ثقافة وأدبسليدر

فيلم “برشامة”.. سيميائية العبث وميثولوجيا الغش

حينما تعجز اللغة الواقعية المباشرة عن رصد عمق التناقضات المجتمعية، تصبح الكوميديا السوداء هي الملاذ الجمالي الأخير؛ ليس بوصفها وسيلة للترفيه بل باعتبارها أداة هدم وإعادة بناء. من هذا المنطلق، يأتي فيلم “برشامة” ليقدم أطروحة بصرية عبثية، تتخذ من الفضاء السينمائي المغلق مختبرًا لقراءة التحولات الطبقية والاخلاقية التي عصفت بالبنية المجتمعية المصرية.

الفيلم لا يسرد حكاية عابرة، بل يؤسس لميثولوجيا الغش الكلي؛ حيث يستعير بنية المسرح الذهني العبثي لتفكيك مفهوم الأخلاق النفعية في مجتمع متأزم، ومثقل بالطبقية. ومن خلال هذه العدسة، تتحول لجنة الامتحان من مجرد فضاء لتقييم المعرفة والعدالة، إلى ماكيت مصغر للمجتمع، تتقاطع داخل أسواره شظايا إنسانية متباينة، وتصطدم فيه النماذج البراجماتية التي تبحث عن الخلاص الفردي بأي ثمن.

تعتمد فكرة الفيلم على وحدة المكان (لوكيشن رئيسي واحد) وبنية زمنية مكثفة؛ حيث تدور الأحداث بالكامل تقريبًا داخل لجنة امتحان مادة اللغة العربية لشهادة الثانوية العامة (نظام المنازل)، والتي تضم طلابًا من خلفيات وفئات عمرية متباينة وغير متجانسة اجتماعيًا.

تتأسس المفارقة الطبقية للفيلم من خارج أسوار اللجنة لتنعكس داخلها؛ حيث يتغوّل النفوذ والوجاهة ليختزل العمدة (باسم سمرة) فكرة تطويع القانون لخدمة المصالح الطبقية؛ فهو لا يتورع عن خطف وتعذيب مدرس اللغة العربية لمساعدة ابنه الأمي على النجاح، كما يوظف سطوته لإغراء مراقب اللجنة (كمال أبو رية) وتهديده بأبنائه للحفاظ على وجاهته الاجتماعية. هذا الضغط النفسي يقود حرفيًا إلى موت المراقب فجأة داخل اللجنة.

سقوط الرقابة

موت المشرّع لم يكن حدثًا عابرًا، بل دلالة رمزية على موت وسقوط سلطة الرقابة، لتتحول اللجنة فورًا إلى فضاء غريزي مستباح، يُستخدم فيه حتى ميكروفون المسجد لتمرير الإجابات، في إسقاط لاذع على استغلال أدوات الدين لخدمة الفساد.

المكان كماكيت مصغر، فاتخاذ لجنة الامتحان كفضاء مكاني مغلق وشبه وحيد لم يكن خيارًا إنتاجيًا فحسب، بل هو خيار جمالي ذو دلالة رمزية عالية. فالثانوية العامة في المخيلة الجمعية المصرية هي ميدان العدالة الاجتماعية الأخير وبوابة الحراك الطبقي. وبتحويلها إلى ساحة غش جماعي، تسقط الأقنعة وتتلاشى القوانين المنظمة، لتبرز حالة الطبيعة الأولى حيث البقاء للأقوى أو الأكثر دهاءً.

شظايا المجتمع

تتأسس الحبكة على صراع قطبين يمثلان رؤيتين متناقضتين للعالم، وتتصادم المصالح خاصة مع غياب الإجابات الصحيحة لدى الأغلبية. عبد الحميد (هشام ماجد) هو رمزية المنظومة الأخلاقية، الطالب الملتزم والمتفوق والوحيد الذي يملك المعرفة. ويمثل شخصية المثقف المنعزل أو الضمير الحي الذي يجد نفسه محاصرًا بمجتمع يرى في استقامته خطرًا عليه. تتحول ميزته إلى نقمة، فيصبح مطاردًا ومهددًا بالإقصاء، ليكون مرآة عاكسة للفساد الأخلاقي المحيط به.

تتنوع الشخصيات حول عبد الحميد لتمثل نماذج براجماتية مختلفة، منها: ابن العمدة الراغب في النجاح بأي ثمن، وفاتن (ريهام عبد الغفور) تجسيد لتيمة “المومس الفاضلة”؛ حيث تبحث عن الشهادة كصك غفران اجتماعي وتذكرة عبور لإنقاذ طفلتها وتغيير نظرة المجتمع لها، والمسجون (حاتم صلاح) الذي يطمح للهروب من السجن عبر النجاح في الامتحان، والسيدة المسنة (عارفة عبد الرسول) التي تأمل في تحسين معاشها.

فتاوى تهكمية

يتناول الفيلم التدين النفعي وتحويل الغش من معصية إلى ضرورة حتمية من خلال فقه الضرورة وفتاوى وهمية تهكمية، مثل: “ابن عمي اللي قال”.

كما جاء اختيار مادة اللغة العربية تحديدًا ليحمل دلالة تهكمية؛ فالحوار يتأرجح بين لغة الامتحان الفصحى التي تمثل الدين والتراث والبلاغة، ولغة اللجنة الواقعية بمصطلحاتها السوقية والمصلحية. ويبرز هذا التباين حِدة المفارقة فيُطالب الطلاب بالإجابة عن نصوص دينية، مثل آية الإصلاح والبغي في سورة الحجرات: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(9)” في نفس اللحظة التي يتواطؤون فيها على إخفاء جثة وإجبار زميلهم على الغش.

ومع غياب سلطة المراقب، تحولت ورقة إجابة عبد الحميد إلى سلعة تتكالب عليها القوى المختلفة (المال، والنفوذ، والقوة) في إسقاط على تسليع كل شيء في العصر الحديث.

مفارقات رمزية

وفي مفارقة درامية، تُنقذ نجاسة الملابس البطل عبد الحميد من فخ الغش مؤقتًا؛ حيث يرفض مس ورقة الامتحان بعدما تبولت عليه طفلة فاتن، كون الورقة تحتوي على آيات قرآنية، فكان هذا المنع العفوي سبب نجاته من الإثم.

وتظهر الذروة الرمزية للفيلم في اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي داخل المدرسة. هذا المشهد هو العقاب البصري للنص؛ حيث يعلن أن القنوات الفاسدة (الغش) تفسد الطهارة (المعرفة)، مما يؤدي لغرق الجميع في المستنقع ذاته. وانهيار البنية التحتية لشبكة المياه كان معادلًا موضوعيًا لانهيار البنية التحتية للأخلاق

مشاهد من الفيلم

اعتمد المخرج على تقطيع سريع وكاميرا حركية تحاكي حالة التوتر والازدحام، وتنقلت اللغة البصرية بين مستويين لشحن الأجواء: اللقطات القريبة جدًا ركزت على وجوه الأبطال، وملامح الخوف، ونظرات العيون المترقبة، مما رصد الانفعالات بدقة وخلق شعورًا بضيق المكان يجعل المشاهد شريكًا في الحصار النفسي.

واستخدمت اللقطات المنخفضة عند تصوير جثة المراقب أو ثبات عبد الحميد، بينما عكس الكادر المتكدس في مشاهد الغش الجماعي (عدة رؤوس وأيدي في كادر ضيق) حالة الفوضى العارمة وغياب الخصوصية، وتحول البشر إلى كتلة غريزية تتحرك بدافع النجاة أو الضغط على عبد الحميد.

كما ظهرت لوحات رمزية معلقة في خلفيات الكادرات تحمل رسالات مختلفة، أبرزها: كادر خاص بمدير المدرسة وحجاج تظهر لوحة كتب عليها “من غشنا فليس منا، آيات المنافق ثلاث…، اتقوا الظلم…)، وفي مشهد إجبار زينب على تعاطي المخدرات تظهر لوحة كتب عليها (المخدرات تبدأ بالفضول وتنتهي بالندم)، وشطبت كلمة الندم وكتب عليها (بليالي الأنس).

ولوحة أخرى تحمل إمضاء خالد دياب، كتب عليها: أقوال مأثورة: “النجاح هو الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك”.

سقطات وتجاوز

ورغم النجاح التجاري للفيلم، فإنه يواجه جدل مجتمعي وبرلماني كبير، يرجع ذلك إلى عدة انتقادات بنيوية، أهمها: الفجاجة الحوارية والتجاوز؛ حيث سقط النص في بعض الحوارات في فخ التجاوز مع الذات الإلهية بهدف استدرار الضحك، مثل مونولوجات: “أنا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وهو ده التحدي” أو “لو الجنة كده هاخد جهنم بالحضن”). هذا الخطاب تجاوز حدود النقد الاجتماعي ليمس ثوابت المتلقي دون مبرر درامي عميق، فضلًا عن استهلاك أسماء الأئمة لإبراز تشدد البطل كالتمسك بفقه ابن حنبل.

إلى جانب ترهل الإيقاع في النصف الثاني، فقد دار النص في حلقة مفرغة وتكررت محاولات استقطاب عبد الحميد والضغط عليه، مما أصاب الإيقاع بالترهل قبل الوصول إلى الذروة.

وشرعنة الغش دراميًا؛ ففي الختام تسقط البوصلة الأخلاقية (عبد الحميد) في فخ الكذب لحماية الطلاب، ويقوم بحل الامتحان بعد تلاوة دعاء الاستخارة، ويكتب اسم الراقصة فاتن على ورقته المحلولة منقذًا مستقبلها، ويصافحها مبررًا ذلك بأن “أبو حنيفة قال يجوز”. هذا التحول منح الغش مشروعية درامية وأحيا تيمة “المومس الفاضلة” بشكل مجاني.

فضلًا عن الاختزال الدرامي للمستقبل الذي أظهر امتحان اللغة العربية وكأنه المخلص الوحيد والمنقذ المطلق لحيوات الأبطال، متغافلًا عن حقيقة إجرائية وهي أنه مجرد مادة واحدة من مواد عدة لاجتياز الثانوية العامة، وهو اختزال مخل بصالح تكثيف الأزمة في يوم واحد.

ومصير زينب المجهول بعدما ادعى الأبطال -بموافقة عبد الحميد- تزويج زينب لحليلة لإنقاذها من بطش الأخ، لكن العمل ترك مصيرها مجهولًا؛ فلم يشر إلى أين ستذهب بعد ترك بيت أخيها، وكيف تعود لبيت ابن العمدة وهي لم تتزوجه فعليًا، مما خلق فجوة في التقفيل الدرامي للشخصيات.

إيرادات العمل

اقتربت إيرادات فيلم برشامة من حاجز الـ 213 مليون جنيه، وبهذا يصبح العمل ضمن قائمة أعلى الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية، وهو من بطولة هشام ماجد، وريهام عبد الغفور، وباسم سمرة، ومصطفى غريب، وحاتم صلاح، وعارفة عبد الرسول، وفاتن سعيد، وكمال أبو رية، وميشيل ميلاد، وفدوى عابد. ومن إخراج خالد دياب وتأليف أحمد الزغبي، وشيرين دياب.

 

اقرأ أيضًا:

ملهم الأدباء وقاتلهم: بين وهم الكاريزما وعبودية التبغ

عمر تقي: الكاريكاتير العراقي ولد من رحم الوجع

إكسهوما الكوري: الرمزية التاريخية وتخبط التسلسل الدرامي

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19550

موضوعات ذات صلة

مجمع نيقية.. قراءة لاهوتية لحراسة الإيمان ووحدة الكنيسة

حازم رفعت

كشف سر غياب وليد الكرتي عن بيراميدز

محمد عطا

مهرجان بورسعيد السينمائي الدولي يختتم دورته اليوم بمسرح المركز الثقافي

شيخون جمال

استراتيجيات الدمج الثقافي.. مصر وعُمان نموذجًا .. في معرض القاهرة للكتاب

المحرر

البرهان بين الحرب والمصالحة.. خطاب مرتبك

ضاحى محمود

أيمن يونس: الزمالك يحتاج تغيير العقول لإدارة النادي

محمود المهدي