ثقافة وأدبسليدر

إحياء الذاكرة محور مجلة “المسرح”

غلاف العدد الجديد من مجلة “المسرح”

تشكل المجلات الثقافية المتخصصة رئة حقيقية تتنفس منها الحركة الإبداعية، وفي هذا السياق يمثل صدور العدد الجديد من مجلة “المسرح” حدثاً بارزاً في المشهد الثقافي العربي، حيث يأتي هذا العدد حاملاً بين طياته تدفقاً نقدياً وتوثيقياً غزيراً، يجمع بين مواكبة الفعاليات الكبرى والقراءات التحليلية المعمقة، متجاوزاً صيغة الرصد الإخباري العابر إلى تقديم قراءات فكرية متأنية تسعى لتفكيك الظواهر الفنية وإعادة قراءتها، وهو ما يتجلى بوضوح في الملفات المتنوعة التي تصدرت صفحات العدد، لاسيما تلك المتعلقة بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وتأثيره المستمر في تشكيل وعي المسرحيين الفكري والجمالي.

يستمد العدد الجديد قيمته الرصينة من التنوع البصري والفكري الذي يفرضه كتاب ونقاد ينتمون لمدارس نقدية وأكاديمية مختلفة، مما يمنح القارئ إطلالة بانورامية على حركة المسرح المعاصر؛ فلا تقتصر الأهمية هنا على استعراض العروض، بل تمتد إلى محاولة فهم الجغرافيا الفكرية التي تتحرك فيها الخشبة العربية والعالمية، ومدى قدرة المسرح على مواكبة التحولات المجتمعية والسياسية الراهنة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية والتراث الثقافي الذي يغذي التجارب الطليعية والتقليدية على حد سواء.

ظواهر تجريبية

تصدر ملف مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي واجهة القراءات التحليلية في العدد، حيث افتتحت د. أمينة سالم النقاش ببحث معمق تناول الانتقال بالمسرح التجريبي من جغرافيا الخشبة إلى جغرافيا المعنى، مستعرضة كيف تتحول الأبعاد المادية للمسرح إلى دلالات فكرية وفلسفية. وفي السياق ذاته، ركز محمد السيد على رصد الحضور العربي في هذه الدورة، مبيناً طبيعة المشاركات وموقعها من الخريطة التجريبية العالمية، بينما التفتت نور الهدى عبد المنعم إلى دراسة اللغة المسرحية وتطورها الأدائي والتقني.

من زاوية أخرى، قدم حسن عبد الهادي قراءة نقدية شاملة ركزت على أربعة عروض عربية، واصفاً إياها بأنها محاولات جادة تبحث عن صياغة لغة عربية معاصرة قادرة على محاكاة الواقع الراهن بأدوات تجريبية حديثة، إذ إن هذا الربط بين التجريب والهوية يعكس الرغبة المتنامية لدى المبدع العربي في تطويع الأشكال الغربية لخدمة المضامين المحلية، مما يجعل من الملف التجريبي مادة مرجعية للباحثين وصناع العرض المسرحي في الوطن العربي.

متابعات نقدية

تضمن باب المتابعات النقدية حزمة من القراءات التحليلية لعروض مسرحية متنوعة أثبتت حضورها في العاصمة المصرية، برز من بينها العرض المسرحي الذي قدم في القاهرة باللهجة الفلسطينية، حيث وثق صموئيل نبيل تفاصيل هذا العمل الذي تناول قصة حقيقية لصحفي فلسطيني هاجر إلى مصر، حاملاً في جعبته الذاكرة والهوية، ليروي تفاصيل ذكرياته القاسية أثناء الحرب، وهو ما منح العرض بعداً إنسانياً ووجدانياً عميقاً تفاعل معه الجمهور والنقاد.

على صعيد متصل، قدمت د. وفاء كمالو دراسة تحليلية لمسرحية “الساحل الشرير”، متتبعة الأبعاد الجمالية والدرامية للعمل، في حين تناولت روفيدة خليفة بالتحليل مسرحية “فريداي”. ولم تغب العروض المونودرامية والسير الذاتية عن القراءات، حيث خصص د. محمود كحيلة مقالاً نقدياً لمسرحية “أرتيست”، وشاركت منار خالد بقراءة وافية لمسرحية “لحظة واحدة”، مما وفر للقارئ دليلاً نقدياً متكاملاً لأبرز ما قدمته الخشبة من أفكار ورؤى إخراجية حديثة.

تاريخ وتوثيق

احتل محور التوثيق وإحياء الذاكرة المسرحية مساحة هامة في صفحات العدد، وتزامن ذلك مع الذكرى الأولى لرحيل القامة المسرحية الكبيرة الدكتور عمرو دوارة. وفي هذا الإطار، حرص أحمد محمد الشريف على توثيق مسيرة الراحل كمخرج مسرحي وأكاديمي ترك بصمة واضحة، بينما أفرد محمود قنديل مقالاً موسعاً استعرض فيه الدور الريادي والدؤوب الذي لعبه الراحل الكبير في الحفاظ على ذاكرة المسرح المصري والعربي من التشتت والضياع من خلال موسوعاته وجهوده البحثية.

 

امتدت السير التوثيقية لتشمل د. هاني مطاوع، حيث كتب عنه حمدي أبو العلا مبرزاً صفاته كمبدع ومثقف وأستاذ أكاديمي تتلمذت على يديه أجيال، فيما أضاء صلاح البيلي على مسرحيات أحمد باكثير القصيرة التي تحتاج لإعادة اكتشاف. ولم يقتصر التوثيق على العاصمة، بل امتد للأقاليم حيث قدم أحمد الصعيدي شهادة حية وموثقة عن واقع المسرح في محافظة المنوفية، سارداً علاقته بالخشبة في إحدى قرى المحافظة منذ نهاية الستينيات، وتكامل هذا المحور التوثيقي مع الحوار الذي أجراه أحمد اللاوندي مع الكاتب ميسرة صلاح الدين.

أبعاد فكرية

اختتمت المجلة أبوابها بالتركيز على النظريات الفكرية والترجمات العالمية التي تشكل الوعي النقدي للمسرحيين، حيث تناول د. كمال يونس نظرية فهم وتأويل النصوص، وربطتها أميرة عز الدين ببحث يتتبع تحولات المسرح من الطقوس المصرية القديمة وصولاً إلى الجدل الإغريقي، فيما حلل د. محمد سمير الخطيب التكوين السوسيوثقافي لجمهور المسرح، وكتبت منال الشرقاوي عن العروض التي لا تموت وتعيش في ذاكرة مشاهديها، وقدم د. حيدر علي الأسدي قراءة نقدية في مسرحيات الأطفال التي كتبها السيد حافظ، وحللت د. رواء محمد خالد تعدد الراديكاليات في مسرحية “ثورة الزنج” لمعين بسيسو.

في مجال الترجمة ومتابعة الحركات العالمية، قدمت علا عادل إسماعيل ترجمة هامة عن المسرح الإسباني والثقافة العالمية، بينما نقل عبد السلام إبراهيم إلى العربية رؤية الأديب أوسكار وايلدر لفن المسرح. واختتم العدد بسلسلتين توثيقيتين ممتدتين؛ حيث نشر ناصر العزبي الحلقة الرابعة والأخيرة من سلسلته “مصر القديمة والمسرح”، في حين واصل د. سيد علي إسماعيل جهوده التوثيقية الاستثنائية لرحلة الرائد زكي طليمات في الخليج، لينشر الحلقة الثالثة تحت عنوان “أيام زكي طليمات في الكويت”، ليقفل العدد صفحاته على وجبة فكرية وتاريخية دسمة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26819

موضوعات ذات صلة

الأزهر يرسخ تخريج أطباء يجمعون العلم والإنسانية

محمود على

الإسكندرية: حملات مكبرة لإزالة مخالفات البناء

أيمن مصطفى

محمد كيلاني «يفك النحس» ويعود للغناء

أحمد عاشور

مصر وأبطال التحدي.. قصة تمكين

أيمن مصطفى

القومي للسلامة والصحة المهنية يفتح باب الدبلوم والماجستير

صفاء الشاطر

مقترح باكستاني لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن

محمود كرم