سليدرفنون

فيلم “الهنا اللي أنا فيه”.. كليشيه مستهلك تخذله الأحداث

من المقبول سينمائيًا أن تنطلق الكوميديا من فرضيات عبثية أو مواقف استثنائية تصنعها الصدفة، لكن المحك الحقيقي يكمن دائمًا في مدى قدرة صناع العمل على صياغة هذه الفرضية في قالب يحترم وعي المشاهد، ويحافظ على تصاعد الحدث دراميًا دون السقوط في فخ التكرار أو الابتذال.

يأتي فيلم “الهنا اللي أنا فيه”، من تأليف أيمن بهجت قمر وإخراج خالد مرعي، ليدخل هذه المساحة الشائكة؛ حيث يحاول تقديم كوميديا سوداء تشرح فتور العلاقات الزوجية والأزمات المعاصرة من خلال مأزق طبي واجتماعي مركب.

يجمع الفيلم في بطولته ثلاثيًا مميزًا: كريم محمود عبد العزيز، وياسمين رئيس، ودينا الشربيني، ويطرح حزمة من المفارقات النفسية حول سيكولوجية الامتلاك والغيرة عند المرأة، وفي المقابل يفتح الباب لعلامات استفهام نقدية عديدة تتعلق بأصالة الفكرة، وبنيتها الدرامية، ومدى ملائمة أسلوبها الكوميدي للمشاهدة العائلية.

في هذا التحليل، نقف على تفكيك بنية الفيلم، متتبعين خيوط الحبكة بين المفارقة والواقع، ومسلطين الضوء على أهم المآخذ الهيكلية والفنية التي شابت التجربة.

المفارقة الدرامية

ينطلق الفيلم من أرضية خصبة بالمفارقة العكسية التي تصنع فجوة ساخرة بين المظهر والجوهر، فالبطل – كريم محمود عبد العزيز- يظهر أمام المجتمع كمنظّر وخبير يقدم نصائح مثالية حول الحياة الزوجية السعيدة، في حين أن حياته الخاصة غارقة في الأزمات والرتابة.

والبطلة -ياسمين رئيس- تعاني من التهميش والاغتراب الزواجي، وتشتكي باستمرار من غياب زوجها الطويل وانشغاله عنها؛ مما يخلق بيئة من البلادة العاطفية التي تمهد للتحول العبثي القادم.

الفانتازيا الاجتماعية

تأخذ الأحداث مسارًا دراميًا مع دخول محفز خارجي، بعودة صديقة البطلة – دينا الشربيني- من أمريكا بعد طلاقها حديثًا، بالتزامن مع وقوع البطل في فخ مغالطة طبية تفيد بأن زوجته لم يتبق لها سوى شهور معدودة.

هذا المأزق النفسي يدفع الزوجة لاتخاذ قرار إيثاري تتخلّى فيه عن زوجها لصديقتها، بدافع تأمين يد تحنو على ابنتها من بعدها. وهنا تتجلى سيكولوجية الامتلاك؛ فبمجرد اتخاذ القرار، تقع البطلة في فخ الغيرة العكسية وتبدأ محاولاتها الالتصاق بزوجها، مما يبرز التناقض الأنثوي بين زهدها القديم واستماتتها الحالية لاسترداده.

الورطة والكذب

وتصل الحبكة إلى ذروتها يوم الزفاف، حيث يكتشف الزوج أن التحاليل الطبية كانت خاطئة وأن زوجته معافاة تمامًا. وبدلًا من المواجهة، يختار البطل استمرار الكذب لتجنب الطلاق السريع من الصديقة، ليدخل الفيلم في نفق صراع الضرائر والمنافسة الصامتة لإثبات الجدارة الأنثوية والاستحواذ.

وتنتهي هذه المفارقة بنهاية صادمة للمنطق الاجتماعي التقليدي، بحمل صديقة البطلة وعبر قفزة زمنية تمثل مرور 15 عامًا والأبطال الثلاثة يعيشون معا كحل أخير للعقدة.

حاول المخرج خلق بيئة بصرية موازية للحالة النفسية باستخدام ديكورات وألوان دافئة لتوحي بالهدوء، بينما الأحداث في الداخل تشتعل بالغيرة والمؤامرات. ركز مرعي على اللقطات المتوسطة والقريبة لضبط ردود الأفعال الصامتة ونظرات العيون بين الصديقتين.

النقاط السلبية

بالرغم من التوليفة الجاذبة، إلا أن الفيلم واجه عيوبًا بنيوية واضحة أضعفت قيمته الفنية، أهمها تكرارية الحبكة؛ فالقصة مبنية على تيمة الزوجة المريضة التي تختار بديلة لها ثم تكتشف خطأ التشخيص، وهي تيمة مستهلكة وكليشيه مكرر بكثرة في السينما والروايات العالمية والعربية دون تقديم معالجة مبتكرة تبرر إعادة إنتاجها.

 إلى جانب الاعتماد على الإيحاءات والتناقض القيمي، فقد عاب الكوميديا في الفيلم اعتمادها الفج على الإيحاءات اللفظية والمواقف التي لا تتناسب مع المشاهدة العائلية، مما أحدث فجوة بينه وبين قيم المجتمع المصري.

 فضلًا عن فقر الأحداث وركود التطور الدرامي، فقد خلت قصة الفيلم من التطورات الحقيقية والتصاعد للأحداث. فبمجرد ثبات الموقف بالزواج المزدوج، دخل الفيلم في حلقة مفرغة من المشاهد المكررة، مما عجل بالوصول إلى قفزة الـ 15 عامًا الأخيرة كحل متعجل للتخلص من أزمة الربع الأخير.

عبث وتكرار

فقد حاول الفيلم المزج بين سينما العبث والدراما الاجتماعية، لكنه سقط في فخ التكرار والاستسهال الكوميدي. وغياب الأحداث الحقيقية والاعتماد على الإيفيهات غير العائلية جعل من فكرته الفانتازية مجرد قشرة خارجية لعمل تجاري يفتقر للعمق والابتكار في معالجة أزمات البيوت المعاصرة.

كما بلغ إجمالي إيرادات فيلم “الهنا اللي أنا فيه” أكثر من 55 مليون جنيه مصري في دور العرض المصرية. وحقق الفيلم نجاحًا في شباك التذاكر العربي، حيث تخطت إيراداته في السعودية حاجز الـ 17 مليون ريال سعودي.

 

اقرأ أيضًا: 

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

نجلاء رسول: لوحاتي ولدت من رماد الفقد لتحلّق

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22777

موضوعات ذات صلة

جامعة بني سويف: قافلة لخدمة أهالي بني ماضي

سلوي عمار

سلطة الظل: قراءة تحليلية في كتاب خالد محمد غازي

المحرر

الأزهر.. قلعة الوسطية

أيمن مصطفى

في ذكرى رحيله.. نجيب الريحاني أيقونة الكوميديا الراقية

مي صلاح

العلمين توثق عناق الجماهير لمنتخب الفراعنة

أيمن مصطفى

روايات “لنا عبد الرحمن”.. فضاءات من الحكي والهوية

المحرر