سليدرميديا

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

في وقتٍ تشهد فيه العلاقات الإنسانية تحولات عميقة، وتتصارع فيه البيوت المستقرة مع أمواج “المثالية الزائفة” التي تبثها شاشات الهواتف الذكيّة، يدق ناقوس الخطر الأسري بأرقامٍ مرعبة تخطت كل التوقعات؛ حيث تشير الإحصاءات الرسمية لعام 2025 إلى قفزة مخيفة في معدلات الانفصال، لتسجل المجتمعات حالة طلاق موثقة كل دقيقة و50 ثانية!

أمام هذا الواقع الصعب، لم يعد البحث عن المدينة الفاضلة خيارًا واقعيًا، بل غدا الرهان الحقيقي هو امتلاك أدوات المواجهة وحسن الإدارة. في هذا الحوار تغوص “صوت البلد” مع المستشار الأسري غريب درويش، في تفاصيل كتابه فن إدارة الخلافات الزوجية. حيث يضع مبضع الجراح على أبرز المعضلات التي تواجه البيوت اليوم، والأثر المدمر لمنصات التواصل الاجتماعي، وكيف يتحول الأطفال أحيانًا إلى “وقود” لمعارك تصفية الحسابات. وفي المقابل، يقدم لنا نصائح ذهبية تُحيي الأمل في النفوس.

لنبدأ من عنوان كتابك؛ لماذا اخترت فن إدارة الخلافات وليس تجنب الخلافات؟

لأن الخلافات الزوجية حتمية ولا يمكن تجنبها تمامًا؛ فالعلاقات الإنسانية تتأرجح بين التوافق والاختلاف، ومن هنا فإن فكرة “التجنب المطلق” للخلاف تعد غير منطقية. والبديل العقلاني هو تعلم كيفية التعامل مع الخلاف وإدارته بحكمة.

تطور مخيف

ما الذي رصدته في الواقع الأسري المعاصر وجعلك تشعر بحاجة ملحة لتأليف هذا الكتاب؟

دافعي الأساسي كان الأرقام الصادمة؛ ففي عام 2017 اطلعت على إحصائية لمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية (نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) تشير إلى أن حالات الطلاق الموثقة بلغت 129,600 حالة، ما يعني وقوع حالة طلاق رسمية كل 4 دقائق، فضلًا عن الطلاق الشفهي. هذا الرقم المرعب يحمل أثرًا مباشرًا في زيادة معدلات الجريمة والعنف.

وفي آخر إحصائية للجهاز المركزي بنوفمبر 2025 تطور الأمر بشكل مخيف؛ حيث قفزت الأرقام إلى 273,000 حالة طلاق موثقة، أي بزيادة تخطت الـ 100%. لقد أصبحنا للأسف نوثق حالة طلاق جديدة كل دقيقة و50 ثانية! مما استدعى تقديم حلول لهذه المعضلة.

خمس ركائز

أي مواصفات ٍمطلوب توافرها في الرجل والمرأة لبداية علاقة زوجية صحية، وهل توافق على أن الحب هو أهم الشروط؟

المقومات الأساسية لبناء علاقة زوجية صحية وسليمة تتلخص في خمس ركائز، هي: الدين والخُلق؛ الضمانة الأولى والأساسية؛ فهما يهذبان النفس. والتكافؤ وتوافق القيم والأهداف؛ ومن لا يشاركك قيمك العليا سيجرك حتمًا إلى حياة لا تشبهك.

ويجب أن يتحلى الطرفان بالمسؤولية والرؤية الواقعية؛ فكلنا بشر يعترينا الضعف والوهن والغضب والتقلبات المزاجية والنفسية، وتفهم هذه الطبيعة البشرية يقود العلاقة لبر الأمان. والكتمان وحفظ الأسرار هما صمام أمان حقيقي، وستر العيوب وعدم البوح بالخصوصيات يمنح الشريك فرصة للتغيير الإيجابي.

أما عن الحب فهو ليس شرطًا مسبقًا، بل هو نتيجة؛ فإذا توافرت الصفات السابقة مع وجود القبول، فإن الحب سيأتي لا محالة، والاحترام هو البذرة الحقيقية للحب المستدام.

استغلال الأطفال

يرى البعض أن الحياة الأسرية غير المستقرة يدفع ضريبتها الأطفال، كيف يمكننا أن نقدم لهم حياة آمنة؟

بالفعل، فقد يستغل البعض الأطفال لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، وهذه كارثة كبرى ذات أبعاد نفسية واجتماعية خطيرة. فالطفل الذي يُستخدم كورقة ضغط، يتعلم كيف يستغل ضعف الآخرين واحتياجاتهم. لذلك يجب أن تظل احتياجاتهم مبرأة من أي خلاف.

ويجب على الآباء ألا يجعلوا الأطفال أداة للانتقام وتصفية الحسابات، فهم مسؤوليتهم أمام الله. والطفل الذي يُشحن اليوم ضد أبيه أو أمه، سينقلب غدًا على الجميع ويسخط على المجتمع بأكمله.

في رأيك، ما “القشة” التي ترى أنها تقصم ظهر العلاقات الزوجية غالبًا، وكيف يمكن التنبؤ بها قبل حدوثها؟

فقدان الثقة، فإذا فُقدت الثقة غاب الأمان، وإذا غاب الأمان ضاعت السكينة. ويمكن رصد مؤشراتها من خلال ظهور الكذب والغموض، فهما السُمُّ القاتل للعلاقات. وفي المقابل، تعد المصارحة والوضوح أهم عوامل نمو الثقة وتماسكها.

غلاف الكتاب

من خلال خبرتك كمستشار أسري، ما أكثر أنواع الخلافات تكرارًا في مجتمعاتنا اليوم، وكيف يمكن حلها؟

المعضلات الأكثر تكرارًا في البيوت اليوم تتلخص في ثلاثة محاور، هي: غياب التقدير المتبادل، فقد يؤدي هذا الغياب إلى شعور الطرف الآخر بالإحباط والرفض العاطفي. والحل يكمن في التعبير الصريح والمستمر عن الامتنان والرضا، فهذا السلوك البسيط كفيل بدفع العلاقة للأفضل.

أيضًا الكذب والغموض قد يتسببان في تآكل الثقة تدريجيًا، ويثيران الشكوك والغيرة والتوترات اليومية والخذلان. والحل في الشجاعة والمواجهة؛ لابد من الصدق والوضوح المطلق، فالنفس البشرية بفطرتها ترتاح للصادقين الواضحين.

والعناد هو نار تلتهم البيوت، وحله في تقديم حسن الظن؛ والأفضل تعلم الإصغاء والاستماع جيدًا قبل الرد، واعتماد قاعدة ذهبية هي “لا قرار وقت الغضب“.

خنجر مسموم

يرى البعض أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت طرفًا ثالثًا في كل مشكلة زوجية؛ كيف ترى تأثير هذه “الحياة الافتراضية المثالية” على سقف توقعات الأزواج؟

لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم تأثير بالغ الخطورة؛ فقد تحولت من مجرد أدوات للتواصل إلى طرف فاعل ومحرك رئيسي داخل العلاقات الزوجية. وللأسف، أصبحت خنجرًا مسمومًا في ظهر الأسرة. فكم من بيوت تهدمت بسبب مظاهر البذخ المصطنع، والغلو، وادعاء المثالية الزائفة! وكم من زوج وزوجة نقما على حياتهما بسبب هذا العالم الافتراضي.

إن المؤشرات والدراسات المعاصرة تؤكد أن معدلات عدم الرضا الزوجي قفزت بنسب مرعبة، فضلًا عن كونها بوابة رئيسية لكثير من حالات الخيانة الزوجية. والحل هنا يكمن في إحياء قيمة القناعة، ممتثلًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ”.

الصدق والرضا

إذا أردنا تلخيص “كتالوج” سريع لحديثي الزواج من واقع كتابك، ما النصائح الذهبية التي تضمن لهم حياة زوجية مستقرة؟

لخصتُ لحديثي الزواج سبع ركائز أساسية كدليل إرشادي لبداية طريق مستقر، وهي: الصدق المطلق واجتناب الكذب، واستيعاب الاختلاف؛ فالرجل والمرأة يختلفان سيكولوجيًا وتكوينيًا. والتراحم والتقدير، والوعي بسيكولوجية الآخر واحتياجه؛ وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «لا ريب أن الجهل أصل كل شر». إلى جانب التغافل الذكي عن الهفوات والزلات؛ فكما قيل قديمًا “تسعة أعشار السلامة في التغافل”.

فضلًا عن حظر التدخلات الخارجية؛ فالإحصاءات تؤكد أن أكثر من 90% من هذه التدخلات تؤدي إلى أضرار بالغة وتفسد الود. وأخيرًا بالرضا والقبول المتبادل، فالرضا باب واسع للسعة والرحمة، ولكل منا عيوبًا ومزايا، فاقبلوا شريككم على طبيعته.

ماذا تقول لكل زوجين ضاقت بهما الحياة الزوجية ووصلا إلى طريق شبه مسدود؟

رسالتي لكل زوجين يمران بضيق أو أزمة أختصرها في خطوات عملية ويقينية: لكل مشكلة حلا،  فالحياة بطبيعتها متقلبة بين العافية والابتلاء. وأنصح باللجوء إلى شخص عاقل، ومطلع تثقون في علمه ودينه وورعه من خارج العائلة، مستشار متخصص في حل المشكلات. واعقدا نية الإصلاح وسدا الأبواب، وتعهدا على الكتمان، واستمعا لبعضكما، واعلما أن قطار الحياة يحتاج لبعض التنازلات البسيطة. وأكثرا من الدعاء لبعضكما، فالله بيده مقاليد الأمور.

وختامًا، ليس هناك أبلغ من أبيات الإمام الشافعي -رحمه الله- لتلخيص هذا اليقين:

> وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى … ذَرْعاً وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ

> ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا … فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لا تُفْرَجُ

 

اقرأ أيضًا:

إكسهوما الكوري: الرمزية التاريخية وتخبط التسلسل الدرامي

طالبات بآداب يهززن عرش التنين.. تعلم الصينية باللعب

ولاء المسيري: ضي.. ترجمة لمن يخشون الشمس

الدفش شقال.. 9 طالبات يقتحمن شفرات حرفيي القاهرة

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18835

موضوعات ذات صلة

شوارع مصر تتنفس بهجة في حضرة صلاة العيد

أيمن مصطفى

تحويل الطماطم الطازجة إلى مجففة بالأقصر

المحرر

إطلالة صيفية لـ روبي على شاطىء البحر

المحرر

اقتصاديون يوضحون أهمية زيادة الموارد الدولارية

المحرر

محمد رجب يبدأ تصوير «قطر صغنطوط»

واشنطن تعيد تشكيل حضورها فى الشرق الأوسط

ضاحى محمود