اقتصاد وأعمالسليدر

أبو بكر الديب لـ”صوت البلد”: التضخم غيّر أولوياتنا

أبو بكر الديب

 

بينما تنشغل الدوائر المالية برصد أرقام صامتة ومؤشرات جافة على شاشات البورصة، تولد الحقيقة الأكثر عمقاً وشراسة خلف الأبواب المغلقة للبيوت العربية؛ حيث تخوض الأسر معركة صامتة لترويض غول التضخم الذي لم يكتفِ بإشعال الأسعار، بل أعاد هندسة الوعي وبدّد عاداتٍ استهلاكية متجذرة منذ أجيال. في هذا الحوار الخاص لـ“صوت البلد”، يفتح الخبير الاقتصادي أبو بكر الديب خزانة الأسرار المعيشية، ليحلل كيف تحولت ورقة المشتريات البسيطة إلى وثيقة دفاعية، وكيف سقط اليقين والاستقرار الاستهلاكي كأولى الضحايا في سلة الغلاء، محولاً المواطن البسيط إلى خبير استراتيجي يصارع لإنقاذ قوته اليومي.. وإلى نص الحوار:

نرى دائماً الخبراء ينشغلون بالأرقام الرسمية عند الحديث عن التضخم، من أين تقرأ أنت التحولات الاقتصادية الحالية في العالم العربي؟

عندما نحاول قراءة التحولات الاقتصادية الكبرى في العالم العربي، فإننا غالباً ما ننشغل بالأرقام، والمؤشرات، ومعدلات التضخم، وأسعار الفائدة، وحركة العملات، وأسواق الطاقة. لكن الحقيقة الأكثر عمقاً تكمن في مكان آخر بعيداً عن تقارير المؤسسات المالية وعن شاشات البورصات؛ إنها تكمن داخل البيوت العربية، وفي تلك الورقة الصغيرة التي كانت تعلق لعقود طويلة على باب الثلاجة وتحمل عنواناً بسيطاً هو “قائمة المشتريات”؛ فهذه القائمة التي بدت لسنوات طويلة مجرد أداة منزلية لتنظيم الاحتياجات الأسبوعية أو الشهرية، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس واحدة من أكبر التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة العربية منذ عقود طويلة.

وما الذي أحدثه غول التضخم تحديداً في سلوك المستهلك العربي، هل الأمر مجرد زيادة في الأسعار؟

لقد نجح التضخم في إحداث تغيير جذري لم يقتصر على رفع الأسعار فقط، بل امتد ليعيد تشكيل فلسفة الاستهلاك نفسها، ويعيد تعريف الأولويات داخل الأسرة، ويغير العلاقة النفسية بين المستهلك والسلعة، وبين الرغبة والقدرة، وبين الحاجة والإمكانات المتاحة؛ فالمشكلة لم تعد أن السلعة أصبحت أغلى سعراً مما كانت عليه في السابق، وإنما أن الخريطة الكاملة للاستهلاك العائلي تعرضت لإعادة رسم شاملة فرضتها الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة.

وكيف انعكست هذه الفلسفة الجديدة على طريقة اختيار السلع وإعداد الميزانية؟

في الماضي، كانت قائمة المشتريات العربية تنطلق من قاعدة “الوفرة النسبية”، حيث كانت الأسرة تبدأ بتحديد ما ترغب في شرائه ثم يُحسب تكلفته. أما اليوم؛ فقد انعكست المعادلة بالكامل، وأصبحت الأسرة تبدأ بتحديد المبلغ المتاح أولاً، ثم تبحث عما يمكن شراؤه ضمن هذا السقف المالي المحدود. وهنا يكمن التحول الأخطر، لأن المستهلك لم يعد صاحب قرار كامل في اختياراته، بل أصبح أسيراً للميزانية المتآكلة التي تفرض عليه ما يجب أن يشتريه وما يجب أن يتخلى عنه؛ فلقد تحول التسوق من نشاط اعتيادي إلى عملية حسابية معقدة تتداخل فيها المخاوف الاقتصادية مع الاعتبارات النفسية والاجتماعية؛ فأصبح المستهلك العربي يدخل المتجر وهو يحمل في ذهنه قائمة أولية، ثم يخرج بقائمة مختلفة تماماً بعد أن يخوض جولة طويلة من المقارنات بين الأسعار، والأوزان، والعروض البديلة، والأحجام المختلفة للمنتجات؛ فلم يعد السؤال التقليدي “ماذا نحتاج؟”، بل أصبح السؤال الأهم: “ماذا نستطيع أن نشتري؟”

من واقع رصدكم، من هي أولى الضحايا التي سقطت من سلة المشتريات العربية؟

من هنا بدأت أولى ضحايا التضخم في السقوط من سلة المشتريات العربية؛ فقد تعرضت السلع الكمالية وشبه الكمالية إلى عملية استبعاد واسعة النطاق، شملت أصنافاً كثيرة كانت تعد جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية قبل سنوات قليلة فقط؛ فالحلويات الجاهزة، والمشروبات الخاصة، والمنتجات المستوردة، والوجبات السريعة المتكررة، والكثير من المأكولات المرتبطة بالرفاهية النسبية بدأت تتراجع تدريجياً أمام سلع أساسية أكثر إلحاحاً وأعلى أولوية. لكن التحول لم يتوقف عند الكماليات بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ بدأت بعض الأسر في تقليص استهلاكها من اللحوم، والدواجن، والأسماك بصورة ملحوظة، وأصبح البحث عن بدائل أقل تكلفة جزءاً من السلوك اليومي المعتاد. كما تغيرت أنماط شراء الخضروات والفواكه، حيث بات المستهلك أكثر ميلاً إلى شراء المنتجات الموسمية الأرخص سعراً، والابتعاد عن الأصناف المرتفعة التكلفة مهما كانت قيمتها الغذائية أو مكانتها التقليدية داخل المائدة العربية.

هل غيّر التضخم حجم الكميات وطريقة الشراء أيضاً بجانب نوعية السلع؟

نعم، وما يلفت الانتباه أن التضخم لم يكتف بإخراج بعض السلع من قائمة المشتريات، بل نجح أيضاً في تغيير طريقة الشراء نفسها؛ فقد انتقلت أعداد متزايدة من الأسر من ثقافة التخزين والشراء بكميات كبيرة إلى ثقافة الشراء المحدود والمتكرر؛ وذلك بسبب صعوبة توفير سيولة مالية كبيرة دفعة واحدة، وبسبب القلق من استمرار ارتفاع الأسعار وعدم القدرة على التنبؤ بمستويات الإنفاق المستقبلية. وهكذا أصبحت القوائم أقصر، والأكياس أخف، وعدد الأصناف أقل مما كان عليه في الماضي.

نلاحظ مؤخراً اهتماماً مفرطاً بالعروض التجارية والبدائل الشعبية، كيف تفسر هذا التحول؟

هذا صحيح، فقد ساهم التضخم في إعادة إحياء ظواهر كانت تتراجع تدريجياً خلال العقود السابقة، فازدادت معدلات البحث عن العروض، والتخفيضات، والمنتجات البديلة، والعلامات التجارية الأقل شهرة؛ حيث عادت ثقافة المقارنة الدقيقة بين المتاجر المختلفة لتصبح جزءاً أساسياً من السلوك الاستهلاكي اليومي، وأصبح الكثير من المستهلكين يقضون وقتاً أطول في دراسة الأسعار من الوقت الذي يقضونه في اختيار السلع نفسها. وفي السياق ذاته، برزت ظاهرة التحول من “الجودة” إلى “السعر” بوصفها أحد أبرز آثار التضخم على المجتمعات العربية؛ فالكثير من الأسر التي كانت تمنح الأولوية للجودة والعلامات التجارية الموثوقة؛ أصبحت مضطرة للبحث عن الخيارات الأرخص حتى وإن كانت أقل جودة أو أقل شهرة، وهو تحول يعكس حجم الضغوط الواقعة على الميزانيات المنزلية، ويكشف كيف يمكن للأزمات الاقتصادية أن تعيد ترتيب منظومة القيم الاستهلاكية بأكملها.

وكيف امتدت هذه الآثار الاقتصادية لتلامس البنية والروابط الاجتماعية للعائلة العربية؟

الأكثر أهمية أن آثار التضخم تجاوزت حدود الاقتصاد لتصل إلى البنية الاجتماعية والثقافية للعائلة العربية؛ فالمائدة التي كانت تمثل رمزاً للكرم والوفرة والتنوع، بدأت تشهد تغيرات ملحوظة في عدد الأطباق ونوعية المكونات المستخدمة، وأصبحت بعض المناسبات العائلية التي كانت ترتبط تقليدياً بإعداد وجبات كبيرة ومتنوعة تخضع لحسابات مالية دقيقة لم تكن مطروحة بهذا الشكل في السابق.كما أن الأطفال أنفسهم أصبحوا جزءاً من هذه المعادلة الجديدة، حيث بدأت الأسر تمارس نوعاً من إعادة التفاوض غير المعلنة مع أبنائها حول الكثير من المشتريات التي كانت تعتبر بديهية في الماضي، وأصبحت بعض المنتجات المرتبطة بالترفيه، أو الوجبات الخفيفة، أو العلامات التجارية العالمية تخضع لمراجعات متكررة قبل اتخاذ قرار شرائها، وهو ما يعكس انتقال تأثير التضخم من الحسابات الاقتصادية المجردة إلى تفاصيل الحياة اليومية للأفراد.

هل يمكن القول إن المواطن البسيط أصبح مجبراً على فهم لغة المال والأعمال؟

من زاوية أخرى، يمكن القول إن التضخم نجح في تحويل المستهلك العربي إلى “خبير اقتصادي صغير” داخل منزله؛ فبعد سنوات طويلة كان فيها الاهتمام بأسعار الصرف وأسواق السلع العالمية يقتصر على المختصين، أصبحت هذه القضايا جزءاً من النقاشات اليومية العادية داخل البيوت، لأن أي تغير في أسعار الوقود، أو العملات، أو الشحن، أو المواد الخام ينعكس مباشرة على قائمة المشتريات وعلى قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية. ولعل أخطر ما فعله التضخم أنه لم يغير فقط ما يشتريه الناس، بل غير أيضاً ما يحلمون بشرائه؛ فالفجوة بين الطموحات الاستهلاكية والإمكانات المالية اتسعت بصورة كبيرة، وأصبحت بعض السلع التي كانت في متناول الطبقة المتوسطة قبل سنوات قليلة أقرب إلى الكماليات البعيدة المنال، وهو ما خلق شعوراً متزايداً بالضغط الاقتصادي وعدم اليقين لدى شرائح واسعة من المجتمع.

كيف تكيفت العائلات عملياً مع هذا الواقع الصعب للنجاة بميزانياتها؟

في كثير من الدول العربية ظهرت أنماط جديدة من التكيف مع الواقع الاقتصادي الصعب؛ فازدادت معدلات الطهي المنزلي على حساب الطلب الخارجي على الطعام، وارتفعت أهمية إعادة تدوير بقايا الطعام وتقليل الهدر الغذائي، كما توسعت ظاهرة إعداد قوائم مشتريات أكثر دقة وانضباطاً بهدف منع الإنفاق العشوائي وتجنب المفاجآت المالية غير المحسوبة. وهي كلها مؤشرات على أن التضخم لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل أصبح قوة اجتماعية تعيد تشكيل السلوك اليومي للأفراد والعائلات.

في نهاية هذا الصراع اليومي، من هو الخاسر أو الضحية الحقيقية برأيكم؟

إن الضحية الحقيقية في هذه المعركة ليست سلعة بعينها ولا منتجاً محدداً، بل مفهوم “الاستقرار الاستهلاكي” نفسه؛ ذلك الشعور الذي كان يمنح الأسرة القدرة على التخطيط للمستقبل بثقة ومعرفة ما يمكن شراؤه اليوم وما يمكن شراؤه غداً، أما في ظل التضخم المرتفع فإن هذا اليقين يتآكل تدريجياً وتحل محله حالة من الحذر والترقب والقلق المستمر بشأن ما قد تحمله الأشهر المقبلة من ارتفاعات جديدة في الأسعار. ولهذا فإن قائمة المشتريات العربية لم تعد مجرد سجل للطلبات المنزلية، بل أصبحت وثيقة اقتصادية واجتماعية تكشف بصورة دقيقة عن مستوى الضغوط التي تعيشها الأسر، وعن حجم التنازلات التي تضطر إلى تقديمها، وعن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع بأكمله. ففي كل سلعة تم حذفها من القائمة توجد قصة عن تراجع القوة الشرائية، وفي كل بديل أرخص تم اختياره توجد قصة عن محاولة التكيف مع الواقع، وفي كل نقاش عائلي حول الأولويات توجد انعكاسات مباشرة لمعركة يومية تخوضها ملايين الأسر بصمت. وفي النهاية.

التضخم لم ينتصر على قائمة المشتريات التقليدية لأنه رفع الأسعار فقط، بل لأنه نجح في إعادة هندسة العقل الاستهلاكي العربي من جذوره؛ فقد أعاد ترتيب سلم الأولويات، وغير أنماط الإنفاق، وبدل العادات الغذائية، وأعاد تعريف مفهوم الضروري والكمالي، وفرض على الأسر مراجعة مستمرة لقراراتها الاقتصادية حتى أصبحت قائمة المشتريات نفسها سجلاً حياً للتحولات الكبرى التي تعصف بالمجتمعات العربية اليوم. وحين يدرس المؤرخون مستقبلاً آثار هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة، فقد لا يجدون وثيقة أكثر صدقاً من تلك الورقة الصغيرة المعلقة على أبواب الثلاجات في مطابخنا، لأنها تختصر في سطور قليلة حكاية صراع طويل بين الدخل والأسعار، وبين الاحتياجات والإمكانات، وبين الإنسان العربي وغول التضخم الذي اقتحم تفاصيل حياته اليومية وغير الكثير مما اعتاد عليه عبر أجيال متعاقبة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19925

موضوعات ذات صلة

الشمول التأميني لدعم المشروعات .. وخبراء: تحقق عائد اقتصادي

المحرر

عمرو دياب.. الأسطورة تُحكى لا تُجسَّد

مي صلاح

الاتحاد الشبابي يفتح أبواب القيادة للشباب

المحرر

عروس البحر تحت مقصلة “الفريزة”

أيمن مصطفى

صلاة القلق.. سيرة المنسيين من غبار الهزائم لنهار الحرية

المحرر

قمة المحبة بين الكنائس المصرية تُعزز قيم السلام المُجتمعي

حازم رفعت