سليدرشؤون سياسية

 السودان على حافة الانهيار .. هل تنقذ الدبلوماسية الدولة ؟

تتجاوز الحرب السودانية حدود المواجهه بين قوات الدعم السريع والجيش لتضع مستقبل الدولة أمام اختبار بالغ الخطورة، في معركة لم تعد تداعياتها محصورة في ميادين القتال، وإنما امتدت إلى وحدة المؤسسات، ومصير ملايين المدنيين، وأمن الحدود، وحسابات القوى الإقليمية والدولية. وبينما تتواصل محاولات احتواء الصراع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل تنجح الجهود السياسية في إنقاذ السودان من دوامة الحرب، أم تفرض المصالح المتعارضة واقعا يهدد تفكك الدولة ويترك المنطقة أمام أزمة مفتوحة يصعب احتواء نتائجها؟

لا تكمن خطورة المشهد في طول أمد القتال وحده، بل في تآكل مقومات الدولة تحت ضغط المواجهات المسلحة، واتساع الفجوة بين الحل العسكري والتسوية السياسية، وتزايد الأعباء الإنسانية والاقتصادية. فكل يوم تستمر فيه الحرب يضيف تعقيدا جديدا إلى حسابات السلام، ويجعل استعادة الاستقرار أكثر كلفة، في بلد يمتلك من الإمكانات الجغرافية والاقتصادية والبشرية ما يؤهله للقيام بدور محوري في محيطه الإفريقي والعربي، لكنه يدفع ثمن صراع يهدد حاضر شعبه ومستقبله.

ازمة طويلة الامد

لم تنفجر الأزمة السودانية من فراغ وانما جاءت نتيجة تراكمات أمنية وسياسية رافقت المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير عام 2019، حين تعقدت الخلافات حول إدارة المرحلة الانتقالية، وطبيعة العلاقة بين المكونين العسكرى المدني، ومستقبل المؤسسات الأمنية، وشكل السلطة التي ينبغي أن تقود البلاد نحو الاستقرار.

ومع تعثر التوافق . تصاعدت الخلافات بشأن دمج قوات الدعم السريع فى القوات المسلحة ، وترتيبات القيادة والسيطرة، والجدول الزمني لإعادة هيكلة القطاع الأمني، حتى اندلعت المواجهات في أبريل 2023، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأزمة مجرد خلاف على ترتيبات الحكم، بل أصبحت مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتتسع معها المخاطر التي تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها.

وتكشف هذه الخلفية أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على وقف مؤقت للقتال، ثم ترك الأسباب التي قادت إليه من دون معالجة. فغياب التوافق على قواعد الحكم، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف الثقة بين الأطراف، كلها عوامل تجعل أي اتفاق هشا إذا لم يرتبط بتسوية سياسية واضحة، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وضمانات تمنع العودة إلى المواجهة.

حسابات الأمن

يمنح الموقع الجغرافى للسودان الأزمة أبعادا تتجاوز حدودة ، فهو يربط شمال القارة الإفريقية بعمقها الإفريقي، ويطل على البحر الأحمر، ويتصل بدول جوار تتأثر مباشرة بما يجري داخله. ولذلك فإن استمرار الحرب لا يقتصر أثره على الداخل السوداني، وإنما ينعكس على أمن الحدود، وحركة السكان، وممرات التجارة، و توازنات المنطقة.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تصاعد أهمية البحر الأحمر في حركة التجارة العالمية، وارتباطه بأمن الطاقة والممرات البحرية، فضلا عن التنافس على الموارد الطبيعية ومناطق النفوذ. وفي ظل هذه الحسابات، يصبح السودان ساحة تتقاطع عندها مصالح متعددة، الأمر الذي يفرض ضرورة الفصل بين جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب وأي حسابات خارجية قد تسهم في إطالة أمدها.

ومن منظور الأمن الإقليمي، فإن أخطر السيناريوهات لا يرتبط فقط باستمرار المواجهات، بل باحتمال تحول الانقسام العسكري إلى انقسام مؤسسي وجغرافيا طويل الأمد، بما يفتح الباب أمام تعدد مراكز القرار، ويضعف قدرة الدولة على حماية حدودها وإدارة مواردها، ويخلق بيئة أكثر قابلية لانتشار التهريب والجريمة المنظمة والتدخلات الخارجية.

الرؤية الأمنية

تفرض طبيعة الصراع ضرورة قراءة المشهد من زاوية تتجاوز متابعة التحركات العسكرية، إلى فهم أثر تعدد القوى المسلحة في تماسك الدولة، ومدى قدرة المؤسسات النظامية على استعادة دورها، والمخاطر المترتبة على استمرار وجود مراكز قوة متنافسة خارج إطار سلطة وطنية موحدة.

وفي هذا السياق، تمثل الخبرة الأمنية للواء شبل عبد الجواد، رئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنظمة العربية ورئيس الشرطة العسكرية سابقا، إحدى الزوايا المهمة التي ينبغي أن يتناولها التحقيق عند بحث مخاطر امتداد الصراع، وتأثيره في أمن الحدود، وإمكانات منع تحول الأراضي السودانية إلى بؤرة لتهديدات عابرة للحدود. كما تبرز أهمية تناول رؤية العقيد هاني الحلبي، الخبير الأمني، بشأن التحديات الأمنية المرتبطة باستمرار الحرب ومتطلبات استعادة الاستقرار.

غير أن التقدير الأمني لا يكتمل بمجرد حسم المواجهات الميدانية، إذ يتطلب بناء منظومة مؤسسية تمنع تجدد الصراع، وتضمن خضوع السلاح لسلطة الدولة، وتعيد تنظيم القطاع الأمني وفق قواعد واضحة. بالتسوية التي تترك أسباب تعدد القوى المسلحة قائمة قد توقف القتال لفترة، لكنها لا توفر بالضرورة الضمانات الكافية لمنع اندلاعه مجددا.

الدور المصري

تحتل الأزمة السودانية مكانة خاصة في حسابات الأمن القومي المصري، انطلاقا من الجوار الجغرافي والروابط التاريخية والاجتماعية، فضلا عن المصالح المشتركة المرتبطة بأمن الحدود، واستقرار البحر الأحمر، وقضايا المياه، والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه.

وقد أكد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية، في تصريحات منشورة، أن العلاقات المصرية السودانية تستند إلى روابط الجغرافيا والثقافة ونهر النيل، إلى جانب أهمية التعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن. كما شدد على أن استقرار السودان يمثل مصلحة مشتركة، وأن الحرب أفرزت أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية متشابكة.

وتبرز أهمية هذه الرؤية في أن استقرار السودان لا ينفصل عن استقرار محيطه، وأن استمرار الحرب يضاعف الضغوط الإنسانية والأمنية على دول الجوار. ومن هنا، تظل الأولوية أمام التحرك المصري هي دعم الجهود الرامية إلى وقف القتال، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، وتوفير الظروف اللازمة لتسوية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم، بعيدًا عن فرض الحلول من الخارج.

ولا تقتصر المصالح المصرية على الاعتبارات الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى مستقبل التعاون الاقتصادي والتجاري، وإعادة الإعمار، واستعادة حركة الاستثمار، وتهيئة الظروف التي تسمح للسودان باستعادة قدرته على الإنتاج والتنمية. فكلما اقتربت التسوية من معالجة جذور الأزمة، زادت فرص بناء علاقة إقليمية أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

اختبار الوساطة

تعددت المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى احتواء الأزمة، لكن التحدي الحقيقي ظل في تحويل التحركات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض. في نجاح الوساطة لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة، وإنما بقدرتها على انتزاع التزامات واضحة من الأطراف، ووقف العمليات القتالية، وتأمين وصول المساعدات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية قابلة للاستمرار.

وفي سبتمبر 2025، طرحت مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات مقترحا لخارطة طريق تضمنت هدنة إنسانية، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي انتقالي. وقد عكست هذه المبادرة إدراكا دولياً وإقليمياً لخطورة استمرار الحرب، لكنها أبرزت في الوقت نفسه حجم الصعوبات المرتبطة بتأمين موافقة الأطراف المتحاربة وضمان التزامها بأي تفاهمات يتم التوصل إليها.

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تنسيق أكثر فاعلية بين المبادرات المختلفة، بما يمنع تضارب المسارات أو استغلال الخلافات بين الوسطاء لإطالة أمد الصراع. كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية آليات واضحة لمراقبة التنفيذ، وترتيبات لحماية المدنيين، وضمانات تمنع استخدام الهدن  لإعادة ترتيب القدرات العسكرية تمهيدا لجولات جديدة من القتال.

السلام المستدام

يمثل وقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة. فالتجربة السودانية تؤكد أن السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة سياسية شاملة، تعيد بناء الثقة بين القوى الوطنية، وتحدد قواعد إدارة المرحلة الانتقالية، وتضمن مشاركة مدنية واسعة في صياغة مستقبل البلاد.

ويظل توحيد المؤسسات وإعادة بناء القطاع الأمني من أكثر الملفات حساسية، نظرًا لارتباطهما المباشر بمنع تجدد الحرب. ولا يمكن تحقيق ذلك عبر ترتيبات شكلية أو تفاهمات مؤقتة، وإنما من خلال خطوات واضحة ومحددة، تحافظ على مؤسسات الدولة، وتمنع ازدواجية القيادة، وتخضع السلاح لسلطة وطنية موحدة وفق ترتيبات متفق عليها.

وفي المقابل، لا يمكن فصل التسوية السياسية عن المعالجة الإنسانية والاقتصادية. فعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات الأساسية، وإصلاح ما دمرته الحرب، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، كلها ملفات تتطلب موارد وخططا طويلة الأمد. كما أن العدالة والمساءلة وحماية المدنيين تمثل عناصر أساسية في بناء سلام يحظى بالقبول الشعبي، ويحول دون إعادة إنتاج أسباب الصراع.

معركة المستقبل

يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تتحول الجهود الإقليمية والدولية إلى مسار جاد ينهي الحرب ويعيد بناء مؤسسات الدولة، وإما أن يستمر النزاع في استنزاف مقدرات البلاد، وتوسيع دائرة المعاناة، وتعقيد فرص التسوية مع مرور الوقت.

ولا يملك أي طرف منفردا ضمان استقرار السودان بمعزل عن توافق وطني واسع، كما لا تستطيع المبادرات الخارجية أن تفرض سلاما مستداماً من دون إرادة سودانية حقيقية. فالمطلوب ليس مجرد ترتيب لوقف القتال، وإنما اتفاق يعالج أسباب الأزمة، ويحمي وحدة الدولة، ويعيد الاعتبار للمؤسسات، ويفتح المجال أمام انتقال سياسي يضع مصالح الشعب السوداني في المقدمة.

إن إنقاذ السودان لم يعد شأنا داخليا فحسب، بل ضرورة تتصل بأمن المنطقة واستقرارها ومستقبل شعوبها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فيمن يحقق تقدما عسكريا جديدا، وإنما في قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الحرب إلى صناعة السلام، قبل أن تتحول كلفة الصراع إلى واقع يصعب تغييره

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26914

موضوعات ذات صلة

“ألف ليلة وليلة” في طبعة جديدة

أسماء قدري

إقبال وإجراءات مشددة بانتخابات “المنتزه” في الإسكندرية

أيمن مصطفى

مباراة الزمالك واتحاد العاصمة في نهائي الكونفدرالية 2026

محمود المهدي

قائد الفراعنة يعلن جاهزيته للمواجهة الحاسمة

محمد عطا

محافظ الإسكندرية يفسخ تعاقد شاطئ “أبو العباس” ببحري

أيمن مصطفى

سر قديم يشعل صراع “أولاد الراعي” في رمضان