
أكد فضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، أن الإسلام لم ينظر إلى الأسرة باعتبارها مجرد علاقة عابرة بين أفراد، وإنما هي اللبنة الأولى لبناء الإنسان والمجتمع.
وأوضح الأزهري لـ“صوت البلد”، أن استقرار البيت يعد قضية دين ومجتمع ومستقبل أجيال كاملة، حيث ينعكس هذا الاستقرار على الأمن الاجتماعي والأخلاق، بينما يؤدي اضطرابها إلى تشتت الأبناء وهدم المجتمع، مشيراً إلى جملة من الأحكام والضوابط التي وضعها الشرع الحنيف لحماية الكيان الأسري وتأمين مسيرته.
الميثاق الغليظ
وأضاف الشيخ مصطفى شلبي أن التشريع الإسلامي أقام الأسرة على منظومة متكاملة من المودة والرحمة والحقوق والواجبات المتبادلة، لافتاً إلى أن القرآن الكريم وصف الزواج بـ”الميثاق الغليظ” ليدلل على أنه عهد ومسؤولية وأمانة، وليس مجرد عقد يترتب عليه سكن مشترك أو إشباع لرغبة عابرة.
واستشهد فضيلته بالحديث النبوي الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، مؤكداً أن الحقوق داخل الأسرة لا تنفصل عن المسؤوليات، ولا يجوز لطرف أن يطالب بحقوقه ويهمل واجباته تجاه الآخر، مشدداً على أن العلاقة الزوجية في أصلها تقوم على السكن النفسي والمودة، وليس على الصراع أو محاولة إخضاع أحد الطرفين للآخر.
كرامة المرأة
وفي سياق متصل، بيّن الشيخ مصطفى شلبي أن الإسلام صان كرامة المرأة وقرّر إنسانيتها وحقوقها بشكل كامل، حيث أثبت لها ذمة مالية مستقلة وشخصية قانونية واعتبارية كاملة، كما منحها الشرع الحنيف حق المهر والميراث وحرية الاختيار في إطار الأحكام الشرعية، محرّماً ظلمها أو هضم حقوقها.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، موضحاً أن المعاشرة بالمعروف منهج حياة متكامل يشمل الاحترام، وحفظ الكرامة، وحسن الكلام، والتغاضي عن الهفوات خصوصاً وقت الخلاف. ونبه فضيلته إلى أن الآيات القرآنية تربي الإنسان على ألا تكون لحظة النفور أو الغضب سبباً في هدم حياة كاملة، مؤكداً أن الحياة المشتركة تحتاج إلى الصبر والحوار المستمر.
أمان الأبناء
وانتقل الشيخ الأزهري إلى محور رعاية الأبناء، مشدداً على أن الطفل في المنهج الإسلامي أمانة يسأل عنها الوالدان يوم القيامة، وأوضح أن الأبناء يحتاجون إلى الأمان النفسي، والحنان، والقدوة الصالحة، والحوار، والاحترام، بما يتجاوز مجرد توفير المأكل والملبس والتعليم.
وحذر فضيلته بشدة من تحويل الخلافات الزوجية إلى حرب معلنة أمام الأبناء، لأن الطفل يفقد إحساسه بالأمان وينشأ مضطرباً وخائفاً، مشيراً إلى أن الإسلام وضع علاجاً متدرجاً للخلافات قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار، داعياً إلى تحكيم أهل الحكمة والإصلاح قبل اتخاذ أي قرار بالانفصال.
ضوابط الفراق
وفي حديثه عن الطلاق، أكد الشيخ مصطفى شلبي أن الإسلام لم يجعل الطلاق جريمة إذا استحالت العشرة تماماً، ولكنه في الوقت نفسه لم يجعله لعبة أو وسيلة للانتقام، حيث حدد الشرع قاعدة واضحة تتمثل في قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، مما يعني ضرورة الفراق بالإحسان دون تصفية حسابات أو تشهير أو إهدار لحقوق الأبناء.
واختتم فضيلته بالإشارة إلى أن القوامة تكليف ومسؤولية ورعاية وليست رخصة للظلم أو الاستبداد، محذراً من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تقدم العلاقات بصورة مشوهة وتذكي ثقافة الصراع داخل البيوت.
