ثقافة وأدبسليدر

روبوت عالم النشر.. آمال عريضة ومخاوف مشروعة

جانب من ختام دبلومة الذكاء الاصطناعي باتحاد الناشرين

تثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المنتشرة في مجالات الحياة وبينها عالم التأليف والنشر والفنون، تساؤلات جوهرية حول حقوق الملكية وأصالة الإبداع الذي ارتبط تاريخيا بالروح البشرية لكنه اليوم تحول ليصبح من بنات أفكار روبوت آلي يوجهه البشر.

يأتي ذلك في الوقت الذي يصعب التخلي عن المزايا الهائلة للذكاء الاصطناعي في صناعة الكتاب؛ ومنها وجود المساعد الرقمي الذي يعين في اتخاذ قرارات صائبة في كل ما يتعلق بأضلاع النشر بدءًا من الإعداد للكتاب ومرورا بمراحل تصميم الأغلفة، والتدقيق اللغوي، والنشر والتسويق والدعاية، ثم دراسة ردود فعل القراء المستهدفين وميولهم. وبالتوازي حماية ودعم العنصر البشري وضمان النزاهة والشفافية في كل تلك الخطوات.

هكذا أكد حسام مصطفى، خبير اللغة العربية والمدرب المعتمد في تطبيقات الذكاء الحديث، خلال أمسية ختام دبلومة الذكاء الاصطناعي للناشرين، أمس، بمقر “الناشرين المصريين”، بحضور فريد زهران رئيس الاتحاد، ونيفين التهامي رئيس لجنة التطور المهني؛ حيث تسلم الناشرون المشاركون شهادات إتمام الدبلومة، مع التأكيد على سعي الاتحاد لتحويلها إلى دبلومة أكاديمية معتمدة.

صرعة الذكاء.. نعمة بشروط
وأفاد حسام مصطفى “صوت البلد”  أن الذكاء الحديث لا يمكن النظر إليه بوصفه مؤلف بالمعنى القانوني، بل هو منتج لأفكار تحتاج للعنصر البشري لمراجعتها والاستفادة منها.

وحول مدى توفر خبرة راهنة لدى الناشرين في معرفة “أصالة المنتج الفكري” وهل كتبه بشر أم ذكاء توليدي حديث، أكد حسام مصطفى أن كواشف الكتابة باللغة العربية ليست بالدقة الكافية وربما تقوم على فكرة البحث عن أنماط كتابة مشابهة للأسلوب الاصطناعي لكن لا يمكن التعويل على حكمها، ولابد من خبرة العنصر البشري في القراءة والاعتماد دوما على منتجات ذات إبداع أصيل.

وسألناه: كيف يستفيد المؤلف من الذكاء الحديث دون أن تقتل ملكة الإبداع داخله أو تسهم في تزييف كتابته لنمط محسّن ومغاير لأسلوبه؟، فأجاب: في عصرنا لا غنى للمؤلف في البحث عن المعلومات والخبرات المعينة في الكتابة، وفي العصف الذهني للأفكار وتطوير الشخصيات في حالة كتابة الأدب، ويساعده لاحقا في فهم اتجاهات القراء ومدى رواج كتاباته والاعتماد أيضا على أساليب مساعدة في كتابة منشورات ترويجية أو حتى الاعتماد على الذكاء كـ”ناقد” أحيانا لما نكتب يشير لمواطن العوار والخلل، كل هذا مشروع، أما الخطأ فهو استكتابه بدلا منا، وهذا هو ما يهدر قدرتنا لاحقا على الكتابة والإبداع فكأنما نقتلها بالبطيء، كما ينتج خطرا مجتمعيا بإنتاج نصوص متشابهة بلا روح ولا ثراء ولا تجربة إنسانية.

وعن درجة اعتماد كتابات الشباب على الذكاء الاصطناعي من واقع ملاحظاته في معرض الكتاب الماضي، أقرّ حسام مصطفى بأن نسبة كبيرة من الكتب كانت أغلفتها مصممة بنمط الذكاء الحديث، أما المحتوى فقد انتشرت فيه ظاهرة الكتابة التي تحمل نكهة الروبوت أيضا ويسهل أن تستشفها إذا كنت قاريء مدرّب، وهي ظاهرة مؤسفة بالطبع وتزداد لدى الجيل الصغير الذي شبّ في الحياة فوجد الهاتف في يده لا ينفصل عنها. والحل دائما ليس أن نمنع الشباب من تطور العصر، ولكن أن نرشده عبر حوارات مجتمعية مقنعة تبحث “كيف تستخدمه” وليس “هل تستخدمه أم لا؟”.

أما بخصوص القوانين المصرية والدولية لأخلاقيات الذكاء في مجال النشر، فأشار حسام مصطفى إلى أن التشريعات في هذا المجال ما تزال تحبو إذا ما قورنت بالتطور المتسارع للذكاء الحديث وآلياته، حتى في الدول المتقدمة. وفي مصر نحتاج بالفعل لقوانين تمنع التعدي على المصنفات الفنية عبر الذكاء الاصطناعي وتدين مرتكبها.

وعن توقعه لأثر الذكاء على مجال التأليف والنشر خلال الخمس سنوات القادمة، يتنبأ “مصطفى” أن ينمو اتجاه قوي للبحث عن العنصر البشري والكتابة الأصيلة برغم هذا التسارع في الذكاء الحديث، مع الاستفادة منه تقنيا، وهو ما يشبه بحثنا اليوم عن المنتجات اليدوية برغم المنتجات المصنّعة؛ لأن التجربة الإنسانية لها مذاق مختلف دومًا. ومن جهة أخرى سيحدث تطور يلزم الجميع بالشفافية في إعلان استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات المشروعة ومنها التصميمات والحملات ونحوها.

فرصة الناشرين الشباب
عن الخبرة العملية في استخدام الذكاء الاصطناعي، قالت نيفين التهامي : إن المساعد الحديث بالفعل يوفر الكثير من الوقت والجهد للناشرين خاصة وان نسبة كبيرة من شباب الناشرين لا يمتلكون فرق عمل كبيرة لمساعدتهم، وبهذا فهم بحاجة لإجادة مهاراتهم في البحث عن حملات تسويقية وخبرات إدارية وتحليل لاتجاهات القراء والسوق، من أجل قرارات صائبة في عملية النشر، وهذا تحديدا هو ما دفع اتحاد الناشرين لتبني تدريس دبلومة الذكاء الحديث وكيفية تغذيته بمعطيات دقيقة للحصول على نتائج وافية والتعرف على اشكال المساعدين المختلفة.

أما عن رأيها في أغلفة الذكاء الاصطناعي بوصفها ناشرة، فقالت التهامي: بالطبع لا اعتمدها؛ لأن العنصر البشري ولمسته هي التي تضفي بصمة الدار على كتبها، ولكن هذا لا يمنع من الاستفادة من أفكار الذكاء الاصطناعي في عناصر التصميم قبل أن يتسلمها المصمم ويبدأ عمله الإبداعي.

أخيرا بسؤالها عن توقعاتها لتطورات النشر بعد خمس سنوات، وهل سيحدث استغناء عن مهن مثل “المترجم” و”المدقق اللغوي” بعد انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي؛ نفت “التهامي” إمكانية حدوث ذلك مشيرة إلى أن العنصر البشري هو الذي يدير الآلة وليس العكس ولا يمكن أن نعتمد على الذكاء في الترجمة والتدقيق منفردا لأنه مازال يقدم نسبة كبيرة من الأخطاء والأشياء المرتبكة. بل بالعكس فإننا سنضيف لمهنة النشر نوعية جديدة من الوظائف المرتبطة بخبرة الذكاء الاصطناعي، ولهذا فإن الآلة لن تلغي العنصر البشري بل ستدعمه.

اقرأ أيضا

كيف نستعيد بشريتنا من “صاحب الصوت الأزرق”؟ 

مصنع الأحلام.. أنت المعجزة التي تنتظرها

على جبهة الذكاء الاصطناعي

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23426

موضوعات ذات صلة

بلجيكا تنتزع التأهل من أنياب السنغال

محمد عطا

جنون الاسعار وصرخة مريض

المحرر

أرتيكاريا البرد.. الحساسية الصامتة

أيمن مصطفى

التحول الرقمي ينظم خدمات وزارة السياحة

هدير عادل

يوسف الشريف يشعل حماس رمضان بـ «فن الحرب»

الأحزاب تشيد بإحباط مخطط حسم الإرهابي

المحرر