ثقافة وأدبسليدر

محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها

لا تولد الأساطير لتموت، بل لتبحث عن ساردٍ ذكي يعرف كيف يعيد ضخ الدماء في عروقها الرمزية، ويجعل من حكاياتها القديمة مرآةً لشرور عالمنا المعاصر ومآزقه الوجودية. في روايته “أوندين: أغنية الخلود” المتوَّجة بجائزة باشراحيل، يشرع الكاتب محمد عطوة في مغامرة سردية لافتة؛ إذ يستدعي أسطورة الحورية “أوندين”، تلك الكائن المائي الهارب من الغياب نحو حلم الخلود فوق يابسة البشر، ليغزل منها نصًا يبحث في ثنايا النفس البشرية، وصراعها الأزلي مع الزمن والفناء، والانتصار المأمول للحب والفن.

الكتابة عند محمد عطوة ليست مجرد رصٍّ للحكايات، بل هندسة قبلية ومرحلة إعداد شاقة تتأرجح بين مرجعيات الثقافة الغربية التي تشربها أكاديميًا عبر مسرح شكسبير وقصائد إليوت، وبين أصالة السرد العربي المتأثر بقامات مثل الغيطاني وقاسم وإدريس.

في هذا الحوار، تبحر معه “صوت البلد” في كواليس بناء عوالمه الغرائبية، ونسأله عن ثمن التجريب في زمن اقتصاد السوق الثقافي، وكيف تحولت أغنية الخلود من مجرد أسطورة مائية إلى رقصة عشق وجودية تلامس قضايا الواقع، وصولًا إلى ملامح مشاريعه القادمة التي تفتش في دفتر التاريخ المصري وتغوص في أعماق العوالم النفسية للمرأة.

كيف تلقيت نبأ فوزك، وماذا يضيف هذا التكريم لرحلتك مع الكتابة السردية؟

تلقيت نبأ الفوز والنشر بسعادة غامرة، كون العمل سيخرج إلى النور عبر جائزة إقليمية ذات ثقل، ومن خلال دار نشر محترمة وموثوقة. هذا الفوز يمثل دفعة قوية وخطوة فارقة في مسيرتي السردية؛ لأنه يمنحني الطمأنينة بأن التجريب الذي خضته في كتابتي يلقى صدى حقيقيًا لدى النقاد ولجان التحكيم.

أسطورة حورية

استدعاء أسطورة عالمية مثل “أوندين” لتكون محورًا لعمل روائي عربي هو خيار لافت؛ كيف نبتت فكرة الرواية في ذهنك، ولماذا اخترت هذه الأسطورة تحديدًا؟

تمثل الميثولوجيا دائمًا مَعِينًا ثريًا للكاتب الباحث عن الاختلاف والمغايرة. لكن الأهم في نظري ليس مجرد الاستدعاء، بل كيفية توظيف الأسطورة داخل النسيج السردي لخدمة الفكرة، وشحنها برموز تُسقَط على الواقع الفعلي المعيش؛ سواء كانت مشكلات نفسية، اجتماعية، أو سياسية، يتم تمريرها بذكاء عبر الأحداث والعلاقات البينية للشخصيات.

اخترت “أوندين” لأنها تجسد أسطورة حورية البحر التي تحلم بالخلود على اليابسة عبر الاقتران ببشري وفق شروط محددة. وقد تتبعت في العمل كيف فشلت كل محاولات التلاقح والخلود بين عالمي الماء واليابسة، ولكل فشل سياقه وأسبابه الوجودية.

الخلود والفناء

صراع الإنسان مع الزمن والفناء تيمة أزلية؛ هل جاءت أغنية الخلود كرصد لهذه المأساة، أم أنها تفتح طاقة أمل لانتصار الحب والفن، كيف تقاطعت الأبعاد الميثولوجية مع قضايا العمل؟

فكرة الخلود هي هاجس أزلي ينازع عقول البشر، وتطوف به مخيلة كل كائن حي. لكن الحقيقة المطلقة تنتصر في النهاية؛ فمهما بلغ الإنسان من تميز ومهارة وحذق في تعامله مع الكائنات ومع محيطه، ستأتي حتمًا اللحظة التي يتوقف فيها هذا السعي الدنيوي نحو الأعلى، لتتجلى حقيقة أن الديمومة والخلود المطلق هما لله وحده.

الانتقال بالمسرح الروائي بين عوالم واقعية وأخرى غرائبية أو أسطورية يتطلب دقة شديدة؛ ما التحديات التقنية التي واجهتك أثناء بناء هذا العالم السردي الخاص؟

الكتابة السردية عمومًا هي ممارسة شائكة، تتطلب دقة بالغة في إدارة الأحداث، وتطوير الشخوص دراميًا، وتصعيد الحبكة، فضلًا عن دراسة الخلفيات التاريخية والثقافية لكل شخصية، وأثر ذلك كله على لغتها الحوارية والجسدية وسلوكها.

والتحدي الأكبر يكمن في اختيار “عالم غرائبي” كمنطلق للحكاية وحامل لرسائلها؛ إذ يتطلب الأمر مهارة وذكاء لجعل هذا الغرائبي مستأنسًا ومألوفًا لدى القارئ. لذلك، فإن الجهد الأكبر يُبذل قبل الشروع في الكتابة الفعلية؛ فمرحلة الإعداد والتحضير للرواية هي عندي الأهم والأكثر مشقة من فعل الكتابة ذاته.

سحر شكسبير

من هم الكتاب الذين ألهموا محمد عطوة في مجال الواقعية السحرية أو السرد الفلسفي والغرائبي؟

خلفيتي الأكاديمية في دراسة الأدب الإنجليزي بالجامعة، وشكسبير على وجه الخصوص، فتحت عيني على العوالم السحرية لكتابة لا تزال الأهم في تاريخ الإبداع الإنساني. لقد درست مسرح شكسبير بلغتة الأم وتأثرت به جدًا، لدرجة أنني لم أستطع تقبل الترجمات لاحقًا. كما كان لدراستي المستفيضة لقصيدة الأرض الخراب لـ “تي إس إليوت” على مدار عام كامل، أثر بالغ في توسيع مداركي وانفتاح أفقي الإبداعي.

أما على صعيد السرد العربي، فبعد القامة الكبيرة نجيب محفوظ، استوقفني كثيرًا مشروع جمال الغيطاني، وعبد الحكيم قاسم، ثم يوسف إدريس. وبشكل عام، أنا قارئ نهم قرأت للكثيرين، لكنني لم أسمح لنفسي بأن أتأثر إلا بالقليل.

 هل تعتقد أن الكتاب تحول إلى مجرد سلعة؟

في البداية، أود أن أحيي كل جهة تدعم الأدب بصفة خاصة، والثقافة بمختلف حقولها. نحن نعيش اليوم في ظل ظروف تسيطر عليها سياسات “اقتصاد السوق” التي امتدت لتطال الحقل الثقافي، فتحول الكتاب إلى سلعة؛ ورغم أنني لا أعارض هذا التوجه بالمطلق، إلا أنني أود لفت الانتباه إلى أن الحقوق المادية للكُتّاب أصبحت مهدرة في هذا السياق.

التاريخ والمرأة 

بعد أن شدوت بـ “أغنية الخلود”، ما هو الأفق الروائي الجديد الذي تستعد لطرق أبوابه في مشروعك القادم؟

بعد رواية “أوندين: رقصة العشق والخلود”، أعكف حاليًا على كتابة رواية تاريخية تتناول حقبة زمنية معينة عاشتها مصر؛ ورغم أنها كانت حقبة شديدة القسوة والوطأة، إلا أنها تركت آثارًا ممتدة حتى يومنا هذا. بالتوازي مع ذلك، وضعت الخطوط العريضة لرواية نفسية مغايرة، تغوص في أعماق العوالم الداخلية للمرأة وتأثيرات مرحلة انقطاع الطمث على هويتها النفسية والجسدية.

 

اقرأ أيضًا: 

أحمد الصغير: الشعر لا يستعير الفنون بل يصهرها

الروائي محمد عبد العال: المنتصر يكتب التاريخ

شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21438

موضوعات ذات صلة

إعادة برمجة خلايا الجلد: أمل جديد لضحايا الحروق

المحرر

مذكرات عادل إمام المصورة تترقبها الجماهير

حسن عبدالعال

د. علي جمعة: مصر حارسة القرآن ودولة التلاوة

محمود على

أوكار “البث” فوق السحاب.. أباطرة “الدش” العشوائي بالإسكندرية

أيمن مصطفى

افتتاحات تنموية ورياضية بدمياط والوادي الجديد

أيمن مصطفى

النهار والشجن.. قراءة في عالم أسامة أنور عكاشة

المحرر