اقتصاد وأعمال

الاقتصاد المصري في 2025.. اختبار تحويل الفرص إلى نمو مستدام

أحمد كامل 

يدخل الاقتصاد المصري عام 2025 مستندًا إلى مجموعة من المقومات التي يمكن أن تدعم عودة النمو إلى مستويات أعلى، في مقدمتها السوق المحلية الكبيرة، والموقع الجغرافي، وتنوع مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب قاعدة صناعية وسياحية ومشروعات بنية تحتية واسعة.

 لكن تحويل هذه المقومات إلى نمو مستدام يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات، واحتواء الضغوط التضخمية والتمويلية، وتقليل تأثره بالصدمات الخارجية.

وتأتي هذه التحديات في وقت أظهر فيه الاقتصاد مؤشرات على تحسن بعض القطاعات، بينما لا تزال تداعيات الأوضاع الجيوسياسية تضغط على مصادر مهمة للنقد الأجنبي، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس.

الاستثمار الأجنبي.. تدفق كبير يحتاج إلى تعظيم العائد

احتفظت مصر خلال السنوات الأخيرة بموقع متقدم على خريطة الاستثمار في القارة، مدعومة بحجم سوقها وموقعها الاستراتيجي والمشروعات الكبرى التي نفذتها الدولة.

وسجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر 46.6 مليار دولار خلال 2024 وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وهو رقم استثنائي تأثر بصورة كبيرة بالصفقة الاستثمارية المرتبطة بمشروع رأس الحكمة.

وتكمن أهمية هذه التدفقات بالنسبة للاقتصاد المصري في قدرتها على توفير موارد بالعملة الأجنبية وتمويل النشاط الاقتصادي، إلا أن التحدي الأهم يبقى في تحويل الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية مستدامة ترفع الصادرات وتوفر فرص العمل وتزيد مساهمة القطاعات القابلة للتداول في الاقتصاد.

السياحة.. أحد أبرز مصادر العملة الأجنبية

حققت السياحة المصرية أداءً قياسيًا خلال 2024، إذ استقبلت البلاد 15.7 مليون سائح، بحسب تصريحات وزير السياحة والآثار في يناير 2025.

ويعكس هذا الأداء قدرة القطاع على الصمود أمام التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام الدولة والقطاع الخاص تحدي زيادة الطاقة الفندقية وتحسين جودة الخدمات وتنويع المنتجات والأسواق السياحية.

وكانت وزارة السياحة قد أشارت في ذلك الوقت إلى مبادرات تمويلية بقيمة 50 مليار جنيه لدعم القطاع، مع توقع إضافة نحو 40 ألف غرفة فندقية من خلال التوسعات واستكمال المشروعات غير المكتملة وأعمال الإحلال والتجديد.

وبالنسبة للاقتصاد المصري، لا تتعلق أهمية السياحة بعدد الوافدين فقط، وإنما بقدرتها على زيادة حصيلة النقد الأجنبي ورفع الإنفاق السياحي وتوسيع فرص العمل المرتبطة بالقطاع.

الصادرات.. فرصة لتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي

يمثل التوسع في الصادرات أحد أهم الاختبارات أمام الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع الحاجة إلى زيادة موارد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

ويرى الدكتور معتصم الشهيدي، عضو مجلس إدارة شركة هوريزون لتداول الأوراق المالية، أن الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية يمكن أن تفتح في الوقت نفسه فرصًا أمام الدول القادرة على استغلال قدراتها الإنتاجية والتصديرية.

وأشار إلى أن التغيرات التجارية العالمية قد تمنح المنتجات المصرية فرصًا للدخول إلى أسواق جديدة، لكنه حذر في المقابل من المنافسة القوية من الدول التي تبحث هي الأخرى عن أسواق بديلة، مؤكدًا أهمية دراسة احتياجات الأسواق الخارجية وقدرة المنتجات المصرية على المنافسة.

ومن ثم، فإن زيادة الصادرات لا تتطلب فقط البحث عن أسواق جديدة، وإنما تحسين القدرة الإنتاجية، ورفع الجودة، وخفض تكلفة الإنتاج، وتوفير مستلزمات الصناعة بصورة مستقرة.

قناة السويس.. إيرادات تحت ضغط التوترات الإقليمية

تظل قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، لكن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر فرضت ضغطًا واضحًا على الإيرادات.

وفي يناير 2025، أشار الشهيدي إلى أن عودة الملاحة إلى طبيعتها في حال استقرار الأوضاع الإقليمية يمكن أن تمنح الاقتصاد المصري فرصة لاستعادة جزء كبير من الإيرادات التي فقدها القطاع نتيجة تحويل مسارات السفن.

وتكشف أزمة القناة في الوقت نفسه عن أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، وهو الاعتماد على مصادر إيرادات خارجية تتأثر بسرعة بالتطورات الجيوسياسية العالمية.

القطاع الخاص.. عنصر حاسم في المرحلة المقبلة

لا يرتبط تحقيق نمو مستدام بحجم المشروعات الحكومية أو التدفقات الاستثمارية فقط، وإنما بقدرة القطاع الخاص على توسيع نشاطه وزيادة مساهمته في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.

وفي هذا السياق، تصبح تحسينات بيئة الأعمال، وتيسير إجراءات تأسيس الشركات، وتطوير التشريعات المنظمة لسوق المال، عوامل مؤثرة في قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة وتحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة.

وأشار الشهيدي إلى أن تعديلات القواعد المنظمة لسوق المال، إلى جانب إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على معاملات البورصة، تستهدف دعم نشاط السوق وزيادة جاذبيته أمام المستثمرين.

كما أن تعافي سوق المال يمكن أن يوفر قناة إضافية لتمويل الشركات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الائتمان المصرفي، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة التمويل خلال الفترة الماضية.

الإنتاج والتضخم.. معادلة النمو الأصعب

يحتاج الاقتصاد المصري في 2025 إلى تحقيق توازن بين استعادة النشاط الإنتاجي والسيطرة على الضغوط السعرية.

وأظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات أن القطاع الخاص غير النفطي أنهى عام 2024 في ظروف صعبة؛ إذ تراجع النشاط في ديسمبر مع ارتفاع ضغوط التكلفة وضعف الطلب، بحسب مؤشر «S&P Global».

ويعني ذلك أن زيادة الإنتاج خلال المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بقدرة الشركات على الحصول على مستلزمات الإنتاج وتكلفة تمويل مناسبة واستقرار سوق الصرف، إلى جانب تحسن الطلب المحلي والخارجي.

وهنا تبرز أهمية توجيه الاستثمارات الجديدة إلى القطاعات القادرة على الإنتاج والتصدير، بدلًا من اقتصار أثر التدفقات المالية على معالجة الاحتياجات قصيرة الأجل.

إعادة الإعمار.. سوق محتملة أمام الشركات المصرية

وتفتح التطورات الإقليمية، حال استقرار الأوضاع، فرصًا أمام الشركات المصرية للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار في عدد من الدول، خاصة في مجالات المقاولات ومواد البناء والخدمات المرتبطة بالبنية التحتية.

ويرى الشهيدي أن الشركات المصرية يمكنها الاستفادة من هذه الفرص، بما يدعم صادرات قطاعات مثل مواد البناء والمقاولات، ويمنح الاقتصاد مصدرًا إضافيًا للنمو خارج السوق المحلية.

لكن الاستفادة من هذه الأسواق ستتطلب قدرة تنافسية حقيقية، وتمويلًا مناسبًا، وسرعة في تنفيذ المشروعات، فضلًا عن قدرة الشركات على إدارة المخاطر المرتبطة بالأسواق الخارجية.

2025.. الانتقال من إدارة الضغوط إلى بناء مصادر نمو

يمتلك الاقتصاد المصري في بداية 2025 مجموعة واسعة من فرص النمو، من السياحة والاستثمار إلى التصنيع والصادرات والخدمات اللوجستية. لكن حجم الفرص لا يضمن وحده تحقيق نمو مستدام.

فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الاقتصاد على تحويل التدفقات الاستثمارية إلى إنتاج، وتحويل الطاقة الإنتاجية إلى صادرات، وتحويل تحسن السياحة وإيرادات الخدمات إلى موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

ومن هذه الزاوية، تبدو مهمة 2025 أكثر ارتباطًا بجودة النمو ومصادره من مجرد تحقيق معدل نمو مرتفع؛ إذ يحتاج الاقتصاد إلى توسيع قاعدة الإنتاج والقطاع الخاص، وزيادة قدرته على توليد العملة الأجنبية، وتقليل تعرضه للصدمات الخارجية.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24616

موضوعات ذات صلة

الصادرات الزراعية المصرية تسجل نمواً غير مسبوق عالمياً

عمر عزوز

شراكة استراتيجية بين «قناة السويس» و«مستقبل مصر» لتطوير البحيرات

محرر الموقع

الحفني يبحث تعزيز التعاون الجوي مع أمريكا اللاتينية

محرر الموقع

شعبة الذهب تكشف كواليس معرض NEBU وموعد افتتاحه

المحرر

هل تنتهي أزمة الدواء المتجددة ؟

المحرر

تكنولوجيا “OBN” تُنعش آبار خليج السويس

أيمن مصطفى