ثقافة وأدبسليدر

المهق.. طفرة جينية اتهمتها الشعوب بالشعوذة وأنصفها الأدب

بين ملامح بيضاء كالثلج وسط مجتمعات ملونة، يعيش ملايين الأشخاص حول العالم حاملين طفرة جينية تُعرف بالمهق أو “الألبينية”. لكن هذه الحالة النادرة لم تكن يومًا مجرد غياب لصبغة الميلانين في الجلد والشعر والعينين، بل تحولت في كثير من الأماكن إلى معركة يومية ضد الخرافات والتمييز والاضطهاد.

في جوهره، المهق ليس مرضًا معديًا بل هو اضطراب وراثي غير مؤذٍ للآخرين، ينتج من عجز الجسم عن إنتاج كميات كافية من صبغة الميلانين. غياب هذه الصبغة لا يغير المظهر فحسب، بل يتسبب في مشاكل بصرية حادة، مثل: ضعف النظر الشديد وحساسية الضوء نتيجة عدم اكتمال نمو شبكية العين والعصب البصري بشكل طبيعي. كما يجعل الجلد عرضة للإصابة بالحروق الشديدة وسرطان الجلد بنسب مرتفعة جدًا، مما يجعله خطرًا مهددًا للحياة في المناطق المشمسة إذا لم يتوفر الواقي الشمسي المناسب والرعاية الصحية.

الشرير المشوه

تاريخيًا، ارتكبت الثقافة البصرية والأدبية خطأ فادحًا في حق المصابين بالمهق؛ فلفترة طويلة، روجت السينما الهوليوودية والروايات لشخصية “الألبينو” كرمز للشر، أو القوة الخارقة الغامضة، أو الكائن الملعون في أفلام الإثارة والرعب. ولعل أبرز مثال على ذلك شخصية “سيلاس” في رواية وفيلم شفرة دا فينتشي (The Da Vinci Code)، حيث ظهر القاتل المصاب بالمهق كشخصية مخيفة وسادية.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا تدريجيًا نحو التوعية والإنصاف، حيث بدأ الأدباء وصناع الأفلام في تقديم قصص واقعية تلمس الجانب الإنساني وتدافع عن حقوقهم.

الأدب الأفريقي

تُعدّ جزيرة أوكيريوي في تنزانيا موطنًا لمجتمع كبير من المصابين بالمهق، الذين يواجهون تحديات وجودية قاسية؛ حيث يُقتل العديد منهم عند الولادة أو تُنبذهم عائلاتهم، فضلًا عن خطر ملاحقتهم لقتلهم وتقطيع أوصالهم بدافع خرافات يروج لها المشعوذون تزعم أن أجزاء من أجسادهم تجلب الثروة والحظ.

يأتي الفيلم الوثائقي للمخرج هاري فريلاند “في ظل الشمس”، الممتد على مدار خمس سنوات، ليكشف عن تفاصيل هذه المعاناة من خلال قصة عضوين في جمعية المهق التنزانية يناضلان من أجل حقوقهما؛ وهما “جوزيفات”، المدافع قوي الإرادة الذي كرّس حياته لمواجهة التمييز بشجاعة ويحلم بتسلق قمة كليمنجارو، و”فيداستوس”، الفتى الذكي والمبدع ذو الخمسة عشر عامًا الذي يعيق ضعفُ بصره تقدمه الدراسي، واللذين افترقت طرقهما مع تصاعد موجة الجرائم الوحشية، حيث فرّ المراهق بحثًا عن الأمان بينما صمد الناشط في وجه الخطر، ليجسد الفيلم بوضوح صراع الخرافات المتجذرة أمام الإرادة الإنسانية الهائلة.

وفيلم ظل أبيض (White Shadow) هو عمل درامي ألماني إيطالي تنزاني مشترك صدر عام 2013، توج بجائزة “أسد المستقبل”. تدور أحداثه حول معاناة شاب مصاب بالبرص (المهق) يهرب من مستشفى محلي، ليجد نفسه مطاردًا من قِبل بعض الأطباء والمشعوذين الذين يسعون لاصطياده واستغلال أجزاء من جسده في إعداد جرعات ووصفات علاجية تقليدية.

والفيلم الوثائقي في جيناتي (In My Genes) من إخراج الفنانة العالمية “لوبيتا نيونغو”، ويسلط الضوء على حياة ثمانية أفراد مصابين بالمهق في كينيا، عارضًا التحديات المجتمعية والطبية التي يواجهونها، مع التركيز على إبداعهم واندماجهم.

فقد تحولت السينما والدراما المستقلة من منصة للتشويه إلى أداة لرفع الوعي العالمي من خلال أعمال رائدة أنصفت المصابين بالمهق وقدمتهم كبشر طبيعيين يمتلكون أحلامًا ويواجهون تحديات حقيقية.

أهل الضي

وعلى الساحة الفنية والأدبية العربية، ظلت مناقشة المهق شحيحة لفترات طويلة. إلا أن الفن العربي شهد مؤخرًا طفرة نوعية جريئة وغير مسبوقة لدمج هذه الفئة وأنسنة قضاياها، بفيلم “ضي.. سيرة أهل الضي” الذي يُعد نقلة تاريخية مهمة في السينما العربية؛ كونه أول فيلم روائي طويل يضع شخصية مصابة بالمهق في دور البطولة المطلقة.

تكمن قوة الفيلم في رفضه الاستعانة بممثل يضع مساحيق تجميل، بل أسند البطولة لوجه جديد حقيقي مصاب بالمهق، ليعبر بصدق عن المعاناة والآمال. كما حظي العمل بزخم إضافي كبير بمشاركة المطرب الكبير محمد منير، ليحقق الفيلم تفاعلًا مجتمعيًا ممتازًا وإشادات نقدية واسعة في المهرجانات السينمائية.

كما تحول فيلم ضي إلى نواة لمشروع تخرج استثنائي أنجزته طالبات قسم اللغات والترجمة بكلية الآداب في جامعة القاهرة. المشروع الذي شاركت في صياغته الباحثات الواعدات: ولاء المسيري، وندى فتح الله عمارة، وريم مصطفى محمد، وجنى محمد جمال، ونورا ناصر دهب، ومريم محمد عبد المنعم، ومريم حسني فارس، وملك عمرو محمد، وإسراء حسن محمد، كان رسالة لغوية واعية تهدف إلى نقل المعاناة الإنسانية للمصابين بالمهق إلى الوعي العالمي عبر بوابة الترجمة السمعية البصرية، مع التركيز على معاناة الألبينو النابعة من أحكام المجتمع قبل الحالة الجسدية.

جهود التوعية

لم يتوقف التغيير عند شاشات السينما فحسب، بل امتدت جهود الوعي لتشمل مسارات مجتمعية عملية وتغييرات جذرية في مجالات الموضة والنشاط المدني: أولى هذه الخطوات تجلت في اقتحام منصات الأزياء العالمية؛ حيث نجح عارضو أزياء مصابون بالمهق، مثل العارضة والمحامية الحقوقية الإفريقية “ثاندو هوبا” والعارض الأمريكي “شون روس”، في كسر احتكار معايير الجمال التقليدية على كبرى المنصات الدولية، مؤكدين أن الاختلاف يمثل قوة وتميزًا بصريًا فريدًا وليس عيبًا.

مبادرات رقمية

أما على الصعيد العربي والمحلي، فقد تبلور التغيير في شكل مبادرات رقمية رائدة، تتقدمها صفحة ألبينو مصر التي أسسها الشاب أحمد أسعد. وقد نجحت هذه المنصات الرقمية في قيادة حراك معاصر لتصحيح المفاهيم الإقصائية، ودحض المسميات الجائرة، علاوة على تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الطلاب في البيئات التعليمية.

ويتكامل هذا الوعي الثقافي مع حملات الوعي الصحي والدعم الميداني، بالتوازي مع تكثيف الجهود الإرشادية لتثقيف الأسر بأن المهق ليس لعنة عائلية وإنما هو طفرة جينية طبيعية.

إن مواجهة التمييز ضد المصابين بالمهق تبدأ من الكلمة والصورة. لطالما كان الفن مرآة للمجتمع، واليوم، يعيد الأدب والسينما صياغة هذه المرآة لتكون أكثر عدلًا وإنصافًا. التوعية بالمهق ليست مجرد تعاطف عابر، بل هي اعتراف بحق إنساني أصيل في العيش بأمان وكرامة تحت أشعة الشمس دون خوف.

 

اقرأ أيضًا:

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

إعلانات المنتخب.. عامل مناجم بآيفون ومشجع فهلوي انهزامي

جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال

أسرار “الصرخة”: لماذا يشبهنا ساكن اللوحة المشوه؟

فيلم “برشامة”.. سيميائية العبث وميثولوجيا الغش

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20353

موضوعات ذات صلة

إسترداد 30 فدانًا من أراضي الدولة بأسيوط الجديدة

أحمد الفاروقى

غادة العبسي: الحب أخرجني من سجن الحرب

المحرر

عروس البحر تحت مقصلة “الفريزة”

أيمن مصطفى

كلهم بيحبوا مودي… كوميديا السقوط من القمة

حسن عبدالعال

الزمالك يواجه أزمة جديدة بعد تجميد أرض مطروح

محمود المهدي

تفاصيل لقاء البابا تواضروس مع الأنبا بضابا

حازم رفعت