لم يعد البحث في الظواهر الإعلامية مهمة سهلة؛ فالمشهد الإعلامي يتغير بسرعة، وتتداخل فيه التكنولوجيا مع التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتظهر باستمرار ظواهر جديدة يصعب فهمها بالمناهج والأساليب التقليدية. ومع ذلك، تظل هناك أسس ومفاهيم ومناهج تحكم عملية البحث العلمي. وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبرز تساؤلات مهمة حول البحث الإعلامي: ما الذي يجعل بعض البحوث تنجح بينما لا تحقق بحوث أخرى النتائج المرجوة؟ وهل يرتبط ذلك بطريقة اختيار الموضوع وصياغة المشكلة والأسئلة؟ وما دور المفاهيم والنظريات في بناء البحث؟ وكيف يمكن اختيار المنهج والإجراءات التي تساعد الباحث على الوصول إلى نتائج أكثر دقة وقيمة؟
من هنا، ينطلق د. عادل فهمي في سلسلته الصادرة حديثًا عن وكالة الصحافة العربية، بالقاهرة، والتي تتكون من ثلاثة أجزاء، الكتاب الأول: “الأطر المفاهيمية والنظرية للبحث الإعلامي”، الكتاب الثاني: “الأطر المنهجية لبحوث الإعلام: منهجية البحث الكيفي”، والكتاب الثالث: “الأطر الإجرائية للبحث الإعلامي”، والتي تُعد، وفقًا لمقدمة الكاتب، محصلةً لسنوات طويلة من تدريس مناهج البحث والتدريب على الكتابة العلمية، إلى جانب خبرة مباشرة مع الباحثين وما يواجهونه من صعوبات في فهم المناهج، وتعارض بعض المؤلفات، وغموض المفاهيم، وعدم وضوح الإجراءات الميدانية.
يبدأ الكتاب الأول باستعراض رحلة تطور البحوث الإعلامية وعلاقتها بتطور وسائل الإعلام والمجتمع؛ فكلما ظهرت تحولات جديدة، فرضت واقعًا جديدًا على الباحثين، ودفعتهم إلى تطوير أسئلتهم وأدواتهم. فقد ارتبط الاهتمام المبكر ببحوث الإعلام بدراسة الدعاية وتأثير الرسائل في الجمهور، ثم توسعت مجالات البحث مع نمو صناعة الإعلان والحاجة إلى فهم الجمهور وطرق الوصول إليه والتأثير فيه. ومع تصاعد الاهتمام بتأثير وسائل الإعلام، خاصة فيما يتعلق بالأطفال والعنف والمحتوى الإعلامي، اتجهت البحوث إلى دراسة التأثيرات المختلفة لوسائل الإعلام. ومع زيادة المنافسة وتعقد صناعة الإعلام، أصبحت البيانات والأبحاث عنصرًا أساسيًا في اتخاذ القرارات وفهم أنماط الجمهور المتغيرة.
الظواهر الإعلامية وتفسيرها
في هذا الكتاب، يضع المؤلف الباحثَ أمام الأساس الذي يقوم عليه البحث العلمي، فيتناول مفهوم العلم وتحديد مفاهيمه، ثم ينتقل إلى المداخل المعرفية لبحوث الإعلام والمداخل النظرية للدراسات الإعلامية، موضحًا كيف تؤثر الخلفية المعرفية التي ينطلق منها الباحث في طريقة نظره إلى الظواهر الإعلامية وتفسيرها. كما يتوقف عند المدارس العلمية في دراسات الاتصال، ودورها في بناء الواقع الاجتماعي، وعلاقة الخطاب الإعلامي بتشكيل هذا الواقع.
ولا يكتفي بعرض هذه المدارس، بل ينتقل إلى بناء النظرية العلمية واختبارها، مستعرضًا مجموعة من أبرز النظريات في دراسات الإعلام، مثل فجوة المعرفة، وبناء الأجندة، وحارس البوابة، والاعتماد على وسائل الإعلام، وثراء الوسيلة، والحتمية التكنولوجية، والتماس المعلومات، والاستخدامات والإشباعات، والمشاركة الديمقراطية، ونظرية الأطر، مقدمًا هذه النظريات في إطار يربط بين مفاهيمها ومناهجها، بما يساعد الباحث على فهم كيفية توظيفها في دراسة الظواهر الإعلامية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد معلومات نظرية منفصلة عن الممارسة البحثية.
أما الكتاب الثاني، فيدور حول الجانب المنهجي من عملية البحث؛ حيث يبدأ بالتعريف بالبحث الكيفي وأهميته وخصائصه ووظائفه، موضحًا ما يتيحه هذا النوع من البحث من قدرة على فهم الظواهر الإعلامية في سياقاتها المختلفة، والتعمق في تجارب الأفراد وتفسيراتهم ومعانيهم. ولا يضع الكتاب المنهج الكيفي في منافسة مع المنهج الكمي، بل يناقش إمكانات التكامل بينهما من خلال المنهج المختلط، بما يسمح للباحث بالاستفادة من نقاط القوة، وتجنب نقاط الضعف.
ثم ينتقل إلى الجانب التطبيقي، من خلال تناول تصميم البحث الكيفي وطرقه المختلفة، قبل الانتقال إلى تحليل بيانات البحث الكيفي وكيفية التعامل معها واستخلاص الدلالات منها. مستشهدًا بأمثلة على دراسات الحالة، من بينها دراسة مقارنة لممارسات غرف الأخبار في عدد من المحطات الإذاعية الدولية، اعتمد فيها الباحث على المقابلات والملاحظة والوثائق.
ممارسات البيئة الاعلامية
وأخيرًا، يأتي الكتاب الثالث ليستكمل هذه الرحلة، وينتقل بالبحث من الأطر المفاهيمية والنظرية والمنهجية إلى الممارسة. فيتناول الجانب التطبيقي للبحث، ويبدأ بالمهارات الأساسية التي يحتاج إليها الباحث، موضحًا كيفية إعداد خطة البحث العلمي وبناء المقاييس والفصل المعرفي. ثم ينتقل إلى طرق البحث، فيستعرض أدوات جمع البيانات في البحوث الكمية، وطرق البحث الكيفية، إلى جانب البحوث البينية التي تتيح الاستفادة من أكثر من مجال معرفي في دراسة الظواهر المعقدة.
كما يستكشف البيئة الإعلامية الرقمية، من خلال عرض إجراءات تحليل المواقع والمنصات الرقمية. ويقدم في هذا السياق مجموعة من المعايير التي تساعد الباحث على تقييم المواقع من جوانب مختلفة، تشمل التصميم وسهولة الاستخدام، والروابط والتنقل، وتاريخ المعلومات وتحديثها، وتوافق الموقع مع المتصفحات، إلى جانب جودة الرسوم والصوت والفيديو والوسائط المتعددة، وفاعلية أدوات البحث والوصول إلى المحتوى.
تجدر الإشارة إلى أن الأجزاء الثلاثة تضم قوائم للمصطلحات، تجمع بين المصطلحات البحثية باللغة الإنجليزية وترجماتها العربية، وتمتد عبر موضوعات السلسلة المختلفة؛ من المفاهيم والمداخل والنظريات، إلى المناهج وتصميمات البحث وطرقه، والبحوث الكمية والكيفية، والمتغيرات والعينات وأدوات جمع البيانات، وصولًا إلى مفاهيم الصدق والثبات وأساليب التحليل. كما تشمل مصطلحات أكثر تخصصًا، مثل تحليل المسار، والتحليل التتابعي، وتحليل المضمون، ومجموعات النقاش المركزة، والبحوث المقارنة والتاريخية، بما يجعلها إضافة عملية للباحث تساعده على ضبط المصطلحات وفهم استخدامها في مراحل البحث المختلفة.
