ثقافة وأدبسليدر

الروائي محمد عبد العال: المنتصر يكتب التاريخ

لا تبدأ الرواية التاريخية الجادة من حيث تنتهي وثائق الأرشيف، بل تنبعث من تلك المساحات المنسية التي سقطت سهوًا أو عمدًا من كُتب المؤرخين وسرديات المنتصرين. في هذا البرزخ الإبداعي بين صرامة الوثيقة الأكاديمية وحرية الخيال الفني، يشيّد الروائي محمد أحمد عبد العال معماره السردي، معيدًا صياغة الذاكرة الجمعية لا بوصفها ماضيًا تحجّر، بل بوصفها كائنًا حيًّا يشكّل حاضرنا ويوجه مصائرنا.

حين توّجت روايته “أثر الظل” بالمركز الأول في جائزة “باشراحيل” العريقة لعام 2026، لم يكن التتويج مجرد احتفاء بنص روائي متميز، بل كان اعترافًا صريحًا بانتصار الرواية المعرفية الاستقصائية؛ التي لا تبحث عن الإثارة العابرة أو الاستهلاك السريع، وإنما تحفر عميقًا في أسئلة الهوية، والسلطة، والذاكرة، ومساءلة الكيفية التي يُكتب بها التاريخ.

عبد العال، الذي يحمل في جعبته دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية، لا يرى في الرواية ترفًا جماليًا؛ إنه يدخل إلى حقل السرد بعين المحقق، ليؤكد أن الورق وإن كان لا يحاسب أحدًا، فإنه بالضرورة لا ينسى. ومن هنا، تصبح شخصياته ليست مجرد أسماء على ورق، بل ظلالًا بشرية تتحرك في عتمة الهامش لتصنع ضوء الحقيقة الإنسانية.

الرواية هي ديوان العرب الحديث، فماذا يعني لك هذا التتويج الصداري في مسيرتك الروائية؟

أنظر إلى الجوائز الأدبية بوصفها محطة في مسار الكتابة، لا غاية تنتهي إليها الرحلة. فالفوز -مهما بلغت قيمته- لا يمنح الكاتب امتيازًا بقدر ما يحمّله مسؤولية مضاعفة تجاه القارئ، وتجاه مشروعه الفكري والإبداعي، وتجاه اللغة التي يكتب بها.

لقد جاء هذا التتويج ليؤكد لي أن الرواية الجادة التي تراهن على المعرفة بقدر رهانها على الجمال، وتستند إلى البحث العلمي مثلما تستند إلى الخيال الفني، ما تزال قادرة على الوصول إلى القارئ وإقناع لجان التحكيم، بعيدًا عن ضجيج السوق الثقافية أو الإغراءات الإعلامية.

ولعل تجربتي الأكاديمية أسهمت في ترسيخ قناعتي بأن الرواية ليست ترفًا جماليًا، وإنما هي وسيلة معرفية لفهم الإنسان، ومختبر لإنتاج الأفكار، وأداة لإعادة مساءلة التاريخ من خلال التجربة الإنسانية، لا من خلال الوثيقة الجامدة وحدها. لذلك، أعدّ هذا الفوز تكريمًا للنص قبل الكاتب؛ لأن الرواية في نهاية الأمر هي التي تبقى، أما الكاتب فليس إلا وسيطًا بين الحياة واللغة.

الذاكرة الجمعية

لكل رواية نقطة انطلاق؛ أين ولدت فكرة روايتكم الأخيرة أثر الظل، وكم استغرقت من الوقت في البحث والكتابة والتشذيب حتى خرجت بهذا المعمار الإبداعي؟

لم تبدأ “أثر الظل” بفكرة سردية جاهزة، ولم تنطلق من حدث تاريخي أردت إعادة حكايته، وإنما بدأت من سؤال معرفي مركزي راودني طويلًا: كيف تُعاد كتابة الذاكرة الجمعية؟ وكيف تتحول الوقائع التاريخية إلى روايات رسمية قد تختلف كثيرًا عن التجربة الإنسانية التي عاشها الناس بالفعل؟

بدأت هذه الأسئلة تلحّ عليّ قرابة عام كامل بعد انتهائي من روايتي الأولى “أبشاق الغزال”. وربما كان اشتغالي بتحقيق التراث العربي المخطوط، سببًا في أن أنظر إلى الوثيقة بوصفها نصًا يحتاج إلى النقد والمقارنة، لا بوصفها حقيقة نهائية.

استغرقت مرحلة البحث والإعداد نحو عام ونصف؛ قرأت خلالها عشرات الوثائق والصحف والدوريات والمذكرات، وأوليت اهتمامًا بالغًا بالتفاصيل اليومية التي تصنع روح العصر من صور وأغاني وإعلانات ومفردات متداولة؛ لأن صدق البيئة الروائية يتحقق بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح العالم السردي حياته.

ثم جاءت مرحلة الكتابة التي مرت بمراحل طويلة من المراجعة والحذف والإعادة. ولعل عملي في التحرير الأدبي يجعلني لا أتعامل مع المسودة الأولى كنص مكتمل، بل كبداية لنص يُعاد بناؤه مرارًا حتى تستقر كل جملة في مكانها الطبيعي.

ظلال الماضي 

عنوان الرواية “أثر الظل” يحمل أبعادًا دلالية عميقة؛ هل الظل هنا يحيل إلى الماضي، أم إلى الهامش والنسخ غير المرئية من ذواتنا، ما الفلسفة الإنسانية التي يناقشها العمل؟

العنوان مقصود ومخطط له منذ اللحظة الأولى؛ فالظل في الرواية لا يشير إلى رمز أحادي، بل يفتح شبكة واسعة من الدلالات التي تتداخل فيها الذاكرة والتاريخ والهوية. الظل هنا هو الماضي الذي يرفض أن يختفي، وهو ما يتبقى بعد انقضاء الأحداث، وهو تلك المساحات العميقة التي تعجز السرديات الرسمية عن محوها.

لكل شخصية في الرواية ظلها الخاص؛ ظل من الخوف، أو الحب، أو الهزيمة، أو الذنب. والمجتمعات كذلك تملك ظلالًا جماعية؛ إذ لا تختفي آثار التحولات الكبرى بانتهاء وقائعها، بل تستمر في تشكيل وعي الناس وتوجيه خياراتهم.

الفكرة الفلسفية التي تشغلني هي أن التاريخ لا يعيش في الكتب، وإنما يعيش في البشر؛ في ذاكرتهم وانكساراتهم وطريقتهم في تأويل ما مر بهم. الرواية هنا لا تعيد كتابة التاريخ، بل تسائل الكيفية التي يُكتب بها التاريخ أصلًا، ومن يملك سلطة صياغته.

بناء المعمار الروائي يتطلب نفسًا طويلًا وموازنة دقيقة بين تعدد الشخوص وتصاعد الأحداث؛ كيف أدرت شخوص روايتك، هل هناك شخصية تمردت على خطتك المسبقة وتحكمت في مسار القلم؟

أتعامل مع الشخصيات الروائية بوصفها كائنات مستقلة تمتلك منطقها الداخلي، لا مجرد أدوات لتحريك فكرة مسبقة. لذلك، أرسم لكل شخصية تاريخها وخلفيتها الاجتماعية والنفسية الدقيقة قبل البدء، حتى وإن لم يظهر كل ذلك في النص.

في “أثر الظل”، لم تكن البطولة لشخص واحد، بل كانت البطولة للوعي الإنساني وهو يتغير تحت ضغط الزمن، وهكذا جاءت الشخصيات متجاورة ومتقاطعة. ومع ذلك، أستطيع القول إن شخصية “نديم صفوان” كانت الأكثر استقلالًا وتمردًا على تصوري الأول؛ فقد كان من المفترض أن يكون مجرد شاهد على التحولات، لكنه أخذ ينمو تدريجيًا حتى أصبح “ضمير الرواية” والعدسة التي تُرى من خلالها بقية الشخوص.

أما الشخصيات الأخرى مثل (رأفت الجوهري، وسناء ذو الفقار، ونادية محسن، وصلاح عطا، وفريدة جاد، وليلى)، فقد كانت تمثيلات إنسانية لشرائح اجتماعية ولحظات تاريخية مختلفة تتشابك لتصنع حركة المجتمع ككل.

ذاكرة الورق

إذا طلبنا منك اختيار اقتباس من العمل يكون الأقرب إلى قلبك، فماذا تختار؟

العبارة الأقرب إلى نفسي هي: “النُّصوص تُمحى، لكنَّ آثارها تبقى في ذاكرة الورق… والورق لا يُحاسِب أحدًا، لكنَّه لا ينسى”. إن ارتباطي بهذه العبارة ينبع من كونها تلخص فلسفة الرواية والبحث معًا؛ فالصراع في العمل ليس صراعًا على الوقائع بقدر ما هو صراع على الذاكرة، وعلى من يملك حق رواية الحدث وتأويله؛ لأن السيطرة على السرد لا تقل أثرًا عن السيطرة على الحدث نفسه.

يشهد المشهد الثقافي العربي غزارة إنتاجية هائلة في فن الرواية؛ كيف ترى غربلة هذا الزخم، هل تنجح الجوائز الكبرى في إعادة توجيه بوصلة القارئ نحو النصوص الجادة؟

الغزارة في حد ذاتها ليست مشكلة، بل هي مؤشر على حيوية المشهد الثقافي. لكن كثرة الإصدارات لا تعني بالضرورة وفرة الأعمال ذات القيمة الفنية والمعرفية الباقية. الأزمة تبدأ حين يصبح منطق السوق والاستهلاك السريع هو الذي يوجّه الكتابة، بينما الرواية في جوهرها فعل معرفي طويل الأثر.

أما الجوائز الأدبية، فهي تؤدي دورًا ممتازًا في تسليط الضوء على أعمال جادة قد تظلمها آليات النشر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع القيمة الأدبية للنص، أو تمنحه عمرًا أطول من قيمته الحقيقية. التاريخ الأدبي يعلّمنا دائمًا أن الحكم النهائي ليس للجوائز، بل للزمن؛ فهو الناقد الأكثر عدالة، والنصوص الحقيقية هي التي تصمد أمام تعاقب الأجيال وتغير الأذواق.

الإنسان والتاريخ

الفوز بالمركز الأول يضع الروائي دائمًا في تحدٍّ مع عمله القادم؛ هل بدأت ملامح مشروع روائي جديد تتشكل في الأفق؟

بعد “أثر الظل” احتجت إلى مسافة قصيرة لاستعادة الهدوء، لكن الأفكار لم تتوقف؛ فالكاتب قد يتوقف عن الكتابة بالورقة والقلم، لكنه لا يتوقف عن التفكير، والتأمل، والبحث، وقراءة الناس والوثائق.. هناك بالفعل مشروع روائي جديد بدأت ملامحه الأولى تتكوّن في ذهني، وهو حاليًا في مرحلة البحث وتأصيل المادة العلمية والتاريخية. لا أحب التعجل في الإعلان عنه حتى تكتمل رؤيته الداخلية، لكن ما أستطيع تأكيده هو أنني سأظل وفيًا للمشروع الذي اخترته: مشروع يرى في الرواية فضاءً للمعرفة بقدر ما هي فضاء للإمتاع، وينطلق من التاريخ ليكشف الإنسان وهو يصنع التاريخ ويخضع له ويُقاومه ويُحاول أن يفهم مكانه في ظلاله الممتدة.

اقرأ أيضًا:

شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية

الشاعرة ياسمين صلاح: هذا “أول ما رآه الطين”

الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية

جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن

علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21214

موضوعات ذات صلة

بين مضخات البنزين وأمواج “الجيوسياسة”.. من يدفع الثمن؟

أيمن مصطفى

الكنيسة الإنجيلية تجمع بين التسامح الديني والسياسة

حازم رفعت

مصر تكرم أبطالها

أيمن مصطفى

القاهرة للكتاب ينعش كلاسيكيات الإبداع.. وفلسطين في القلب

المحرر

عادل إمام حاضر في دراما 2026 رغم الغياب

مي صلاح

العلم يكشف زاوية جديدة في أزمة سد النهضة

نجوى سليم