ثقافة وأدبسليدر

حنظلة.. طفل حافٍ واجه الاحتلال بظهره

لم يكن الكاريكاتير في الصحافة العربية يومًا مجرد مساحة للمزاح البصري، بل كان في كثير من الأحيان جبهة مواجهة مع السلطة والواقع. وفي قلب هذه الجبهة، يقف طفل صغير، حافي القدمين، رث الثياب، يعقد يديه خلف ظهره ويدير وجهه عن العالم. ذلك هو “حنظلة”، الأيقونة التي ابتكرها الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، والتي تحولت على امتداد أكثر من نصف قرن من توقيع في زاوية صحيفة إلى أحد أبرز الرموز البصرية في الثقافة العربية، متجاوزة حدود الصحافة إلى الأدب والفنون التشكيلية والمسرح والذاكرة الجمعية.

المولد السيميائي

ظهر حنظلة لأول مرة عام 1969 على صفحات جريدة السياسة الكويتية، لكنه لم يكن يدير ظهره في جميع رسوماته الأولى. وبعد حرب أكتوبر 1973، اتخذ ناجي العلي قرارًا بأن يبقى حنظلة مديرًا ظهره بصورة دائمة، معبرًا عن موقف احتجاجي ورافض لمسار التسويات السياسية، وهو ما شرحه الفنان في أكثر من مناسبة بوصفه تعبيرًا عن رفضه للواقع العربي آنذاك.

وقال ناجي العلي في وصف شخصيته الأشهر: “ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائمًا في العاشرة؛ ففي هذا السن غادرتُ فلسطين، وقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما أن فقدان الوطن استثناء. لن يكبر حنظلة إلا بعد العودة.”

لم تكن إدارة الظهر مجرد تفصيلة تشكيلية، بل أصبحت علامة بصرية مفتوحة على التأويل، ورمزًا للاحتجاج الدائم ورفض الاستسلام، وهي دلالة توسعت لاحقًا في القراءات النقدية والثقافية.

تفكيك الرمز

استلهم ناجي العلي اسم “حنظلة” من نبات الحنظل المعروف بمرارته، في إشارة إلى قسوة التجربة الفلسطينية ومرارة المنفى. ويمكن قراءة الشخصية عبر عدة أبعاد رئيسية، أهمها البعد الإنساني، فعلى عكس الأبطال الخارقين، يظهر حنظلة طفلًا نحيلًا حافي القدمين، بملابس بسيطة مرقعة، فأصبح رمزًا للفقراء واللاجئين وسكان المخيمات والإنسان العادي الذي يتحمل أعباء الواقع.

تجمد عمر حنظلة عند العاشرة، وهو العمر الذي غادر فيه ناجي العلي فلسطين. وقد ربط الفنان بنفسه هذا الثبات بفكرة أن العودة وحدها هي التي تسمح للطفل بأن يكبر. كما تحول حنظلة إلى شاهد صامت على التحولات السياسية والاجتماعية، وأصبح في كثير من الدراسات النقدية يُقرأ بوصفه ضميرًا بصريًا يراقب الواقع دون خطابة أو شعارات.

الخروج للعالمية 

لم يبق حنظلة حبيس الصفحة الأخيرة في الصحيفة، بل انتقل إلى فضاءات إبداعية متعددة، فقد تناولت دراسات نقدية وأعمال أدبية شخصية حنظلة بوصفها رمزًا ثقافيًا يتجاوز الكاريكاتير، واستُحضرت في قصائد وروايات ونصوص أدبية كثيرة باعتبارها علامة على الرفض والتمسك بالهوية الفلسطينية.

خرج حنظلة من إطار الحبر الأسود إلى الفضاء العام. وأصبح حضوره مألوفًا على جدران المدن الفلسطينية، وعلى جدار الفصل في الضفة الغربية، كما ظهر في بيروت وعمّان وتونس وعدد من المدن الأوروبية، رمزًا للتضامن مع قضايا الحرية والعدالة.

ناجي العلي

تحولت الشخصية إلى منحوتات وأعمال فنية، كما استُلهمت في صناعة الحلي والمعلقات والتذكارات التي انتشرت بين محبي القضية الفلسطينية، لترسخ مكانتها بوصفها واحدة من أشهر الأيقونات البصرية العربية.

حضر ناجي العلي وشخصية حنظلة في فيلم “ناجي العلي”، من بطولة نور الشريف وإخراج عاطف الطيب، كما استلهمت عدة عروض مسرحية شخصية حنظلة، وسعت إلى استكشاف دلالات صمته ورمزيته داخل فضاء المسرح.

احتضان شعبي

حظي حنظلة باحتضان شعبي واسع، إذ رأى فيه كثيرون رمزًا صادقًا يعبر عن هموم الإنسان العربي والفلسطيني، وقد ساعدت بساطة خطوطه ووضوح رموزه على وصول رسالته إلى جمهور واسع بمختلف فئاته.

وفي المقابل، أثارت رسومات ناجي العلي انتقادات وغضب عدد من الأنظمة، كما دخل في خلافات حادة مع أطراف فلسطينية بسبب مواقفه السياسية ورسوماته الناقدة. وتعرض خلال مسيرته لضغوط وتهديدات متكررة، قبل أن يُغتال في لندن عام 1987 في جريمة لا تزال ملابساتها موضع جدل.

حلم العودة

بعد عقود على غياب ناجي العلي، لا يزال حنظلة حاضرًا بقوة في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُستعاد مع كثير من الأحداث السياسية والإنسانية المرتبطة بالحرية والعدالة والهوية الفلسطينية.

ولم يلتفت حنظلة حتى اليوم؛ فوفق الرؤية التي صاغها مبتكره، لن يدير وجهه إلى العالم إلا عندما تتحقق العودة. وهكذا ظل الطفل الصغير، بظهره المستدير وقدميه الحافيتين، واحدًا من أكثر الرموز البصرية رسوخًا في الذاكرة العربية، وشاهدًا دائمًا على قضية لم تغادر الوجدان.

 

اقرأ أيضًا: 

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

سطوة التريند ومسؤولية الوعي: الصحافة في اختبارها الأصعب

محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها

أحمد الصغير: الشعر لا يستعير الفنون بل يصهرها

المخدرات في الفن.. حين يصبح الإدمان مرآة المجتمع

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21775

موضوعات ذات صلة

الشباب والرياضة تعلق على بيان النيابة بشأن أرض الزمالك

محمود المهدي

مزارعون يشتكون من انخفاض أسعار الطماطم

المحرر

دينا الشربيني وآسر ياسين في «اتنين غيرنا»

التعليم الفني.. المستقبل يبدأ من هنا

المحرر

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

شيماء عيسي

الاكتئاب.. أبعاد ومعالجة

المحرر