ثقافة وأدبسليدر

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

بين صرامة المؤرّخ ولواذع المجاز، يقف الدكتور السيد خلف (أبو ديوان)، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، مشهِّرًا قصيدته في وجه العابر والمؤقت. الشعر لديه ليس مجرد استعادة رتيبة للموسيقى، بل هو حالة صراع أنطولوجي بين كائن يراقب انسحاب العمر، وكلمة تحاول ترميم هذا الخراب عبر استدعاء الذات وتفكيك الحاضر. في تجربته الأحدث “أخيطُ الشيبَ ظلًّا”، يُمارس الشاعر الخياطة لا ليرفو ثوبًا، بل ليستتر عن مرآة الزمن، محاولًا العبور بالقصيدة من سكون النمط إلى دهشة الكشف.

في هذا الحوار، تفتح “صوت البلد” مع صاحب مدرسة الجن ملفات الرؤية والتشكيل؛ ولحظات المخاض الأولى، وفلسفة الوقوف عند الكهولة والكادحين، وصولًا إلى منطقه الإبداعي الذي يتأرجح بين صوفية الذات وحراك الجماعة.

نبارك لك الفوز بجائزة باشراحيل في الإسهام الأدبي؛ ماذا يعني هذا التكريم لـ”أبو ديوان”؟

على الرغم من قلة المؤسسات التي ترعى الإبداع الحقيقي، فإني سعيد بهذا الفوز الذي يعيد الأمل في قدرة الوعي الفني على متابعة أصحاب الكلمة المغايرة، لا سيما حين تكون المؤسسة المانحة برئاسة شاعر كبير ومثقف نبيل. لا شك أن جائزة باشراحيل تضيف سطرًا مضيئًا لسيرتي التي تجاوزت ربع قرن في محراب الشعر، وهي من جهة أخرى تضاعف مسؤوليتي تجاه التجديد وإعادة توزيع نغم القصيدة العربية.

مخاض أنطولوجي

لكل نص لحظة مخاض أولى؛ أين نسجت الخيوط الإبداعية لديوانك “أخيطُ الشيبَ ظلًا”؟ 

لحظات المخاض لدى الشاعر نادرة، وعليه أن يقتنص فلسفتها التي تحرك مشاعره على خيط رفيع بين الذاتي والموضوعي. ولد ديوان أخيط الشيب ظلًّا من رحم صراع أنطولوجي -وجودي- بين حياة الشاعر والأثر الذي يتركه ليغير به خريطة السلوك؛ حيث يجلس في عزلته يرى الشيب يغازل ذكرياته، أو ينزل للشارع فتأكله الأسواق في رحلة البحث عن مزاج مختلف.

الحالة الإنسانية التي ألهمتني بهذا النص تحديدًا هي جموع الكادحين الذين يدورون في فلك اليوم الروتيني، دون أن يشعروا بفرار العمر وتغير ملامحهم بعد أن غزاهم الشيب. فالشاعر إذا يعبر عن انفعاله لحظة احتدام التجربة دون تصنّع أو حشو ذهني جاء كلامه سائغًا وموسيقاه طبيعية، أما التقليد والنحت المعتاد دون دهشة أو إثارة للأسئلة فليس معيارًا لجودة الشعر أو فحولة الشاعر، بقدر ما هو مجرد قدرة على النظم تزيد المشهد رتابة.

مرآة الزمن

أخيطُ الشيبَ ظلًا.. عنوان يجمع بين فعل تفصيلي دقيق (الخياطة) وثيمتين معنويتين (الشيب والظل)؛ هل خياطة الشيب هنا ترميم للوقت أم صناعة مأوى من الذكريات؟

خياطة الشيب هي محاولة للاستتار عن مرآة الزمن عبر التماهي بين ظلال الماضي وحراك الحاضر واستشراف المستقبل؛ لنصنع من الذكريات ملاذًا وجوديًّا يعبر بنا من الثابت إلى المتغير.إنها فلسفة تضمن للشاعر النجاة من مخاوفه وشكوكه وهو يبحر في عالم متلاطم الأحداث، دون التخلي عن القوالب الجمالية، ودون الهدم للثوابت أو مسخ الهويات.

القصائد عادة ما تكون بمثابة أبناء لروح الشاعر؛ ما الاقتباس الأقرب إلى قلبك من هذا العمل والذي يختزل فلسفتك الخاصة؟

من النصوص التي تجسد فلسفتي ونظرتي للإبداع، المطلع الذي يفتتح به الديوان:

ما أسكرَ الكأسَ إن تَظْمَأ وشاربُها … ريَّانُ منْ دَمِها والنفيُ وجْهُ ثُبوتْ!

خاطَتْكَ للشَّيْبِ؛ في أكْفانهِ احتَجبتْ … غَابَتْ؛ لِتَحَيَا.. وشَادَتْ ظلَّها؛ لِتَمُوتْ 

وكذلك قولي في قصيدة “قارة فيتوريا” المهداة إلى روح الشاعر الكبير محمد الفيتوري:

عنِ الحَبِّ لو أهدَى الربيعَ مساءَهُ … عنِ الحُبِّ لو رشَّ المجازَ نَهارا

فَعُدْتَ إلى الدُّنْيا بشاطئِ راحةٍ … ورحتَ تنادي في (عُكاظَ) كَتارا؟!

أخي، في اخْضِرارِ الحُلْمِ غَيمُ وُضوئِهمْ … على شفةٍ ربَّتْ عصاك جِدارا

أخي، فسَّروا الماءَ القديمَ، فهل ترى … سِوى النيلِ أمْسَى في دموعِكَ نارَا؟

ومن قصيدتي (وإلى ميمَ أخاهم):

أنبتَّ من بيدِ الأعاجمِ زمْزمًا

فرمَوْكَ مَكْرًا

 بين مكَّةَ واليَما

ما أخرجوكَ بزعمِهمْ،

لكنْ تآمرَ ظلُّهمْ

مُذْ ظَلْتَ ترفضُ الانضِمَا

كرِهوا مقامَكَ؛ فانأَ عنهمْ..

أسقطوكَ.. فكيف تحرُسُ دينَهم

باسمِ الإِما؟!

وعي الجمهور

كيف ترى واقع الإنتاج الأدبي في مصر اليوم في ظل طغيان الوسائط الرقمية؟

الأدب كائن حي متطور، وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق حراك ثقافي مهم ساعد المبدعين على التثاقف ومطالعة التجارب المختلفة. إن الشعر طائر ملائكى شيطاني إنساني، يعبر من روح المجاز ليحلق فوق ثريات الجمال مبتعدًا عن المألوف؛ حتى لا يتقوقع داخل نمط جامد يفقده الدهشة.

أما القصيدة المطبوعة فلن تفقد بريقها، وأنا أراهن على وعي الجمهور واستعادة الذوق العام. كما أن عملي في تدريب الإعلاميين يساعدني على إيصال رسالة اللغة الذكية إلى أجيال مختلفة، وفهم لغة الشارع واستيعاب التحديات المعرفية التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي.

محطات الإبداع

تتضمن سيرتك الإبداعية محطات بارزة مع الجوائز؛ ما أبرز الجوائز التي فزت بها أو ترشحت لها قبل فوزك بجائزة باشراحيل؟

لقد كانت لي عدة محطات مع الجوائز والمسابقات العربية والمحلية؛ حيث فزت بالمركز الأول في مسابقة مهرجان القلم الحر للإبداع العربي عام 2019، وحزت المركز الأول في المسابقة الدولية لمؤسسة هبة بنداري للتنمية، فرع الشعر الحر عام 2020.

كما بلغت المراحل النهائية ووصلت إلى الحلقة الأخيرة من مسابقة أمير الشعراء في دورتها التاسعة عام 2021 بدولة الإمارات، ورُشحت في العام نفسه ضمن القائمة القصيرة بمسابقة “كتارا” لشاعر الرسول عن قصيدة رحلة إلى ذروة السنا.

مدرسة الجن

هذا التتويج يضع عبئًا جميلًا على كاهل المبدع؛ ما خطواتك القادمة؟

الوصول إلى الجمهور أمر مهم، لكن الأهم هو القدرة على الاستمرار والتأثير؛ لذا أجتهد حاليًّا في تدشين “صالون الجن”، وطبع نتاجات “مدرسة الجن” في الشعر والقصة والنقد، إلى جانب إصدار “كتاب الجن” الذي يضم رؤية الرائد المؤسس والمبدعين والنقاد في الوطن العربي، فضلًا عن جريدة ورقية ناطقة باسم المدرسة وقناة فضائية تهتم بالفنون واللغة والفكر.

كما أسعى لإنشاء مؤسسة ترعى المبدعين وتوفر لهم الدعم الإعلامي والجماهيري لتعزيز قيم الانتماء وتنشيط السياحة الأدبية وتشجيع الغناء بالفصحى.

أما على الصعيد الإبداعي الشخصي، فخطوتي القادمة هي طبع مسرحيتي الشعرية سيناء وكربلاء، التي أعتبرها تاج أعمالي؛ اعتمدت فيها شعر التفعيلة مكتفيًا بدور الراوي لا القاضي، حيث أتحت لكل شخصية تقديم مبرراتها في حراك إنساني درامي، موظفًا تقنيات السرد والرواية والمسرح بأسلوب يمزج بين الرقة والجلالة دون إثارة أي نعرات مذهبية أو طائفية.

اقرأ أيضًا: 

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

نجلاء رسول: لوحاتي ولدت من رماد الفقد لتحلّق

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا

جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22855

موضوعات ذات صلة

الإسكندرية تتنفس فناً

أيمن مصطفى

إصدار 1109 تراخيص لمشروعات جديدة للثروة الحيوانية

المحرر

قصر عائشة فهمي.. ذاكرة مصر المصورة

هدير عادل

براءة تحت التهديد

أيمن مصطفى

قصة لقاح أسترازينيكا.. حقيقة الأثار الجانبية وتقديم تعويضات

المحرر

رئيس جامعة أسيوط يفتتح معرض عيد الأضحى الخيري

أحمد الفاروقى