ثقافة وأدبسليدر

الذين ماتوا فلم ينتبه أحد في “بيت الجاز”

قصاصة صغيرة لخبر منشور في صفحة الحوادث، بطلها رضيعٌ تم إلقاؤه ملفوفا من نافذة حمام إحدى المستشفيات الحكومية. هذا الخبر كان كفيلًا بأن يوقظ أحزانًا ظلت مطمورة في قلب كاتبة روائية حتى وجدت من ينبشها.
في رواية نورا ناجي “بيت الجاز” والحائزة مؤخرًا على جائزة الشيخ يوسف بن عيسى، في دورتها الأولى، تتقاطع حياة كاتبة مع أبطال روايتها؛ يجمعهن القهر والشعور بالخواء حدّ التلاشي، ضمن نسيج أوسع يحتضن كلّ المهمشين في مدينتها الصغيرة طنطا، وفي الوطن.
دوامة الألم
تبدأ الحبكة الدرامية في عقل كاتبة تدعى “رضوى” والتي تقرر على إثر حادثة سقوط الرضيع أن تتخيل حياة النساء اللاتي ألقينه. يهديها عقلها وجه خادمة حقيقية أنهت حياتها حرقًا في ليلة أول رمضان؛ حيث كل البيوت التي أفنت صحتها في تنظيفها قد تجهّزت لاستقبال شهر الخير، بينما هي بيتها خالٍ وأطفالها جوعى وزوجها لا يربت على كتبها بعد دوامة النهار.

كتبت نورا ناجي باللغة التي تحبها دائمًا؛ السهل الممتنع. جملًا قصيرة تهرب من شحنة الألم فتسقط فيها. جمل غنية بالصور الشعرية الموحية والمبتكرة، والاستطراد الذي يجعلك تلفّ في دوامة ذاكرة كل البطلات. تقذف كرة مشتعلة بين الكاتبة وروايتها والحقيقة وهي عنوان كل الفصول حتى النهاية.

في الرواية ترسم نورا ناجي تفاصيلا دقيقة لحياة البطلات؛ الكاتبة رضوى التي أصبح طيف رضوى عاشور يراودها وكأنه قدر اسمها المكتوب. وهي القلم المهموم بحياة المقهورين والمدرك بعمق لجراح النساء وأحلامهن. عاشت في بيت أستاذ للأدب الإنجليزي لكن بدت كضيفة متطفلة على عزلته في المكتب. ترتبط حياتها بصدمة طفولة حين علمت أنها لم تخرج من بطن أمها أبدا. ومن هنا صدقت أنها ابنة العدم قبل ان تفهم لاحقا قصة التبنّي.

وإذا انتقلنا للرواية ذاتها التي كتبتها رضوى فهي عن طبيبة تتلصص على بيت الجاز؛ الطبيبة يُمنى هي بدورها حاصل جمع كل الصفعات والركلات التي تلقتها أمّها من أبيها فلم تشكو أو تئن. تهرب للشرفة وتراقب ذلك البيت الذي لا يخفي شيئًا من حياة ساكنيه.

رائحة الخراب
في “بيت الجاز” لا تتجمل الكاتبة ولا في خارجه. فهي تكتب القبح والخراب بتفاصيله لتراه وتلمسه وتزكمك رائحته.
رائحة الجاز الذي يبيعونه للمحال هي الأهون أمام رائحة الخراب في حياة هؤلاء الذين يعيشون بقرب المقابر ومستشفى الجذام، في منطقة شديدة العشوائية بمدينة بعيدة عن القاهرة.

هنا عاشت “مرمر” الطفلة الحالمة التي تنظر للسماء فوق السطح فتشم الجاز لا الهواء! مرمر التي ضاعت طفولتها ببيت يشبه الزجاج “مفضوح” وبين كل تلك الأجساد لأحياء أموات يشبهون القطط والكلاب وكل شيء عابر وغير آدمي. 

في هذا البيت وهو فضاء المكان الذي نبتت منه الأحداث يصبح الجاز رائحة لأوجه المأساة وللاحتراق حيث يستبيح العم جسد الطفلة وعمرها القصير. يتخيل في نوبات إدمانه وسكره أنها راضية. تماما كما نقرأ في نشرات الأخبار الحزينة اليومية. هنا تضعنا الرواية في برزخ عاشته مرمر وهي على قيد الحياة/الموت، حتى احتضنها تراب المقابر. تلك المقابر التي ظلت مهوى لروحها بهوائها النظيف البعيد عن قذارة عالمها.

وترسم الرواية ملامح طبقة المهمشين وبعض البلطجية الذين رأيناهم يقودون لجانا شعبية لحماية الأهالي. كان منهم زيزو الذي لسخرية القدر يفتتح كشكا باسم 25 ثورة يناير، وينتقل لخارج مثلث الجاز بعد هدمه، ويرقص مع الراقصين بعد تنحي الرئيس وبرغم أنه لم يعرف عنه شيئا من قبل!

وجوه لمأساة واحدة
تخلق نورا ناجي من هذا الكابوس الكبير سردا متداخلًا؛ يشبه عرائس الماترويشكا التي تفتح كل منهن فتجد أخرى، وكأنهن وجوه لمأساة واحدة.

في الرواية تترك نورا بطلاتها لمصيرهن الذي اختارهن أو اخترنه. مرمر التي تقرر أن تتلاشى حرقًا وهي ترى ابتسامة جارتها ولو لمرة واحدة. “لقد صمتت مرمر في الرواية صمتا طويلا لا يمكن التغلب عليه إلا بالنار”. يُمنى التي ماتت منذ تلك اللحظة تدريجيا فصارت تحترق بالبطيء. احترقت داخلها مشاعر الزوجة والأم. أصبحت تكره ذاتها.

تكره يمنى المجذومين الذين تلقاهم صباحا والذين تشوهت ملامحهم؛ وتكره النسوة المرفهات في عيادة التجميل التي تعمل بها ليلا، وشتّان بين العالمين!

لذة الكتابة وآلامها
هل تصنع الكتابة مأساة اصطناعية لتنسىك مأساتك؟.
الرواية تجيد الإنصات لصوت الكاتبات وهواجسهن من عينة؛ الحياة المربوطة بدوامة الكتابة والندوات والأضواء التي تتسلط على هذا وتترك ذاك. الزيف. سوط الجمهور والنقاد. الخوف من الوحدة. من نضوب الأفكار. من سدّة الكتابة. من ضياع الحياة الحقيقية بمباهجها والتمسك بعالم افتراضي على الورق تكتبه لأناس غرباء لا تعرفهم تنتظر من لحظة امتنان!

تقول البطلة في استدعاء بديع لجوهر الكتابة: الكتابة تشعرني بالخواء. غياب الزواج والأمومة. غياب راحة البال والنوم الهانيء. كل ذلك مقابل ذلك الشعور الإدماني بالخلق. كل خسائر الكاتب هي لا شيء أمام تلك اللحظة من الخفة والانتشاء بعد كتابة نص. الكتابة هي الرحلة التي تقطعها نحو نقطة تنوير تكتشف فيها نفسها. إلى حين لا يعود العالم كما كان من قبل.

بوح بصوت عليم
الرواية مكتوبة بصوت الراوي العليم؛ وكأنها تريد استنباطا لذاكرة البطلات وحياتهن أبعد من مجرد البوح. وهي تتسلسل بين الكاتبة وروايتها والحقيقة بتناغم شديد تجمعه ذاكرة البطلات. حالة مثلى لتيار الوعي. بكل تشظيها في الزمان والمكان.

الرواية لا تقذف لبطلاتها بطوق نجاة وهن يدمنّ السقوط. ترى رضوى وهي تبحث عن حب زائف وتترك وداع أمها في فراش الموت. تترك يُمنى ايضا حياتها الماضية وزوجها الذي لا تتجمل لأجله ولا يراها أبدا. ابنتها التي لم تشعر يوما بحبها. وتتمنى حياة تشبه المتسكعين على الأرصفة وفي أحواش العمارات. كانت لحظة احتراق مرمر ومن قبل اغتصابها هي انتهاك لبراءتها التي سقطت بعدها للأبد بمحض إرادتها. وفي تلك الدوامة من السقوط تقدم الرواية الخيانة الجسدية معادلا لهذا السقوط.

حافة الحياة والموت

في النص الميتا سردي أو الذي يتداخل فيه الوعي بكتابة داخل الكتابة؛ نشاهد حياة آلاف المهمشين في مثلث الحزن والرعب بين مستشفى الجذام وبيت الجاز والمقابر. كلها هدمها البلدوزر وكأن قدرهم التلاشي. بل وقدر حتى الأشباح التي كانت تستيقظ ليلا بحثا عن الحب، والجثث التي تستعيد لحظات لم تعشها. وتتساءل يمنى وكأنها تشرح حالهم: من يأبه لهذا الكلب المصاب في ظلام الليل حين دهسته سيارة؟ 

يمتلك النص حسا فلسفيا حول الحياة والموت. تلك الملائكة التي تؤمن الطفلة مرمر وأمها أنها تأخذ منك ضريبة حياتك. أخذت النوم منها وأخذت طفلها الذي سارت طريق الظلام الطويل قبل إجهاضه، والآن هي تتمنى أن تأخذ منها الألم وتمنحها الموت الهاديء والتلاشي الذي تتمناه. يتداخل شعور الموت مع رضوى ويمنى حيث الموت هو نهاية سلسلة من الأكاذيب الصغيرة في الواقع.

نجحت الرواية في استبطان الوعي السردي لكل شخصية وآلامها وأحلامها. بين رضوى المثقفة ويُمنى ابنة الطبقة المتوسطة وكل النساء المنسحقات اللاتي شاهدتهن بالصوت والصورة في ببت الجاز. العمة القادرة المتخصصة في إجهاض النساء. أم مرمر المسكينة. بل ولقد جعلت الرواية بيت يُمنى في مواجهة طبقة منسحقة وكأنها تخبرنا أن احتراق أي منا يعني احتراق الآخر.

ملاذ أخير

رواية نورا ناجي يرتبط أبطالها في ذهن القاريء بقدرتها على رسمهم بعناية؛ “نصف ابتسامة” يُمنى التي تصبح لزمة شكلية وروحية ساخرة، ومظهر زيزو الأشبه بالبهلوان الحقير في عين نفسه والجميع. ونرى كيف يتأثر الوعي بالحالة النفسية؛ فالسفر عند الكاتبة لم يعد إلا “رحلة طويلة مبللة بالدموع لا تعرف محطتها”.

الروايات ليست ابنة الخيال المحض، بل الواقع الذي تغذيه خبرة وتجارب وخيال الكاتب. ثقل الألم الذي لا يجد ملاذا للبوح سوى فوق الصفحات البيضاء.
تقول البطلة التي زارتها رضوى عاشور في منامها: الروايات هي التساؤلات الكاشفة. هي دموع السيد أحمد عبد الجواد بعد موت ابنه. هي خوف شهرزاد كل ليلة. هي مفاتيح بيوت الطنطورية. هي السماء التي تحوي قمرين. الكتابة قدرها وحياتها الوحيدة الممكنة!

 

صراع الهجرة وهشاشة الحدود في “ليالي سان دوني”

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18393

موضوعات ذات صلة

شراكة وطنية لتمكين المرأة وتعزيز الوعي الأسري

حازم رفعت

مهرجان بورسعيد السينمائي الدولي يختتم دورته اليوم بمسرح المركز الثقافي

شيخون جمال

الفستان الأبيض يتحول لكفن عقب وفاة عروسة بالشرقية

محمد مرسي

معبد دندرة يستضيف النسخة الثانية من “قنا وتراثها”

أحمد الفاروقى

خبراء ودبلوماسيون: مصر ستظل الحصن المنيع للأمة العربية

المحرر

الزراعة تدعم مطروح بتقاوي وآبار وتحسين للثروة الحيوانية

عمر عزوز