ثقافة وأدبسليدر

ولاء المسيري: ضي.. ترجمة لمن يخشون الشمس

الترجمة ليست مجرد نقل للمفردات، بل هي جسر تعبر عليه الأرواح لتفهم معاناة الآخر؛ ومن هنا أطلق طلاب قسم اللغات والترجمة، بكلية الآداب، جامعة القاهرة، مشروع “ضي” ليثبت أن الفن واللغة وجهان لعملة واحدة قوامها الإنسانية.

بين تحديات اللهجة النوبية وصعوبة صياغة المصطلحات النفسية الحساسة، نجح فريق المترجمين الواعدين في تقديم رؤية سينمائية مغايرة. عبر مشروع لا يتوقف عند حدود النقل السمعي والبصري، بل يطمح ليكون نواة لمبادرة مجتمعية تتبنى قضايا أصحاب الهمم والفئات المهمشة.

في هذا الحوار، مع ولاء المسيري، إحدى القائمات على العمل، تغوص صوت البلد في كواليس تجربة استثنائية، حولت ترجمة فيلم “ضي” من مشروع تخرج أكاديمي إلى رسالة عالمية تهدف لكسر قيود التنمر وتصحيح المفاهيم حول مرضى المهق، مع الاحتفاء بجماليات الثقافة النوبية الأصيلة.

لماذا وقع اختياركم على فيلم “ضي” تحديدًا من بين الأفلام المتاحة، هل هناك مواصفات درامية معينة جعلت ترجمته أكثر تأثيرًا؟

وقع اختياري وزميلاتي ندى فتح الله عمارة، وريم مصطفى محمد، وجنى محمد جمال، ونورا ناصر دهب، ومريم محمد عبد المنعم، ومريم حسني فارس، وملك عمرو محمد، وإسراء حسن محمد، بإشراف د. أحمد شورى على هذا الفيلم لأهميته الثقافية والإنسانية البالغة؛ فهو يتناول موضوع المهق بزاوية إنسانية عميقة، مُسلطًا الضوء على قضايا الهوية، والتقبّل، والإرادة، والطموح. كما يتفرد بإبراز الثقافة النوبية الغنية التي قلما تحظى بتمثيل سينمائي منصف.

أما من الناحية الفنية، فيتمتع الفيلم بقيمة ترجمية عالية؛ لاحتوائه على تعبيرات ثقافية، ولغة اصطلاحية، وحوارات رمزية تطلبت استراتيجيات ترجمة دقيقة لنقل العمق العاطفي والأثر الثقافي للجمهور المستهدف.

جسر الإنسانية

تهدف الترجمة عادة لنقل المعنى، لكن مشروعكم يهدف لتصحيح مفاهيم؛ كيف يمكن للترجمة أن تغير نظرة المجتمع لمرضى المهق؟

نحن نؤمن بأن الترجمة تتجاوز نقل الكلمات لتصبح جسرًا لنقل الإنسانية. حرصنا في هذا المشروع على تقديم الفيلم بلغة تُقرب المسافات بين الثقافات، وتدفع المشاهد لفهم التحديات الحقيقية للمصابين بالمهق. سعينا من خلال الصياغة إلى تعزيز قيم الاحترام، وإظهار بطل الفيلم كإنسان متكامل يمتلك الأحلام والمشاعر، وليس مجرد حالة طبية، مما يسهم في تفكيك الصور النمطية السلبية.

يحمل المهق مصطلحات طبية واجتماعية حساسة؛ ما الصعوبات التي واجهتكم في اختيار المصطلحات الإنجليزية للتعبير عن المعاناة النفسية؟

كان التحدي الأكبر هو الموازنة بين الدقة العلمية واللطف الإنساني. ركزنا في خياراتنا اللغوية على إبراز البعد الاجتماعي والإنساني بدلًا من التركيز على المنظور العضوي الصرف. اخترنا مصطلحات تعكس أن المعاناة الحقيقية نابعة من نظرة المجتمع وردود فعله، وليس من الحالة الجسدية في حد ذاتها، وذلك ضمانًا للحفاظ على كرامة الشخصية وعمق مأساتها.

مشاهد من الفيلم

 

كيف تعاملتم مع اللهجة والتعبيرات الشعبية النوبية لضمان وصول الرسالة للجمهور الغربي بنفس القوة؟

تعتبر الحوارات النوبية في الفيلم من أصعب التحديات، لارتباطها بهوية وثقافة لا تُترجم حرفيًا. ولضمان الأمانة؛ استشرنا مختصين وأصدقاء من المجتمع النوبي لفهم الدلالات العميقة والسياق الثقافي لكل جملة.

مثل عبارة: “إر آي اجراي؟”؛ بعد البحث والتدقيق، فهمنا أنها تعادل كيف حالك؟ في سياقها الودي، فترجمناها بما يوازي هذا المعنى في الإنجليزية لضمان وصول الشعور بالود والألفة للمشاهد الأجنبي دون إخلال بالروح الأصلية.

الحماية والحرية

هل هناك حوار معين شعرتم بأنه يمثل قلب المشروع وصعقتكم قوة معانيه أثناء ترجمته؟

المشهد الممتد من الدقيقة 44:48 إلى 46:14، والذي يمثل المواجهة المشحونة بين صابرين -آسيل عمران- والأم زينب -إسلام مبارك-. في هذا المشهد تضع صابرين الأم أمام حقيقة قاسية، وهي أن خوفها المفرط على ضي من التنمر قد تحول إلى قيد أشد قسوة من المرض نفسه، مما جعله يخشى الحياة والشمس.هذا الحوار كان لحظة فارقة بالنسبة لنا كفريق ترجمة؛ لأنه لخص الصراع بين الحب والحماية وبين الحرية والتمكين، وهي الفكرة الجوهرية التي يتمحور حولها العمل.

الترجمة السمعية البصرية مجال واعد؛ هل تطمحون لتحويل هذا المشروع لمبادرة تخدم أصحاب الهمم أو الفئات المهمشة؟

نعم، هذا هو طموحنا الأساسي. لقد كشف لنا هذا المشروع أن الترجمة أداة قوية للتوعية المجتمعية وإيصال أصوات من لا صوت لهم. نتطلع مستقبلًا لترجمة المزيد من الأعمال التي تناقش قضايا أصحاب الهمم والفئات المهمشة، إيمانًا منا بأن الفن المترجم باحترافية قادر على تغيير العقليات وخلق مجتمع أكثر شمولًا وتفهمًا.

 أي خطة وضعتموها لعرض هذا العمل؟

نسعى حاليًا لتطوير المشروع ونشره عبر منصات واسعة النطاق لضمان وصول رسالته الإنسانية لأكبر جمهور ممكن. كما نعتبر هذا العمل حجر الأساس لانطلاقنا في سوق الترجمة السمعية البصرية الاحترافي، مستفيدين من الخبرات العميقة التي اكتسبناها في التعامل مع النصوص المعقدة والحساسة ثقافيًا.

رسائل سامية

ما الرسالة التي يوجهها فريق “ضي” لطلاب الترجمة حول أهمية اختيار مشاريع تخرج تخدم المجتمع؟

رسالتنا لزملائنا هي أن مشروع التخرج ليس مجرد استحقاق أكاديمي للحصول على درجة علمية، بل هو منصة للتأثير. عندما تختار قضية إنسانية، يتحول مجهودك من مجرد نقل كلمات إلى صناعة تغيير. الترجمة هي جسر للمشاعر والقصص؛ لذا نأمل أن يختار الطلاب أعمالًا تحمل رسائل سامية، فربما تكون كلمة واحدة قمت بترجمتها بدقة سببًا في تغيير نظرة إنسان، أو بداية لوعي جديد في المجتمع.

 

اقرأ أيضًا:

الدفش شقال.. 9 طالبات يقتحمن شفرات حرفيي القاهرة

محفوظ والديب: انتخابات اتحاد الكتاب باطلة بالأدلة والوثائق

زوار المعرض: الورقي أقرب للقارئ وارتفاع الأسعار متوقع

مدحت صفوت: النقاد التقليديون حراس لمقابر مهجورة

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18491

موضوعات ذات صلة

سرديات هويدا عطا التوثيقية

أيمن مصطفى

محراب الوحدة وميلاد وطن

أيمن مصطفى

​”دولوريس” فنون أسيوط تجسد وقار العذراء بنحت معاصر

أحمد الفاروقى

“نداء القاهرة”.. جسر الناشرين نحو قاريء عالمي

شيماء عيسي

مشروع توشكى يتغلب على الفجوة الغذائية

المحرر

معبد دندرة يستضيف النسخة الثانية من “قنا وتراثها”

أحمد الفاروقى