
بين مطرقة التطوير التنموي وسندان الواقع اليومي، تعيش محافظة الإسكندرية هذه الأيام واحدة من أعنف أزمات التكدس المروري في تاريخها الحديث. فمع مشارف انطلاق العام الدراسي الجديد، تحولت شوارع الثغر إلى ساحات مفتوحة للاختناق؛ والسبب الرئيسي هو المشروع القومي الطموح لإعادة تأهيل وتطوير “ترام الرمل”. ورغم أن المشروع يستهدف تحويل الترام العتيق إلى نظام نقل سريع متطور أشبه بالمترو الخفيف، إلا أن غياب “فقه البدائل والحلول الاستباقية” يهدد بتحويل موسم المدارس والجامعات الحالي إلى كارثة مرورية محققة.
ومن هذا المنطلق، تبرز معضلة الاختناق الهيكلي في الإسكندرية؛ فالمدينة تتميز بجغرافيتها الشريطية الضيقة التي تجعلها تعتمد بشكل شبه كلي على ثلاثة محاور متوازية رئيسية: طريق الكورنيش، وشارع أبو قير، ومسار الترام. وجاء قرار الإيقاف الكلي لحركة ترام الرمل منذ ربيع هذا العام –بالتزامن المستمر مع أعمال مشروع مترو الإسكندرية البديل لقطار أبو قير– ليفقد المواطن السكندري شريانين رئيسيين للنقل الجماعي منخفض التكلفة في آن واحد. هذا التزامن غير المدروس هندسياً وجغرافياً ألقى بعبء ملايين الرحلات اليومية بالكامل على عاتق السيارات الخاصة وأوتوبيسات النقل البديلة، لتجد المدينة نفسها فجأة في حالة شلل مروري خانق امتد من فيكتوريا شرقاً وحتى محطة الرمل بوسط المدينة.
معضلة المدارس
هذا الاختناق يقودنا مباشرة إلى التحدي الأكبر، حيث يدخل المشهد منعطفاً حرجاً مع دقات أجراس المدارس وعودة مئات الآلاف من طلاب جامعة الإسكندرية ومجمع الكليات. وتتجلى ملامح هذا المنعطف في تراجع جدوى خطط “ترحيل الساعات” وتفاوت مواعيد الفترات الدراسية، إذ أثبت الواقع الميداني أن الطاقة الاستيعابية للشوارع المتاحة لم تعد تتحمل التدفق البشري الهائل وقت الذروة. وينضم إلى ذلك فشل الأوتوبيسات البديلة في سد الفجوة نتيجة النقص الحاد في أعداد المركبات مقارنة بحجم الطلب، ناهيك عن الارتفاع الكبير في تكلفة المواصلات التي أثقلت كاهل الأسر البسيطة. والأخطر من ذلك كله، هو نشوء ظاهرة “الطلب المروري المستحث”؛ حيث دفع غياب الترام شريحة واسعة من أولياء الأمور إلى اللجوء لسيارات الأجرة والسيارات الخاصة لتوصيل ذويهم، وهو ما ضاعف الكثافة العددية وأتى بنتيجة عكسية تماماً لمفهوم التنمية المستدامة.
إن جوهر النقد هنا لا يستهدف عملية “التطوير” في حد ذاتها، إذ إن منظومة ترام الرمل كانت بحاجة ملحة لتحديث بنيتها وزيادة سرعة تقاطرها. ولكن النقد الحقيقي يوجه بوضوح إلى العشوائية اللوجستية في إدارة المرحلة الانتقالية، حيث يتساءل الشارع السكندري: كيف يغيب عن صانع القرار وضع مخططات مرورية استثنائية صارمة تمنع التكدس أمام المدارس الكبرى الواقعة على محاور “مصطفى كامل، والشاطبي، وجليم، والمنتزه“؟ وكيف يُترك المواطن فريسة لغياب الرقابة المرورية على مواقف السرفيس العشوائية التي تنبت كالفطر لتعويض غياب الترام؟
روشتة الإنقاذ
وتأسيساً على ما تقدم، نضع أمام الهيئة القومية للأنفاق والأجهزة التنفيذية بمحافظة الإسكندرية حلولاً عاجلة لإنقاذ الموقف، وتجنب تفاقم الشلل المروري مع انطلاق العام الدراسي. ويبدأ التحرك عبر تشكيل غرفة عمليات مرورية دائمة لمراقبة المحاور البديلة المحيطة بمسار الترام طوال ساعات اليوم الدراسي، وتكثيف التواجد الشرطي لمنع الانتظار الخاطئ تماماً أمام المدارس والجامعات. ويتوازى مع ذلك تدشين خطوط نقل عام “مدرسية وجامعية” مخصصة لتسيير أساطيل من أوتوبيسات النقل العام وفق مسارات محددة وبأسعار مدعومة، تنطلق مباشرة من الميادين الكبرى إلى المجمعات التعليمية لتخفيف الاعتماد على المركبات الخاصة.
كما يتطلب الأمر تفعيل الرقابة الصارمة على تعريفة الركوب لحماية المواطنين وأولياء الأمور من جشع بعض سائقي الميكروباصات والتاكسي الذين استغلوا غياب الترام لفرض تسعيرات عشوائية.
لابد من مكاشفة الرأي العام بـ”جدول زمني دقيق” يوضح مراحل إنجاز المشروع ومواعيد التشغيل التجريبي؛ لبث الطمأنينة في نفوس الشارع السكندري الذي بات يشعر بالاختناق؛ فالإسكندرية تستحق أن تلبس ثوب المعاصرة والتحديث، ولكن ليس على حساب ضياع ساعات عمر أبنائها الطلاب في طوابير مرورية لا تنتهي. فالتطوير الناجح هو الذي يحمي المواطن “أثناء” التنفيذ، وليس فقط بعد انتهاء المشروعات.
