ثقافة وأدب

30 عاما من إبادة البوسنة .. “رحلة في ذاكرة الحرب”

يستعيد العالم في 11 يوليو من كل عام مشاهد مؤلمة لأمهات وزوجات وأبناء يضعون أكاليل الزهور الغارقة في دموعهم فوق شواهد قبور بيضاء في بوتوتشاري البوسنية، يبكون الآلاف من ذويهم الذين قتلهم الصرب في سريبرنتسيا وهي واحدة من أبشع مذابح الغرب بعد الحرب العالمية الثانية والتي انتهت في 1995 ولم تكن السنوات بعدها كافية لتلتئم جراحها ولا لإيقاظ ضمير العالم والذي يصمت اليوم أمام مذابح فلسطين.

في عام 2019 شاركت الكاتبة المصرية حنان سليمان في النسخة الأخيرة من برنامج طلابي لزيارة معالم البوسنة، ولأن الكتابة فعل المقاومة الإنساني الأول؛ فقد دوّنت رحلتها عبر كتاب “رحلة في ذاكرة الحرب” والذي حظي بتنويه جائزة ابن بطوطة 2024، وصدر مؤخرًا عن دار “كتوبيا”.

تهدي الكاتبة إصدارها “إلى الأرض الطاهرة التي ابيضت عيناها من الحزن على أهلها..” وقد كتبت رحلتها بلغة أدبية تجيد الإصغاء لأسرار البشر والحجر، وتلتقط وجع الحرب المضفر مع لحظات من الأمل والحب والمقاومة حين تنتصر على الموت.

درب الآلام

“على خطى الألم وفي طريق الموت.. لكننا عائدون”

نستعيد مع الكاتبة خطوات مضنية قطعها 15 ألف بوسني فرارا من جحيم بلدة سريبرينسيا حين سقطت في يد الصرب غدرا في عام 1995م، يسير فيها المشاركون عائدين في الطريق الطويل وفي البرد القارس والأمطار، وكأنهم يوجهون رسالة بأن الأرض لن تكون لغير أهلها.

لقد تشكلت عصابات صربية قوامها نحو 100 ألف مجند تشبه تلك الصهيونية التي استوطنت فلسطين في الأربعينات، وكانت مسلحة بترسانة هائلة من عتاد يوغوسلافيا، في الوقت الذي قيدت فيه الأمم المتحدة فرصة البوسنة في تشكيل جيش يحميها، وتركتها نهبا لكراهية غربية مقيتة.

لقد استمعت الكاتبة لعشرات الشهادات عن أبشع جرائم حرب الإبادة وما تشمله من عمليات القتل والتعذيب والاغتصاب للإناث واتخاذ الأبرياء دروعا بشرية واعتقال من ينجو منهم، وحرق القرى وتهجير أهلها وحرق مكتبات التراث الوطني.

قتلت حرب الإبادة نحو 8500 بوسني، وهنا بدأ العالم يعرف ماذا يعني التطهير العرقي. لم توقف الأمم المتحدة أطول حصار عرفه التاريخ والذي شهدته سراييفو لأربعة أعوام. كان الجميع يشاهدون الصرب يعتلون قمم التلال المحيطة ويتلهون بقنص الأبرياء في طوابير المياه وينقضون في حملات تطهير على القرى، بل ولم ينج مراسلو القنوات الإخبارية، وقد صار الخروج للشوارع يعني الموت!

تعرض البوسنيون – كما أهل غزة اليوم- للجوع الشديد والنزوح، وبرغم محاولات الأنفاق تهريب مواد الإعاشة، وجهود المقاتلين العرب في هذا الوقت للمقاومة، “وكأن الحرب تمشي على أطراف أصابعها تحت الأرض”.

في متحف أطفال الحرب والذي يتقدمه تمثال لطفل مبتور الذراع- وهو بين متاحف عديدة تخلد ذكرى الحرب هناك- تتأمل الكاتبة كيف كان الأطفال يحلمون فقط بقطعة حلوى أو بيض أومليت، وبعضهم كان لا ينسى السماء المحترقة والحياة الثقيلة التي لا تمنح رفاهية الخوف!.

لا تنسى الكاتبة أن تسجل مشاهداتها لآلاف الحالات من “كرب الصدمة” الدائم حتى اللحظة. هؤلاء الناجون الذين يشعرون بوخز الضمير لأنهم لم يحموا ذويهم. هؤلاء الذين تعرضوا للاغتصاب الوحشي وآلاف من الأبناء الذين جاءوا للحياة بعار لم يرتكبوه!

في أرض البلقان

“تُعرف البوسنة ببلاد الأنهار، ويشكل النهر رمز الحياة وإن فاحت منه رائحة الموت”.

ينتمي شعب البوسنة للعرق السلافي، وهي أرض مأهولة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وقد آمن سكانها بعقيدة تؤمن ببشرية المسيح، ولهذا كانوا هدفا مستمرا للحملات الصليبية.
وللجغرافيا لعنة كما تصف الكاتبة، فوقوع البوسنة في قلب البلقان جعلها كأنها بين فكي رحي، تحدها صربيا الأرثوذكسية شرقا وتحدها كرواتيا الكاثوليكية غربا وتتلاقى مع الجبل الأسود جنوبا، ومن هنا أصيبت بهويات ممزقة لسكانها.

تتربع البوسنة في ركنها الجنوبي الغربي كجوهرة بين الجبال والأنهار والذكريات؛ ولقد شاهدت الكاتبة طبيعة آسرة في البلاد ولهذا فقد ظلت مقصدا سياحيا ترفيهيا وعلاجيا معروفا، إلى جانب متاحفها التي تؤرخ للحضارات التي شهدتها وقد خضعت البوسنة للدولة الرومانية ثم تسربت المسيحية إليها حتى لقبت بـ”قدس أوروبا” قبل أن يدوم فيها الحكم الإسلامي لقرون.

وأهل البوسنة يتمتعون بجمال الشكل والروح؛ وقد لمست الكاتبة الروح الطيبة للأمهات والتي تحملها الجدات في مصر.

احتضان الماضي العتيق

“أينما وليت وجهك فثمّ معمار بهوية إسلامية، أما خارجها، فيظل المعمار اليوغوسلافي الخرساني الثقيل”

هكذا تلتفت الكاتبة لطراز العمارة المتأثرة بالهوية، بل واللغة أيضا التي تمزج البوسنية بالتركية والفارسية والعربية نتيجة الاختلاط الحضاري.

وقد احتفظ القلب البوسني بهويته برغم كل محاولات تغريبه؛ ولقد وقعت الكاتبة أسيرة صوت الأذان الأجمل في بلد أوروبي، إلى جانب الأسبلة والمقابر المبنية على طرز عثمانية وسط الأحياء السكنية، والبيوت المسقوفة بالقرميد الأحمر فوق الجبال. سوق المدينة القديم في باشارشيا يشبه سوق الغورية وهو سوق يقع في قلب سراييفو، وشاهدت رقة وعظمة بيوت الله. تقول: “هناك.. تمشيت في زمان ولي”.
حين تتجول الكاتبة في شوارع سراييفو التي تصفها بـ”مدينة الجرح المفتوح والمقاهي أيضاً والتي تضج بالحياة”؛ تشم معها عبق الرائحة بمذاقاتها، وقد انتشرت على يد العثمانيين الذين اعتبروها “الخمر الحلال”.

وتزخر البوسنة بالمتاحف الإسلامية بوجه خاص ومنها متحف الغازي خسرو بك والمتحف التاريخي لسراييفو، ومعهد البوشناق، ومتحف علي عزت بيجوفيتش، إضافة لمتحف صربي وحيد وبالطبع يتجاهل دور قادته في إبادة مسلمي البوسنة!

ميراث الكراهية

تكرست لدى الصرب مغالطة تاريخية بأن المسلمين وافدين وبرغم وجودهم الأصيل في البلاد والمتزامن مع الوجود العثماني؛ بل وانعكس ذلك في الأدب الذي يتهم العثمانيين بكل الخراب في البلاد. وتاريخيا فقد جرت أكبر معارك الصرب والمسلمين في القرن الخامس عشر وانتصر العثمانيون وحكموا البلاد من 1521 حتى 1867 لكن بعد خسارة النمسا في الحرب العالمية الأولى عادت بلجراد مجددا عاصمة مملكة صربيا.

لقد واجه السكان وطأة خطر النازي ثم خضعوا لقبضة الشيوعية والجنرال تيتو مؤسس الدولة الاشتراكية المستقلة عن يوغوسلافيا وقائد حركة عدم الانحياز، وقد حكم أكثر من ثلاثة عقود وبرحيله، عادت الكراهية الدفينة بين الصرب والبوسنيين، وجرت الدماء فوق جسر درينا.
وتلتقط الكاتبة خيطا من قصص الحب زمن الحرب والذي يجسده جسر “روميو وجولييت” وهي قصة “بوشكو” و”أدميرا”؛ حيث ارتبط رجل صربي وامرأة بوشناقية وطالتهما نيران الحرب فوق جسر سراييفو أثناء محاولتهما الهروب، وظلت رسائل أدميرا لحبيبها الذي تنتظره وسط الخيول البيضاء، لتحيط الجسر بعطر الحب رغم مأساوية المصير.

إرادة الحياة

“هناك نصر لن نفهمه إذا نظرنا فقط لأرقام الضحايا”

لم تعترف الأمم المتحدة بالإبادة التي جرت للأبرياء إلا بعد أكثر من 12 عاما، وبرغم انعقاد محاكمات في 2007 ضد ضباط ومسئولين بتهم الإبادة في سريبرنتسيا، لم تحقق محكمة جرائم الحرب هدفها بإدانة معظم المجرمين بل ولم تنظر للقضية بوصفها “إبادة مع سبق التخطيط”، وقد حصل كراديتش وراتكو ميلاديتش على السجن المؤبد وهما زعيما الصرب، والملفت أن كراديتش بالأساس طبيب نفسي وشاعر للأطفال ومع ذلك لم يهتز جفنه لقتل الأبرياء!!

أمام تلك الفظائع، كان الزعيم والمفكر الإسلامي البوسني، علي عزت بيجوفيتش، قد لعب دورا كبيرا في رأب الصدع وبث النهضة الإسلامية بعد عقود من الشيوعية القمعية، وقد أدين وسجن لمدد طويلة ومع ذلك قاد النضال الفكري والروحي، ولكنه في ساحة السياسة فضل المواءمات التي رآها كالدواء المر حين تتجرعه البلاد لوقف الحرب.. وهنا تتأمل الكاتبة هذا الموقف الذي قاد رجل بحجم بيجوفيتش لقبول معاهدة دايتون والتي بناء عليها تم تقسيم البوسنة التي ناضل لأجل وحدتها واستقلالها.

برغم ما سبق؛ ترى حنان سليمان أن المقاومة قد انتصرت في البوسنة برغم فداحة أعداد الضحايا؛ انتصرت البوسنة ضد محاولة ابتلاعها وطمس هويتها لصالح الصرب. انتصرت حين ظلت جماعة “النساء السود” تخرجن في العاصمة الصربية للمطالبة بالقصاص وحين أصبحت السينما تدير المعركة عبر الضوء والخيال وبلا مدافع، حتى أن أفلاما عالمية تناولت خطورة حرب الإبادة في مصير البشرية ومنها فيلم أنجلينا جولي “أرض العسل والدماء”، وهو دور ما يزال ينتظر السينما تجاه غزة اليوم.

على الجانب الآخر استمر صلف مجرمي الحرب؛ فلم ينحنوا اعتذارا وظلت صورهم ترفرف في أعلام وسط الجمهورية الصربية وكأنهم نماذج وطنية، وهو ما يعمق جراح الإبادة حتى اليوم.

في مقابر ضحايا البوسنة. ينظر العالم بقلب متألم للأرض التي لا تزال تجود بعظام جديدة لضحاياها، وكأنها تتذكرهم وتبكيهم مع الأمهات. وتشرق وردة سريبرنتسيا والتي يحمل الكتاب صورتها ببتلاتها الإحدى عشر رمزا ليوم الإبادة، وقلبها الأخضر أملا في السلام!

 

اقرأ أيضا: يوميات الحرب بعيون “أطفال يحرسون الضوء”

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=22628

موضوعات ذات صلة

أساتذة الحديث يفندون مزاعم كاملات عقل ودين

المحرر

د. خالد أبو الليل: جائزة التفوق تكريم للبسطاء.. ويحذر

المحرر

الزلوعي: شجرة الميلاد لها جذورعميقة في مخيلة البشر

المحرر

كتاب مصر يختارون ممثليهم في 12 محافظة

أيمن مصطفى

حقيبة الأحلام المثقوبة.. قصة قصيرة

أيمن مصطفى

شبكة نقل متكاملة لتيسير الوصول إلى معرض الكتاب

أيمن مصطفى