
في سياق الخطط والبرامج الموسعة التي تنفذها وزارة الثقافة في مختلف المحافظات لتعزيز الوعي وبناء الإنسان، شهد قصر ثقافة الإسماعيلية فعاليات صالون الثقافة الجماهيرية، الذي أقيم تحت عنوان “الأدب والمكان.. الخصوصية الثقافية والتأثير”، وذلك ضمن برنامج الأنشطة الدورية التي تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة.
أدار اللقاء الأدبي الشاعر صلاح نعمان، عضو نادي أدب الإسماعيلية، وشهد الصالون مشاركة متميزة من الشاعر جمال حراجي، رئيس النادي الأسبق، والشاعر مدحت منير، الجماعة الأدبية بالمحافظة. وحضر الفعالية شيرين عبد الرحمن، مدير عام فرع ثقافة بالمدينة، إلى جانب لفيف من المثقفين والمبدعين والمهتمين بالحركة الأدبية في منطقة القناة.
ذاكرة الوطن
استهل الشاعر مدحت منير حديثه خلال الصالون بإلقاء الضوء على أثر البيئة المحيطة والمكان في الروايات والإنتاج الأدبي، مستشهداً بأعمال أديب نوبل نجيب محفوظ، وأثرها المباشر في تشكيل الوجدان الشعبي. كما تناول خصوصية المكان ودوره التاريخي في حركات المقاومة الشعبية، موضحاً أن البعد النفسي للإنسان هو ما يمنح الأمكنة أبعادها الروحية الوجدانية، ويحولها من مجرد حيز جغرافي صامت وحدود جغرافية صلبة إلى نصوص إبداعية حية ونابضة بالحياة تعيش في ذاكرة القراء.
ومن ناحيته، استعرض الشاعر جمال حراجي أبعاد علاقة الإبداع الإنساني بالمكان، مؤكداً في حديثه أن الأمكنة ليست مجرد جدران صماء أو مبانٍ خرسانية صلبة، بل تجمعها بالمبدع علاقة جدلية وثيقة ومستمرة. وأشار حراجي إلى أن هذه العلاقة تجسدت بوضوح في أعمال نجيب محفوظ التي خلدت الحارة المصرية وتفاصيلها اليومية، وكذلك في دواوين الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، ومنها ديوان “وجوه على الشط” الذي وثق تجارب المقاومة الشعبية الباسلة في السويس، وديوان “جوابات حراجي القط” الذي أرخ مرحلة بناء السد العالي في أسوان. كما تطرق حراجي إلى رواية “الطوق والأسورة” للكاتب يحيى الطاهر عبد الله، والتي نقلت عوالم الصعيد وعاداته وتقاليده وأساطيره الشعبية بدقة إلى الشاشة الفضية.
واختتمت فعاليات الصالون بفتح باب المداخلات الثرية والموسعة من قبل الجمهور الحاضر، والتي تمحورت حول الدور الحيوي الذي يلعبه الفن والأدب في توثيق تاريخ منطقة القناة الممتد. واستعاد الحضور المحطات التاريخية للمنطقة منذ بزوغ فكرة حفر قناة السويس وتأسيس مدينة الإسماعيلية، مروراً بالملامح البطولية للحروب المتلاحقة التي خاضتها مصر لحماية أرضها، وصولاً إلى انتصارات أكتوبر المجيدة.
وأشاد المشاركون في المداخلات بالإنتاج الأدبي لكتاب الإقليم ومصر الذين أصلوا لهذه الحقبة؛ ومن أبرزها كتاب “جسر على قناة السويس” للروائي والصحفي الراحل فتحي رزق، وكتابات الروائي الراحل جمال الغيطاني التي واكبت الجبهة والجنود، وصولاً إلى إبداعات الرموز الأدبية والشعرية في مدن السويس وبورسعيد والإسماعيلية، ومنهم الكابتن غزالي، وكامل عيد، وحافظ الصادق، والذين شكلت قصائدهم وأعمالهم خط الدفاع الثقافي والفني عن الأرض والهوية، وظلت محفورة في ذاكرة الأجيال كشاهد حي على التاريخ.
