
تتحول الشاشات قبيل البطولات الكروية الكبرى لمنتخب مصر إلى ساحة معركة تسويقية لا تقل ضراوة عن المعارك التكتيكية داخل المستطيل الأخضر. ولم تعد شركات الاتصالات الثلاث الكبرى (اتصالات e&، وفودافون، وأورنج) تتنافس على تقديم جودة الخدمة، بل أصبحت تتنافس على كسب قلب المشجع المصري عبر دغدغة مشاعره، أو إضحاكه، أو حتى مواجهته بمخاوفه. دارت هذه الحملات الإعلانية بين الملحمية التقليدية، وكوميديا النجم الأوحد، والواقعية الساخرة.
الكلاسيكية الآمنة
اعتمدت شركة اتصالات e& على البناء الدرامي التقليدي الذي يربط بين حركة المجتمع وحركة اللاعبين. يقوم الإعلان على ثنائية اللاعب الواحد والجمهور؛ حيث يستعرض فئات متنوعة من المجتمع: عمال مناجم وموظفين وأطفال مدارس وغيرهم، يطلبون من اللاعب -عمر مرموش- تحقيق ما يحلمون به. المخرج اعتمد على اللقطات السريعة المقطعة ليربط بين اللاعب وعدة فئات مختلفة تطالبه بتحقيق الحلم الذي طال انتظاره.
اجترار الأفكار
سقط الإعلان في فخ التكرار؛ ففكرة المنتخب الذي يجمع كل طوائف الشعب هي الكليشيه الأكثر استهلاكًا في تاريخ الإعلانات المصرية منذ عقود. الإعلان لم يقدم لغة بصرية جديدة أو زاوية مبتكرة، بل بدا كنسخة مكررة من حملات سابقة.
افتقر النص الإعلاني (السيناريو) إلى العمق، وجاءت الكلمات مكررة، مما أضعف الأثر الدرامي وتحول إلى بروباجندا. ومحاولة استعراض أكبر عدد ممكن من المهن والفئات في ثوانٍ معدودة خلق نوعًا من التشتت البصري، وحرم المشاهد من التعاطف العميق مع قصة إنسانية بعينها.
جاءت أكبر سقطات الإعلان في محاولة استعراض فئات كادحة من المجتمع وأخرى مختلفة في السن والطبقات الاجتماعية، ولكنهم جميعًا يحملون هاتفًا من نوع الـ “آيفون”، فكيف يحمل عامل منجم وأطفال يلعبون الكرة في الشارع وآخرون يلعبون في الموالد هاتفًا بهذا السعر؟ وهو ما يثير تساؤلًا كبيرًا حول الدعاية في الإعلان، هل هي للمنتخب أم للشركة أم أنها للهاتف؟!
سطوة النجم
اختارت فودافون الاتكاء على القوة الجماهيرية الجارفة للاعب النجم محمد صلاح، مع تطعيم الحملة بجرعة كوميدية عبر الفنان مصطفى غريب. اعتمد الإخراج على مونتاجٍ متوازٍ، ركز على تدريبات صارمة للمنتخب، وحياة فارهة للمشجع، يقوم الإعلان على المفارقة الكوميدية؛ حيث يتلقى أفضل لاعب في أفريقيا نصائح تكتيكية عبثية من مشجع بسيط (مصطفى غريب).
يرسخ الإعلان -عن غير قصد- الأزمة الأزلية للمنتخب وهي اختزال الفريق في لاعب واحد، مع غياب بقية نجوم المنتخب عن الكادر واقتصار التواصل على صلاح فقط، ويعكس رؤية تسويقية فردية تضعف من قيمة الروح الجماعية للمنتخب. اعتمدت الكاميرا على اللقطات المتوسطة والقريبة لإبراز التعبيرات الحركية لغريب، وردود الفعل التلقائية والساخرة لصلاح.
ورغم محاولة إظهار مكالمات الفيديو كدليل على جودة الشبكة -الفكرة نفسها التي حاولت شركة e& تسويقها- إلا أن الحبكة الكوميدية كانت من القوة والجاذبية بحيث سرقت انتباه المشاهد تمامًا عن الرسالة البيعية للشركة. خرج المشاهد متذكرًا إيفيهات مصطفى غريب “هنتفرعن عليهم”، لا ميزات شبكة فودافون.
فيما أظهر الإعلان المشجع المصري في صورة الفهلوي الذي يفتي في التكتيك دون وعي، وهو نمط مستهلك كاريكاتيريًا، وكان يمكن استبداله بطرق أكثر ذكاءً للتعبير عن شغف الجمهور، مع ظهور غريب غير مبرر لعالم الآثار المصري زاهي حواس، فمحاولة حشر الرموز الأثرية كإقحام كوميدي لم يؤتِ ثماره.

إعلان أورنج
أحدثت شركة “أورنج” صدمة إيجابية في السوق الإعلاني هذا الموسم بتبنيها خطًا مغايرًا تمامًا، عن طريق اعتناق النقد الاجتماعي الساخر تحت شعار “المرة دي مطولين”.
الحملة اعتمدت على تفكيك سيكولوجية المشجع المصري الخائف من الخذلان، والذي يمارس التشكيك والاستسلام كآلية دفاع نفسي. تم تقسيم الحملة إلى ثلاث حلقات متسلسلة، واحدة في صالون الحلاقة، وأخرى في المطعم، وأخيرة في تجمع عائلي؛ لتقريب الرسالة إلى البيئة المعيشية اليومية.
الطاقة السلبية
وعلى الرغم من أن تقسيم الحملة إلى ثلاثة إعلانات يهدد بتبديد قوتها التراكمية، فإن صناع الحملة راهنوا على سيكولوجية المشاهد الرقمي؛ فجاءت التجزئة كاستجابة ذكية لمتطلبات منصات مثل تيك توك، محولةً التشتت المحتمل إلى ميزة انتشارية سريعة، وهو التوجه المناسب للأجيال الجديدة.
ظهر الأداء التمثيلي المتباين للرياضيين بوضوح في الأداء التعبيري بين المحترفين واللاعبين. فقد بدا اللاعبون في بعض اللقطات مقيدين أو غير مرتاحين أمام الكاميرا، مما كسر أحيانًا حالة التلقائية التي بنيت عليها الفكرة.
بالإضافة إلى محاولة تصدير الطاقة السلبية والمخاطرة بالتسويق العكسي، فاللعب على وتر الشك والخروج المبكر هو سلاح ذو حدين؛ والتركيز المكثف على فكرة أننا سنخرج سريعًا ولن نطيل في البطولة قد يترك أثرًا نفسيًا سلبيًا أو إحباطًا مبطنًا لدى المشاهد، مما يجعل الشعار الختامي “المرة دي مطولين” يبدو قسريًا وغير مقنع كفاية من الناحية العاطفية.
رابح المعركة
إذا نظرنا إلى الإعلانات كمنتج فني وبصري متكامل، نجد أن شركة اتصالات e& كسبت معركة الدفء البصري والمواطنة، لكنها خسرت معركة الابتكار. فيما كسبت فودافون معركة الانتشار والكوميديا، لكنها كرست لفكرة الفردية. أما أورنج فقد كسبت معركة الذكاء والجرأة، لكنها عانت من تشتت الأداء وتصدير الأفكار الانهزامية.
ورغم ذلك يظهر تحول جذري في وعي صُنّاع الإعلانات في مصر؛ حيث بدأ الخطاب الإعلاني يتخلى تدريجيًا عن المثالية الزائفة والخطب الحماسية المقعرة، ويتجه نحو سينما الواقع، وسخرية منصات التواصل الاجتماعي، وهي اللغة الأكثر قدرة على الوصول إلى الجيل الجديد من المشجعين الذي يفضل “الميمز” الذكية على الشعار الرنان.
اقرأ أيضًا:
عمالة الأطفال.. براءة مغتصبة بين الفقر والجهل
جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال
أسرار “الصرخة”: لماذا يشبهنا ساكن اللوحة المشوه؟
