المهارات، الذي يعني امتلاك خبرات متنوعة ومتكاملة، وتعدد المهام الذي يشير إلى محاولة إنجاز مهام عدة في الوقت نفسه أو التنقل السريع بينها. وتشير دراسات في علم النفس المعرفي إلى أن هذا النمط من العمل قد يؤثر في جودة التركيز، ويزيد احتمالات الوقوع في الأخطاء، ويقلل كفاءة الأداء مقارنة بالتركيز على مهمة واحدة حتى إنجازها.

كما قد تدفع المقارنات اليومية على وسائل التواصل الاجتماعي بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن النجاح يقتضي إتقان عشرات المهارات والتخصصات، وهو ما قد يرسخ شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء أو الخوف من تفويت الفرص. وفي المقابل، تؤكد كثير من التجارب أن التميز الحقيقي لا يتحقق بكثرة المهارات وحدها، بل بالقدرة على توظيفها في خدمة مجال رئيسي يمنح صاحبه هوية واضحة ورؤية متماسكة.

ومن هنا، لا تبدو القضية في امتلاك مهارات متعددة أو الاكتفاء بمهارة واحدة، وإنما في تحقيق التوازن بين التنوع والتخصص، بحيث تصبح المهارات المتعددة أدوات تدعم الإبداع، لا عوامل تشتت الجهد أو تستنزف الطاقة.

مهارة التوازن

يدعونا اليوم العالمي لمهارات الشباب إلى إعادة النظر في مفهوم المهارة الإبداعية ومعايير تقييمها. فالكثير من الشباب لا يكتفون بإتقان تخصص واحد، بل يسعون إلى الجمع بين المعرفة الفنية والمهارات الرقمية والتواصلية، بما يواكب التحولات الثقافية والتقنية المتسارعة. ومن خلال هذه المقاربات الجديدة، يسهمون في تشكيل مشهد ثقافي أكثر تنوعًا وحيوية، يعكس قدرتهم على الابتكار والتكيف مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية وهويتهم الإبداعية.

في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الثقافة بوتيرة غير مسبوقة، تكمن المهارة الحقيقية في القدرة على بناء معرفة عميقة، وتطوير مهارات متكاملة، واستخدامها بمرونة وإبداع. فالمستقبل لن يكون من نصيب من يمتلك أكبر عدد من المهارات، بل من يعرف كيف يوظف مهاراته بعمق، ويوازن بين التخصص والمرونة، ويحوّل المعرفة إلى إبداع مؤثر.

 

اقرأ أيضًا: 

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

نجلاء رسول: لوحاتي ولدت من رماد الفقد لتحلّق

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22658

موضوعات ذات صلة

إعلانات المنتخب.. عامل مناجم بآيفون ومشجع فهلوي انهزامي

سارة الدسوقى

وخزة إبرة.. تنقذ قلبك وحياة الآخرين

سارة الدسوقى

الشرقية تقنن أوضاع المواطنين علي أراضي الدولة

محمد مرسي

ذهبية وبرونزية لأبطال أسيوط ببطولة أفريقيا للمصارعة الحرة

أحمد الفاروقى

نجلاء رسول: لوحاتي ولدت من رماد الفقد لتحلّق

سارة الدسوقى

الملكية العامة للكتب: فرص وتحديات

أسماء قدري