اقتصاد وأعمالسليدر

استثمارات الساحل الشمالي .. تحديات المطور وضغوط الملاك

يشهد الساحل الشمالي واحدة من أكبر الطفرات الاستثمارية في تاريخه الحديث، بعدما تحول من منطقة مصيفية موسمية تنبض بالحياة لشهرين فقط، إلى مركز اقتصادي وسياحي متكامل يمتد نشاطه على مدار العام. ومع إطلاق الدولة لمشروعات قومية واستثمارية عملاقة، وفي مقدمتها مدينة العلمين الجديدة ومشروع رأس الحكمة، تجاوزت حجم الاستثمارات العقارية والسياحية المعلنة والمخطط لها في المنطقة حاجز 200 مليار دولار، لتصبح المنطقة أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، والوجهة الأولى لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية.

الأرقام هنا لا تعكس فقط حجم الإنفاق الرأسمالي الضخم، بل تؤكد تغيراً جذرياً في خريطة الاستثمار العقاري بمصر؛ إذ استحوذ الساحل الشمالي وحده على نحو 36% من إجمالي مبيعات السوق العقارية المصرية خلال العامين الماضيين، بقيمة مبيعات قياسية تجاوزت 1.2 تريليون جنيه، وهو رقم يعكس ثقة المستثمرين البالغة في مستقبل المنطقة، ونجاح رؤية الدولة في تحويل الساحل إلى مقصد استثماري عالمي مستدام.

وتتجاوز أهمية هذه الطفرة القطاع العقاري التقليدي، لتمتد آثارها الإيجابية إلى عشرات القطاعات الاقتصادية المرتبطة به، مثل التشييد، مواد البناء، الصناعات الهندسية، الخدمات المالية، التأمين، والنقل، فضلاً عن توفير مئات الآلاف من فرص العمل، وزيادة حصيلة الدولة السيادية، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي.

طفرة الاستثمار

في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي د. عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية،  لـ”صوت البلد”، أنه في مقابل هذه الأرقام الفلكية، بدأت تبرز على السطح قضية تتكرر بصورة لافتة، وقد تتحول مستقبلاً إلى مهدد حقيقي لثقة المستثمرين، وهي طبيعة العلاقة التشغيلية بين المطور العقاري أو شركة الإدارة من جهة، ومالك الوحدة من جهة أخرى.

ويطرح مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية سؤالاً جوهرياً يتردد اليوم بين آلاف الملاك: “هل أصبح امتلاك شاليه في الساحل الشمالي يعني أنك لا تملك حق استقبال ضيوفك؟”. حيث يشير عبد المنعم إلى أنه خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض إدارات القرى السياحية في فرض رسوم متزايدة ومبالغ فيها على دخول ضيوف الملاك، أو وضع قيود مشددة على استقبالهم، ومنعهم من استخدام الشواطئ والمرافق الأساسية، رغم أن هذه الخدمات والمزايا كانت الدافع الرئيسي والأول للمالك لشراء وحدته العقارية. وفي بعض الحالات، تجاوزت هذه الرسوم القيمة الفعلية للخدمة المقدمة، مما يثير تساؤلات قانونية مشروعة حول مدى توافق تلك الإجراءات مع حقوق الملكية الأصيلة.

ويضيف د. عبد المنعم السيد من منظور اقتصاد مؤسسي، أن هذه الممارسات لا تمثل مجرد خلاف تعاقدي عابر، بل تؤدي إلى معضلة اقتصادية تُعرف بـ”ارتفاع تكلفة الامتلاك”، وهي التكاليف والالتزامات المادية التي يتحملها المالك بعد شراء الأصل وتملكه. فكلما زادت الرسوم العشوائية غير المنظمة، أو القيود المفروضة غير المبررة، انخفضت بالتبعية الجاذبية الاستثمارية للعقار، وبدأ المستثمر محلياً كان أم أجنبياً في إعادة حساباته بشأن الاحتفاظ بالعقار أو ضخ استثمارات جديدة في مشروعات أخرى.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن المستثمر الذي تستهدفه الدولة بقوة، لا ينظر فقط إلى سعر الوحدة العقارية أو موقع المشروع، بل يدرس بعناية البيئة التشريعية، ووضوح الحقوق والالتزامات، وسهولة الانتفاع بالأصل، ومدى استقرار العلاقة الاستثمارية بين جميع الأطراف؛ لذا فإن حماية حقوق المالك أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حماية مناخ الاستثمار العام في مصر.

حقوق الملاك

ويشير مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن لإدارات المشروعات والقرى حقاً أصيلاً لا ينكره أحد في تنظيم الدخول، والحفاظ على المنظومة الأمنية، وحماية الممتلكات، وضمان جودة الخدمات المقدمة. لكن هذا الحق يجب أن يُمارس وفق قواعد واضحة، معلنة، وعادلة، وليس من خلال قرارات منفردة أو رسوم متغيرة لا تستند إلى معايير واضحة أو رقابة مستقلة، مؤكداً: “هناك فرق كبير وشاسع بين تنظيم الاستخدام وتقييد حق الانتفاع؛ فالمالك عندما اشترى وحدته، لم يشترِ مجرد جدران خرسانية، بل اشترى حقاً قانونياً خالصاً في الانتفاع الكامل بها واستقبال أسرته وضيوفه في حدود الضوابط الأمنية الطبيعية. وبالتالي، فإن فرض قيود مبالغ فيها أو رسوم مغالي فيها يؤدي إلى تقليص القيمة الاقتصادية للوحدة، ويضرب سوق إعادة البيع (Resale) في مقتل، وهو ما ينعكس سلباً على المطور نفسه على المدى الطويل قبل المالك”.

وينتقل عبد المنعم السيد إلى ملف آخر غاية في الحساسية يحتاج إلى تنظيم عاجل، وهو ملف “ودائع الصيانة”. حيث فوجئ آلاف الملاك بارتفاع فروق ودائع الصيانة بنسب ضخمة غير مبررة، دون وجود إفصاح مالي كافٍ يوضح أسباب الزيادة، أو كيفية استثمار هذه الودائع وحجم العوائد المحققة وأوجه الصرف الفعلية. ويوضح د. عبد المنعم السيد، من منظور مالي ومحاسبي، أن ودائع الصيانة هي أموال مملوكة للملاك خُصصت لغرض محدد، وليست بأي حال من الأحوال إيراداً خاصاً للمطور أو شركة الإدارة، مشيراً إلى أنه يجب أن تخضع لأعلى درجات الحوكمة والشفافية، عبر إعداد قوائم مالية مستقلة، وإجراء مراجعة سنوية بواسطة مراقب حسابات مستقل، والإفصاح الدوري للملاك عن الإيرادات والمصروفات. كما أن الرسوم التي تُحصل مقابل دخول الضيوف يجب ألا تتحول لمصدر ربح مستقل، بل تُوجه لحسابات الصيانة لتخفيف الأعباء المستقبلية عن الملاك.

البيئة التشريعية

ويفجر الخبير الاقتصادي المفاجأة والمطلب الأهم، مؤكداً أن السوق العقارية المصرية باتت في حاجة ماسة وعاجلة إلى إصدار “قانون متكامل لتنظيم العلاقة بين المطور العقاري، وشركات الإدارة، واتحادات الشاغلين، وملاك الوحدات”، على غرار التشريعات المنظمة للملكية المشتركة السائدة في الدول الجاذبة للاستثمار.

ويطالب بأن يتضمن التشريع المقترح توحيد الحد الأدنى لعقود البيع، ومنع البنود المجحفة وعقود الإذعان، ووضع قواعد تنظيمية عادلة لدخول الملاك وضيوفهم، وتحديد ضوابط واضحة للرسوم، وتنظيم آليات استثمار ودائع الصيانة وإلزام الشركات بالإفصاح المالي وحق الملاك في التصويت على القرارات الجوهرية. ومن الضروي إنشاء جهة رقابية وهيئة مستقلة لتنظيم العلاقة بين المطور والمالك، ومتابعة فتح حسابات مشتركة (Escrow Accounts) لمتابعة عمليات التشييد، وتلقي شكاوى الملاك والفصل في النزاعات بآليات سريعة وناجزة، لتجنب القضايا الطويلة التي تؤثر على سمعة السوق.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24903

موضوعات ذات صلة

د. خيري دومة: فرحة التقديرية ينغصها حال غزة

المحرر

محافظ أسيوط يسلم تأشيرات وملابس الإحرام لـ ٣٢٢ حاجاً

أحمد الفاروقى

أندريه زكي: خدمة الأسرة مسؤولية تتطلب انضباطًا

حازم رفعت

“القصص”.. دراما عابرة للثقافات تتألق في العرض العربي

حسن عبدالعال

التفاهم الأمريكي الإيراني.. هدنة على حافة الانهيار

محمود كرم

صناع EcoScan : قمامتك اليوم .. نقود بالغد

سارة الدسوقى