
هل تعيش حياتك مؤرقًا بحلم أردت تحقيقه لكنك لا تملك جرأة الإقدام؟ ..حلم يراقبك من زاوية في قلبك ويطاردك في الطرقات لكنك تشيح بوجهك متعللا بظروف الحياة، وتضعه من جديد فوق رف الانتظار!.
هنا تناديك د.نشوى صلاح، استشارية الصحة النفسية وتطوير الذات، بأن الحلم لن ينتظر من جديد، وتصطحبك لمصنع دشنته فقط من أجل تحقيق الأحلام. تخبرك في كتابها الصادر مؤخرًا عن دار “الشروق” بأن البذرة التي تضعها اليوم وترويها بماء اليقين والسعي ستنفتح لها أبواب الكون.
من “بوابات العبور للحلم” تنطلق بنا الرحلة لتخبرنا بأدق الأسرار النفسية لأصحاب الإيمان والمتانة النفسية والرغبة في التغيير، ثم ننطلق بعدها للجزء الثاني الذي يستعرض القوانين الإلهية والتي يعينك فهمها في إعداد التربة من أجل حلمك وتسخير الكون كله من أجله.
جاءت الرحلة في الكتاب عبر سرد وجداني شديد الحميمية يبعث تلك الطاقة الكامنة في كل قاريء وكأنه يعيد برمجة عقله الباطن ليصبح إيجابيا. يمتاز الكتاب أيضا باستعراضه لحياة مشاهير الناجحين ليثبت لك أن هذا الطريق بكل مشاقه لم تكن فيه وحدك. والأهم أن الكتاب يتيح لك مساحة كافية لتطبيق ما تعلمته والتعهد بخوض غمار حلمك بشجاعة ووعي.
لماذا نحلم؟
الحلم هو الأمل حين يشتد الظلام وبدون أهداف وطموحات تصبح حياتنا بركة راكدة؛ لكن الحلم يعوزه الجرأة في كسر رهبة الخطوة الأولى، فالطريق يتشكل بعد أن نسلكه لا قبلها، أو بعبارة أخرى فإن “خطوة عملية في سبيل حلمك مهما كانت مترددة، هي خير من ألف فكرة تظل حبيسة في رأسك”.
ومؤلفة هذا الكتاب مثال لملاحقة الأحلام بكل دأب؛ فلها خبرة طويلة في مجال تطوير الذات وقد حقق كتاباها “قهوة صباحية مع النفس” و”نعمة الألم”، إضافة لكتابها بين ايدينا، حفاوة كبيرة بين القراء. بدأت حياتها في مجال الإعلام قبل أن تتحول للاهتمام بالدراسات النفسية التي حازت فيها الدكتوراه من جامعة بوسطن، إلى جانب اهتمامها بالأدب، وقد كرست حياتها لمنح الآخرين ومضة نور لتحقيق أحلامهم.
الإيمان.. سر الحالمين
يهمس الكتاب بأن القوة الإيمانية داخلك لا تعزز راحتك النفسية فحسب بل خطواتك الواقعية في الحياة. وفي ندوة مؤخرا لمناقشة الكتاب، أدارتها الكاتبتان نورا ناجي ومنى أبو النصر قالت د.نشوى : كل ما تعلمته عن الطاقة الإيجابية من الفلسفات الحديثة هي جزء من ديننا الإسلامي الذي يمنحنا فهما عميقا للنية والسعي واليقين واستجابة الكون عبر سنن إلهية. وعبارة “إن الله معنا” تخبرنا أننا لسنا وحيدين بل في معية خالق الكون. من هنا كتبت “ورد الحالمين” الذين يلحون على الله بالرجاء ويعلمون أن الله لم يزرع الحلم داخلهم عبثًا.
يمضي بنا الكتاب منذ البدء حيث ضبط أفكارنا تجاه النور والبناء لا التعاسة، ثم الاستماع للنداء القلبي الذي يحرك المرء لتحقيق حلمه، تماما كما فعلت الأديبة مي زيادة في عصر لم تكن للنساء فيه فرصة للتعلم والكتابة، وكما فعلت مفيدة عبد الرحمن أول محامية مصرية والتي كانت أما لخمسة أبناء. تقول الكاتبة: “الأحلام حين تبقى عالقة في سماء التمني تتحول لبريق عابر وحرقة في القلب” ولذا فإن السعي هو ما يحول الحلم لهدف واقعي قائم على تراكم خبرات لا قفزات عشوائية في الهواء.

على درب الأمل
لكي يحيا الأمل لابد له من دافع قوي؛ ذلك الذي كان يلوح أمام طلال أبو غزالة في صغره وهو ينزح صغيرا من بلده فلسطين المشبعة برائحة الحرب والخوف وحتى أصبح مؤسس أهم المجموعات العالمية للمحاسبة والملكية الفكرية والمعلومات، أو ذلك الذي كان يلوح أمام محمود العربي وهو يجاهد شظف العيش في طفولته وكونه الابن الأكبر في أسرة كبيرة بلا عائل حتى حقق حلمه بدخول كلية الهندسة ومن ثم أصبح مؤسسا لواحدة من أهم مجموعات تصنيع الأجهزة في العالم العربي.
لكن الأمر لا يتحقق بغير انضباط. وتخبرنا الكاتبة د.نشوى صلاح أن “الوقت هو البوصلة الخفية للحلم”. والناجحون لا ينتظرون وقتا مثاليا، “فكم من حلم تحوّل إلى تأجيل ومنها لعادة ومنها للنسيان!”.
وخلال الندوة سألنا الكاتبة كيف يتحقق التركيز في زمن التشتت ووسائل التواصل، وأجابت: بأن تسأل نفسك ما الذي يهدر يومك؟، فأخطر ما تفعله وسائل التواصل هو إغرائك بملاحقة الآخرين، ونسيان نفسك. لذا عليك أن تضع خطة صارمة لتحويل أثمن ما تملكه -وهو يومك -نحو حلمك، بطقوس لها مواعيد صارمة، وتوازن بينها وبين متطلبات حياتك الأخرى، فالأحلام لا تحتاج منا أن نلهث ونعكر صفو حياتنا، بل أن نمضي بكل عزم.
كان النبي يعلمنا أن نحرص على ما ينفعنا ونستعن بالله؛ وبهذا التركيز على اقتناص الوقت لأجل تنمية قدراتنا ينمو حلمنا وننضج، أما التشتت فتشبهه الكاتبة بمن يزرع البذور في عشرات الحدائق ولا يسقي أيا منها فهيهات أن تزهر!”
المتانة النفسية
بالعودة للكتاب؛ فلكي تمضي في حلمك عليك رسم خريطة زمنية للحلم تحمل خطواته مع وضع بدائل مرنة، وتبرز هنا المتانة النفسية التي تجعلنا ننهض بعد كل عثرة وتمنحنا لينا يجعلنا نستعصي على الكسر.
لكن الجميل أن الكتاب يرشدنا أيضا لعلامات في طريق تلك المتانة وأهمها أن نتقن كلمة “لا” لكل ما يؤذينا، تماما ككلمة “نعم” لما يساندنا. فهو فن ينطوي على الانسحاب والإقدام معا. ينطوي على تعاطفنا مع أنفسنا دون جلد. وهو عكس الهشاشة النفسية والتي تبني فيها صورتك على نظرة الآخرين لك.
اطرد الأشباح
هل من الطبيعي أن نخوض الطريق لأهدافنا بغير خوف أو قلق؟ الحقيقة كما يخبرنا الكتاب أن عقلنا مفطور على فكرة الحماية من المخاطر لا المغامرة، ويحتاج دومًا لتطمين بأننا سنكون بخير ونحن نسعى لحلمنا، لأن زيادة القلق سينتج “ضبابا يحجب الطريق”، والحل أن نمضي دون أن نطلب من الحياة ضمانات. وأن نخبر أنفسنا أننا اليوم في نسخة تختلف عن الماضي. نسخة أقوى وأكثر إيمانا واستحقاقا وهو جزء من حمايتنا الذهنية لأنفسنا.
في رحلتنا من أجل النجاح يجب أن نتقبل ما تعرفه الكاتبة بـ”الفشل الذكي” والذي يجعلنا نتعلم منه وندرك أنه مجرد محطة من المحطات السابقة للنجاح.
وبين الأشباح التي يحتاج الحالم لمطاردتها هي تلك البيئة القاسية التي قد يبتلى بها وتسخر من طموحه أو لا تراه جديرا بالرعاية، وبدلا منها عليه أن يشكل بيئة داعمة من أصدقاء يشاركونه ذات الشغف، كأن يندمج من يحب الكتابة في أندية القراءة ومشاركتهم لحظات من الفرح وتبادل الخبرات.
لقد عانت إليزابيث جيلبرت صاحبة رواية “طعام. صلاة . حب” الأعلى مبيعا، من مراسلة المجلات لسنوات طويلة وظلت تكتب في الظل بلا كلل خلال عملها في مطعم، حتى حانت اللحظة التي رأى فيه حلمها النور.
يثبت كل ما سبق أن الحلم طريقه متعرج يتضمن منحدرات ومرتفعات، نحتاج للمرونة فيه “كالربان الذي يغير أشرعته وفق اتجاه الريح دون أن يغير الميناء وهو هدفك المنشود”.
الكون مسخر لك
الكتاب يحمل ذخيرة نفسية تعين الحالمين على المضي في طريقهم؛ بداية من قانون الوضوح “فالحياة لا تقرأ أحلامنا الغائمة وتردداتنا المشوشة” ومرورا بكل قوانين الكون ومنها أن تشعر باستحقاقك لهدفك الذي يناسب خبراتك، وأن تتوقع الأفضل “وإن زرعت أملا حصدت”، لكن الأهم أن يكون لسعيك غاية أبعد من المال والشهرة، نية مخلصة لترك بصمة في الحياة.
في رحلتنا سنحتاج لسعي حثيث يخبر الكون أننا هنا على قيد الحياة. يرتبط ذلك مع شعورك بالمسئولية دون تعليق الملامة والأعذار على شماعات الظروف. ويقترن السعي بحالة من الرضا بما أراده الله بعيدا عن جلد الذات وبعيدا عن الاستسلام أيضا، بل النظر بحكمة لمجريات القدر، مع صبر في إحراز الأهداف الصغيرة، ثم يقين بأن باب الحلم يفتح من داخلنا لا خارجنا.
المعجزة تتحقق
وأخيرا … يسمع الكون للحالمين. يجري ما أخبرنا به القرآن من بشرى للصابرين المحسنين وما ما تصفه الفلسفات الحديثة بالكارما وقوانين الجذب والوفرة؛ فما نزرعه نحصده.
تقول الكاتبة: الحلم ليس هبة عابرة بل نية عميقة يضعها الله في قلبك ويسخّر لها الكون. لا تنتظر المصابيح الخضراء أن تومض من السماء وابدأ ولو بخطوة واحتفل بكل إنجاز وثق أن السماء لا تضيق بل قلوبنا! ساعد غيرك ليأتيك العطاء. واعلم أن الخزائن تُفتح من أشد أبواب الحزن. وتذكر أن المعجزة هي أن تمضي وأنت لا ترى الطريق. هي ما يحدث داخلك لا ما سيحدث لك. وأن سعيك لحلمك هو لاكتشاف نفسك أولا.
اقرأ أيضا:
رواية غير منشورة لماركيز تفتح باب الحنين
