ثقافة وأدبسليدر

الدفش شقال.. 9 طالبات يقتحمن شفرات حرفيي القاهرة

بين ضجيج ورش الفخار، وبريق حارات الصاغة، وهدوء نيل القاهرة، انطلق فريق عمل فيلم “Nine Across Cairo” في مغامرة لم تكن تهدف لرصد معالم المدينة فحسب، بل لاستنطاق حكاياتها المنسية عبر اللغة.

في تجربة سينمائية لافتة، أطلق طلاب قسم اللغات والترجمة التخصصية بآداب جامعة القاهرة فيلمهم الوثائقي “How to Translate Cairo – كيف تترجم القاهرة”، كجزء من مشروع تخرجهم “Nine Across Cairo – ٩ حول القاهرة”. الفيلم يعيد تعريف الترجمة لا كعملية لغوية فحسب، بل كجسر لاستيعاب الثقافة وفهم سياقات المعنى المتعددة داخل العاصمة.

هل يكفي أن نتحدث اللسان نفسه لنفهم بعضنا؟ سؤال كان المحرك الأساسي لرحلة وثائقية كشفت لنا أن داخل كل زقاق شفرة، وفي جعبة كل جيل قاموسًا خاصًا. في هذا الحوار مع كنزي خالد إحدى صناع العمل، نغوص في كواليس الترجمة البصرية، وكيف نجحوا في فك رموز المهن وتحويل الفجوة بين الأجيال إلى جسر من التواصل الإنساني والثقافي.

انطلقتم من سؤال: “هل يكفي أن نتحدث اللغة نفسها لنفهم بعضنا؟”؛ بعد الانتهاء من الفيلم، أي الإجابات توصلتم إليها؟

توصلنا إلى أن وحدة اللغة لا تعني بالضرورة وحدة الفهم؛ فاللغة كائن حيّ يتشكل داخل الغرف المغلقة لكل حِرفة، وبين طيات كل جيل. اكتشفنا أن داخل كل مهنة لغة سرية وداخل كل فئة عمرية قاموسًا خاصًا، وهذا ما حاولنا رصده في رحلتنا الوثائقية؛ لنثبت أن الفهم الحقيقي يتطلب ما هو أبعد من مجرد تشابه المفردات.

قاهرة مغايرة

لماذا اخترتم عنوان «Nine Across Cairo» للمشروع، ودلالة الرقم “تسعة” في سياق القاهرة؟

يشير الرقم تسعة إلى عدد أعضاء فريق العمل الذين خاضوا هذه المغامرة. وهن: كنزي خالد، وياسمين هشام، وحبيبة سعد، وروان حسين، ولقاء سعيد، ومريم خالد، وملك هاني، وكاريمان محمد، وشهد حاتم، والمشروع تحت إشراف الدكتور أحمد شورى.

أما العنوان، فيعكس تقاطع رؤى هؤلاء التسعة مع زوايا القاهرة المتعددة. لقد سعينا لتقديم قاهرة مغايرة لما هو نمطي؛ قاهرة تمثل التراث الحي وصورة الأجيال المتعاقبة، بعيدًا عن الكليشيهات البصرية المعتادة.

القاهرة مدينة صاخبة ومليئة بالتفاصيل، كيف نجحتم في ترجمة روح المدينة بصريًا قبل أن تكون ترجمة نصية؟

كانت رحلة بصرية ممتعة وملهمة، فلكل زاوية في القاهرة روح متفردة لا تشبه غيرها. حاولنا عبر عدساتنا اصطياد الجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة التي قد تغفل عنها العين العابرة؛ فمهمتنا لم تكن مجرد التصوير، بل كانت استنطاق جمال المدينة المخبأ في ضجيجها وحوارات أهلها.

أجزاء من الفيلم

رصدتم مصطلحات خاصة بالفخار والذهب والصيد؛ ما أغرب شفرة مهنية واجهتم صعوبة في نقلها للإنجليزية؟

 أغرب ما صادفنا كان في سوق الصاغة، حين قال أحد الصاغة: الدفش اللي في شِلك شقال. هذه الشفرة لا تُفهم إلا في سياقها، فهي تحذير ذكي من صاحب المحل لعماله بوجود سارق محتمل دون لفت انتباه الزبائن.

تمثلت الصعوبة في استحالة الترجمة الحرفية التي قد تقتل المعنى، لذا لجأنا إلى حل إبداعي ينقل الوظيفة لا اللفظ، فكان المقابل الإنجليزي: Calm and slow and watch who you know، وهو تعبير يوصل رسالة الحذر والترقب بأسلوب غير مباشر يتناسب مع روح النص الأصلي.

الفيلم يناقش اختلاف المفردات بين الشباب والكبار؛ في رأيكم، هل هذه “اللغة الشبابية” الجديدة تقرّب المترجم من الواقع أم تصعّب مهمته في الحفاظ على رصانة اللغة؟

هي سلاح ذو حدين؛ فهي تقرّب المترجم من “نبض الشارع” وتواكب التحولات الاجتماعية، لكنها تضع على عاتقه تحديًا كبيرًا في الموازنة بين عفوية التعبير ورصانة التخصص. المترجم البارع هنا لا ينقل كلمات، بل يسعى لخلق توازن دقيق يحفظ للغة هيبتها وللمعنى روحه العصرية.

الترجمة بالتصرف

خلال التجربة، ما أكثر مصطلح شبابي استعصى على كبار السن فهمه؟ وكيف قمتم بسد هذه الفجوة؟

برزت مصطلحات مثل Trauma، Red Flag، وLow-key، ككلمات غريبة تمامًا على مسامع كبار السن. لم نكتفِ بنقلها حرفيًا لأنها ستفقد دلالتها، بل استخدمنا تقنية “الترجمة بالتصرف” (Paraphrasing) لتقريب المفهوم النفسي والاجتماعي لهذه المصطلحات، مما ساعد في ردم الفجوة المعرفية بين الجيلين.

 ما التحدي الأكبر الذي واجهكم أثناء التصوير في شوارع القاهرة مع الحرفيين؟

 التحدي الأكبر كان البحث عن الخفي؛ أردنا توثيق الحِرف التي توشك على الاندثار بعيدًا عن المزارات السياحية المعروفة. في البداية، توجس الحرفيون من فكرتنا، لكن بمجرد بناء جسور الثقة، أصبحوا شركاء لنا في إظهار هذا التراث اللغوي والمهني الثري.

كيف يخدم هذا النوع من الأفلام قطاع السياحة أو التبادل الثقافي من وجهة نظركم كمتخصصين؟

الفيلم يقدم “سياحة أنثروبولوجية” (إنسانية)؛ فهو لا يبيع صورًا صامتة للمعالم، بل يقدم حياة الناس وحكاياتهم ولغاتهم. هذا النوع من السرد يجعل السائح الأجنبي أكثر شغفًا بالتجربة الأصيلة. فهو يقدّم صورة إنسانية حيّة للمدينة، وهذا النوع من السرد يمنح المتلقي الأجنبي شعورًا أقرب بالواقع ويجعله أكثر فضولًا لاكتشاف المكان بنفسه.

والترجمة هنا تتحول من مجرد وسيلة تواصل إلى أداة ترويج ثقافي تبني جسورًا من الفهم الحقيقي، مما يعزز صورة مصر كوجهة غنية بالتفاصيل والتنوع الإنساني.

 

اقرأ أيضًا:

محفوظ والديب: انتخابات اتحاد الكتاب باطلة بالأدلة والوثائق

زوار المعرض: الورقي أقرب للقارئ وارتفاع الأسعار متوقع

مدحت صفوت: النقاد التقليديون حراس لمقابر مهجورة

 

 

 

 

 
📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18443

موضوعات ذات صلة

الحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد

ضاحى محمود

صفقة مدوية ترجح صفوف بيراميدز

محمد عطا

البابا تواضروس: تجديد حيوية للأساقفة المخلصين

حازم رفعت

رحلة آمنة مع ابنك.. دليل نيلسون للأمومة الحقيقية

المحرر

خطة بيراميدز لعبور عقبة الجيش الملكي المغربي

محمد عطا

بدرية طلبة تواجه الشائعات بالقانون

حسن عبدالعال