
لم يكن الفن بالنسبة لها مسارًا أكاديميًا مخططًا له، وهي القادمة من خلفية علمية وعملية صارمة، الفنانة الحاصلة على ماجستير في نظم المعلومات التطبيقية، والتربوية التي أمضت سنوات طويلة في إدارة التعليم المدرسي. دخل الإبداع إلى حياتها كارتطام مفاجئ بالذات من تفاصيل تجربتها الإنسانية مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة؛ هناك حيث انفتحت أمامها بوابة التعبير بالريشة والكلمة معًا، لتبدأ مسيرتها الفنية من نقطة وعي مغايرة.
في تجربتها، لا تقف عند حدود المحاكاة أو رصد بيئتها المحلية برومانسية تقليدية، بل تتعامل مع اللوحة ككائن حركي ومساحة للاشعور؛ تمزج فيها بين الرمزية، والتجريد، والتعبيرية السريالية. في هذا الحوار، تناقش “صوت البلد” مع التشكيلية والشاعرة نجلاء رسول فلسفتها الخاصة حول نخبوية الفن، والحدود الفاصلة بين الكلمة واللون، وتأثرها بالمدارس الفنية المختلفة بين المشرق والمغرب العربي، بعيدًا عن الجغرافيا وضمن أبعاد الروح والصدق الفني الخالص.
المتأمل لأعمالك يرى ملامح تعبيرية وسريالية واضحة، حيث تعيدين تشكيل الواقع برؤية ذاتية تفيض بالرموز. هل تصنفين نفسكِ ضمن مدرسة فنية معينة، أم تفضلين التمرد والدمج بين التجريد والتعبيرية لإنتاج لغتكِ البصرية الخاصة؟
في البداية، أود الإشارة إلى أنني فنانة تشكيلية لم تدرس الفن أكاديميًا؛ بل اكتشفتُ عوالمي الفنية والشعرية بمحض الصدفة. أثناء تدريسي لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان وقع هذا الاكتشاف عليّ مهيبًا كجبل ينهار ليعيد تشكيل ذاته.
حين أرسم، أنغمس في حالة من اللاشعور وأحلام اليقظة، وألج عالمًا مفعمًا بالبهجة والتحليق، وإن كانت هذه البهجة لا تنعكس بالضرورة على رموز لوحاتي؛ إذ غالبًا ما يتسرب إليها وجع الفقد، والحزن، والضياع. وقد توجتُ تلك المرحلة الإنسانية الصعبة من حياتي بمعرضي الشخصي الأول “غواية” بجمعية الثقافة والفنون بجدة عام 2017م.
أرى لوحاتي كائنات حركية، تمزج بحرية بين التعبيرية، والتجريد، والرمزية. ولولا تعقيد عوالمي الفكرية الداخلية، لما تنوعت أدواتي وتعددت مساراتي الفنية في اللوحة الواحدة.
المشرق والمغرب
يُعرف عن المدرسة المغربية في الفن التشكيلي استخدامها الصاخب للألوان والضوء الطبيعي، بينما يتسم الفن في الخليج بالرمزية والارتباط بالبيئة والصحراء. كيف تلاقت هذه المذاهب البصرية في مرسمكِ؟
بالنسبة للفن السعودي، يغلب على معظمه الطابع التجريدي أو الواقعي، وقليل منه يذهب نحو السريالية. لقد تأثرت اللوحة السعودية بالصحراء والتراث بأساليب مختلفة؛ فمنهم من اتجه للتجريد المستوحى من نقوش الكهوف والجبال كالفنان عبد الله إدريس، ومنهم من أغرق في الواقعية البحتة، بجانب أسماء أخرى حلقت في فضاء التجريد الخالص كالفنان طولا.
أما الفن المغربي، فرغم أنني لم أحضر سوى لقاءات فنية قليلة لا تكفي لتقديم قراءة نقدية متكاملة، إلا أن الاطلاع على الأدبيات الفنية يوضح أن التشكيليين المغاربة قطعوا أشواطًا واسعة في مواكبة المدارس العالمية، بل وأسسوا لاتجاهات مغربية خالصة وصلت للعالمية، كالفنان الراحل عبد الرحيم عقبي والشعيبية طلال.
أنا أتابع هذه التجربة المغربية بشغف، لكنني جئت إليها بكامل هويتي السعودية المحملة برؤية فنية تتجاوز الجغرافيا والحدود الأرضية. إنني أرسم من بُعدٍ آخر؛ أرى التكوينات والجمادات تتحدث إليّ، فألتقطها من تفاصيل الحياة اليومية، وأستلهم مواضيعي من صور بصرية تثير دهشتي، لأعيد خلق عوالمي الخاصة داخلها.
تمرد دالي
في تاريخ الفن، نجد مدرسة الحروفية التي تدمج الحرف العربي بالتشكيل. بصفتكِ شاعرة؛ هل يغويكِ الحرف ليدخل مساحتكِ اللونية كعنصر بصري، أم تفضلين بقاء الرسم نقيًا من الحبر والكتابة نقية من الألوان؟
اللوحات الحروفية تمتلك جمالية خاصة بلا شك، لكنها لا تستهويني كخيار تعبيري. فحين أمسك فرشاتي، تنفتح أمامي نوافذ بصرية لا مكان فيها للكلمات أو الحروف. أفضّل رصد المشهد اللوني بتجرده، وتاركةً الكلمات لتجد مجراها الطبيعي في قصائدي.
لكل فنان آباء روحيون في الفن تركوا بصمتهم على وعيه البصري. من هم الملهمون الأوائل لنجلاء رسول في الساحة التشكيلية العالمية؟
أنا عاشقة حد التصوف للوحات الفنان السريالي العبقري سلفادور دالي. لقد أثرت تجربته الفكرية المتمردة في وعيي بقوة، وإن كنتُ أترجم هذا التأثير على مستوى مختلف وخاص بي في التعبير الفني.
أعمدة الخلق
هل حدث ذات مرة أن رسمتِ لوحة كاملة كانت وليدة بيت شعر استوقفكِ، سواء كان لكِ أو لشاعر آخر؟
في الحقيقة، العمليتان متداخلتان لدي؛ فحين أرسم أشعر كأنني أكتب باللون، وحين أكتب أرى الكلمات كصور حركية تنساب داخل القصيدة. لقد رسمت البحر بطريقتي وتصوري الخاص، وكتبت ذات يوم: “ربما ثُقِبَ.. بحرٌ وغرق المكان…” لأنني عشت هذا الشعور الطاغي بالاتساع والعمق لفترة طويلة جدًا.

جزء من أعمال نجلاء رسول
ما أقرب لوحاتكِ إلى قلبكِ؟
لوحة “أعمدة الخلق”. أعشق فيها سطوع اللونين الأصفر والأحمر؛ وهي لوحة تمثلني شخصيًا بشكل عميق، لأنها تلخص حكايتي في النهوض من القاع والتحليق، دون توجيه مسبق أو تأثير من أحد.
النخبوية والنسوية
يواجه الفن التشكيلي العربي اليوم تحديًا بين النخبوية والوصول إلى الجمهور البسيط. كيف ترين دور اللوحة في مجتمعاتنا الحالية؟
الإبداع الحقيقي في جوهره موجه للنخبة، والفن على وجه الخصوص هو فن نخبوي بدرجة كبيرة، تمامًا كالشعر الحديث. قد لا يروق هذا الرأي للأغلبية، لكنها آراء فنية.
الفن في مجتمعاتنا العربية ما زال محكومًا في بعض جوانبه بتصورات لاهوتية قيدت تطوره. ورغم ذلك، استطاع فنانون في دول عربية عدة تجاوز هذه العقبة والانخراط في الحراك العالمي، وتظل تجربة الفنانة المغربية الشعيبية طلال خير مثال على ذلك، حيث تحولت تجربتها إلى مدرسة عالمية رائدة.
أخيرًا، لستُ مع فكرة فرض رسالة مباشرة على اللوحة؛ فالفن في نهاية المطاف هو صرخة داخلية حرة. قد تتقاطع هذه الصرخة اللونية مع سياق ثقافي أو مجتمعي سائد فيمنحها أبعادًا وتفسيرات أخرى، وقد تظل ذاتية تمامًا ومنغلقة على مشاعر صاحبها. الأهم دائمًا هو أن تستجيب اللوحة للشرط الإبداعي والجمالي الأول.
هل تؤمنين بوجود الفن النسوي ذي الحساسية البصرية المختلفة عن فن الرجل؟
في فضاء الفن المطلق، الإبداع لا جندر له ولا علاقة له باختلاف الأجناس؛ هذا هو الأصل والمفترض. لكننا لا يمكن أن نغفل الصراع الأزلي بين الرجل والمرأة، وثقله الكبير في المجتمعات الشرقية التي غالبًا ما تقع فيها المرأة ضحية لهذا الصراع. بالتالي، فإن هذا النزوع نحو تصنيف الإبداع جندريًا كفن نسوي يحمل جانبًا من الحقيقة والواقعية شئنا ذلك أم أبينا، لأنه يعكس خصوصية المعاناة والتجربة الإنسانية للمرأة.
اقرأ أيضًا:
غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب
شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع
مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب
نورين أحمد: هكذا صدرنا خفة الدم المصرية إلى العالم
أحمد عادل: قبل “الست” صنع زكريا أحمد مجدًا مسرحيًا
