ثقافة وأدبسليدر

فاصل من اللحظات اللذيذة.. يوتوبيا زائفة وواقع مأزوم

حينما رسم أفلاطون صورته الخالدة عن المدينة الفاضلة، واضعًا معايير لسكانها وطبقاتهم الاجتماعية ودور كل فرد لضمان استمرارها، لم يتخيل أن تنتشر فكرته كالنار في الهشيم داخل الأعمال الفنية والأدبية، ولا أن يستوحي الأدباء هذه الفكرة للإسقاط على تردي الأوضاع في مجتمعاتهم مقارنة بما يجب أن تكون عليه المدن الفضلى. ومن هذا المنطلق الفلسفي، يستوحي فيلم “فاصل من اللحظات اللذيذة” هذه التيمة ليعيد تقديمها في قالب فانتازي كوميدي.

يدور الفيلم حول عائلة مصرية فقيرة يسودها التفكك والشقاق؛ حيث اعتاد الأب صالح والأم درية على المشاجرات اليومية، مما ينعكس سلبًا على ابنهما الصغير الذي يتأثر ببيئته المشحونة، فيقوم بتصرفات عبثية شقية كاحتجاز رفاقه في المدرسة وتفجير المعمل.

إسقاط معماري

يسلط الفيلم الضوء على تشقق العلاقة الأسرية من خلال إسقاط معماري ذكي على كيفية بناء الأب لبيته؛ فقد جعل الباب مقابلًا لعمود خرساني يمنع فتحه، مما يجبر درية وابنها على استخدام النافذة للدخول والخروج. أما المرحاض فبناه بسلالم مرتفعة توحي باهتمامه براحته الشخصية فقط، بينما جعل باب غرفة النوم يفتح من داخل المرحاض نفسه! ناهيك عن تأسيس شبكة الكهرباء لتفيض بالماء حال تشغيلها بدلًا من الحنفيات التالفة، مع واجهة مهلهلة ومنبعجة لا تتناسب أبعادها. يظهر المنزل هنا للمشاهد كبناء خانق لأفراده، ضاغط عليهم، وسالب لراحتهم وحريتهم.

العشوائية والمثالية

تبدأ الأحداث الحقيقية حين يعثر صالح (هشام ماجد)، المهندس الفاشل الذي بنى أيضًا مسجدًا عكس اتجاه القبلة، وبنى بيته بلا باب ليدخله عبر النافذة، في ليلة رعدية على ثقب دودي داخل غرفة مغلقة ببيته، ينقله إلى بعد زمني وعالم موازي يجد فيه نسخة كاملة الأوصاف منه ومن زوجته.

يقوم الفيلم على تباين بصري ودرامي حاد بين العالمين، العالم الأول -الواقعي- رمادي اللون، طافح بالمباني المتهدمة والعشوائية، والنزاع الأسرِي المستمر. والعالم الثاني -الموازي- مليء بالألوان والديكورات الفخمة والحدائق، حيث صالح مهندس عبقري وناجح، ودرية مذيعة مشهورة غاية في الأناقة.

لكن هذا العالم الموازي يُدار بنظام صارم يُحظر فيه إظهار أي مشاعر سلبية؛ حيث تُراقب انفعالات الأفراد بحساسات دقيقة، ويعاقب المنفعل بالصعق الكهربائي، أو الاعتقال في منشأة تُدعى “الجنينة” ليتحول هناك إلى شجرة. يكرر الجميع جملة نمطية “يومك لذيذ وبيضحك”؛ ويقتصر الطعام على الخضراوات ومطاعم الخس، بينما يتم إنجاب الأطفال عبر نظام أطفال الأنابيب في مكان يسمى “هيئة اللحظات اللذيذة”.

حرية الانفعال

تتصاعد الدراما حين يتبادل الزوجان موقعيهما مع نسختيهما الموازية، في العالم الأول ينبهر “صالح الموازي” بالمشاعر السلبية والحرية الكامنة في السب والضرب أثناء شجاره مع نسخته الأصلية، فيبدأ بتجربة العنف مستخدمًا كل ما يقع تحت يده، من الساطور إلى المروحة.

مشاهد من الفيلم

 وفي العالم الموازي يفقد صالح الأصلي حريته في إظهار مشاعره، ويعاقب بالصعق عدة مرات، ثم يتصالح الزوجان الأصليان مع ذواتهما، حيث تفتح المواجهة باب المكاشفة حول أسباب الشقاق والتباعد الذي دمر حياتهما السابقة.

مآخذ وسقطات

رغم الجودة البصرية وجدة الطرح، وقع الفيلم في عدة عثرات نقدية، أهمها النمطية في تصوير الأحياء الشعبية، والإغراق في حركات الأيدي والتلاسن المبالغ فيه لتصدير الصورة الانطباعية النمطية المبالغ فيها عن سكان المناطق الشعبية.

إلى جانب ضعف الإيهام البصري، حيث يظهر منزل البطل كأنه في منطقة فقيرة معدمة، بينما الشارع مسفلت ونظيف تمامًا بديكورات واضحة انتماءها لمدينة الإنتاج الإعلامي.

فضلًا عن ظهور سقطات في الحبكة، في المثالية الفذة والتغفيل الدرامي التي ظهرت في تخلى سكان العالم الموازي عن شهواتهم وشغفهم بالطعام ليتحولوا إلى ما يشبه الروبوتات أو الدمى المتحركة؛ دون تقديم أي تفسير درامي لكيفية نشوء هذا النظام، أو ما الذي دفعهم للتخلي عن متع الحياة وما المنفعة المتحققة لهم.

 يختتم الفيلم بفتح بوابة على عالم ثالث يخرج منه نسخة ضخمة مدججة بالسلاح من صالح ودرية، في إشارة إلى عالم مغرق في النزاعات المسلحة، ليكون النقيض المباشر للعالم الثاني الغارق في السلمية السلبية، ويترك الفيلم بنهاية مفتوحة، ويترك المشاهد بأسئلة كثيرة لا إجابات لها. 

ضبابية الرسالة

تظل رسالة الفيلم مبهمة بين تساؤلات عدة: هل أراد صناع العمل دعوة المشاهد للرضا بالواقع والتعايش معه؟ أم حثه على التمرد عليه وتغييره؟ أم نقد المادية والمثالية الزائفة؟ أم أن الفيلم في نهاية المطاف لم يزد عن كونه منتجًا تجاريًا يستهدف الإضحاك والانتشار التجاري فقط؟

الفيلم من بطولة هشام ماجد، وهنا الزاهد، ومحمد ثروت، ومن تأليف شريف نجيب وإخراج أحمد الجندي، وإنتاج أحمد السبكي. وقد حقق إيرادات كبيرة في شباك التذاكر، حيث تجاوزت إجمالي إيراداته 60.8 مليون جنيه خلال 9 أسابيع من عرضه في دور السينما.

 

اقرأ أيضًا: 

تراثيون: الذكاء الاصطناعي يخدم التراث بضوابط صارمة

لوحة موت يوليوس قيصر.. لماذا تقتلنا طعنة بروتوس؟

فيلم “برشامة”.. سيميائية العبث وميثولوجيا الغش

إكسهوما الكوري: الرمزية التاريخية وتخبط التسلسل الدرامي

فيلم “الهنا اللي أنا فيه”.. كليشيه مستهلك تخذله الأحداث

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23812

موضوعات ذات صلة

بوح الذات في “فراشات وأشياء أخرى”

أيمن مصطفى

بصمة كنيسة الروم الأرثوذكس على خُطى المسيح بمصر

حازم رفعت

براعم الحب في حديقة ” الخطوبة”

أيمن مصطفى

الكشف المبكر عن الأورام لـ16 مليون مواطن

أيمن مصطفى

21 عملية ناجحة في يوم واحد بمستشفى منيا القمح

محمد مرسي

ڤينيسيا تحتضن “خريطة طريق” الكنيسة القبطية ببلاد المهجر

حازم رفعت