اقتصاد وأعمال

الجنيه ينتعش.. سياسات نقدية وتحويلات المصريين تدعم استقراره

 

أحمد كامل 

شهد سعر صرف الجنيه المصري تحسنًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، مدعومًا بقرار البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة وتزايد تحويلات المصريين بالخارج، وذلك في سياق سياسة نقدية حذرة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وكبح جماح التضخم.

التثبيت.. رسالة استقرار للأسواق

ففي خطوة تعكس سياسة نقدية مدروسة، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها يوم 10 يوليو 2025 تثبيت أسعار الفائدة،ب الإبقاء على سعر عائد الإيداع عند 24% وسعر الإقراض عند 25%، مع الإبقاء كذلك على سعر العملية الرئيسية عند 24.5%.

هذا القرار، وفقًا لبيان البنك المركزي، يهدف إلى تعزيز استقرار الاقتصاد المصري في ظل تحديات داخلية وخارجية.

وقد أوضح البنك المركزي أن هذا التثبيت جاء بسبب ارتفاع التضخم السنوي إلى 16.8% في مايو، مقارنة بـ13.9% في أبريل، مما استدعى رقابة نقدية دقيقة.

كما ساهمت المخاطر المتزايدة من التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود عالميًا في هذا القرار.

تجدر الإشارة إلى أن هذا القرار جاء بعد تخفيضات سابقة تراكمت إلى نحو 325 نقطة أساس في شهري أبريل ومايو.

وعلى الرغم من التوقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 4.8% في النصف الأول من 2025، اختار المركزي الحفاظ على سقف سعر الفائدة لإبطاء الضغوط التضخمية المحتملة.

 يُرسل تثبيت سعر الفائدة إشارة قوية بأن البنك المركزي لا يسعى لتسهيل نقدي قد يؤثر سلبًا على قيمة الجنيه.

تحويلات المصريين بالخارج.. دفعة قوية للجنيه

في الجانب الموازي، سجل الجنيه المصري مكاسب ملموسة في الأسابيع القليلة الماضية، حيث انخفض سعر صرف الدولار في البنوك الحكومية والخاصة إلى نحو 49 جنيهًا للشراء و49.14–49.4 جنيه للبيع.

وقد عززت هذه المرونة في سوق الصرف تحسن جانب السيولة الدولارية، مدفوعة بتدفقات كبيرة من تحويلات المصريين العاملين بالخارج.

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفعت تحويلات العاملين بحوالي 69.6% لتصل إلى 32.8 مليار دولار للفترة من يوليو 2024 إلى مايو 2025.

هذه الزيادة الكبيرة في تدفقات العملة الأجنبية ساهمت بشكل مباشر في تعزيز قيمة الجنيه وتقليل الاعتماد على الدولار، مما خفض تكلفة الاستيراد وبدوره حد من التسرب التضخمي على أسعار المستهلكين.

 استقرار ونمو محتمل

خلق هذا التماسك بين السياسة النقدية الثابتة وانخفاض سعر الدولار توازنًا ملحوظًا في الاقتصاد المصري.

ومع هذا الإطار المتكامل، تبدو توقعات النمو متفائلة، حيث تحوم التقديرات حول نمو كلي محدود بين 4% و5% خلال العام المالي 2025/26 مع السياسة الحالية.

كما يُتوقع أن يواصل التضخم هبوطه التدريجي، مما قد ينشئ فرصة محتملة لتخفيض إضافي لأسعار الفائدة لاحقًا، بحسب تصريحات البنك المركزي نفسه.

ونجح البنك المركزي المصري في تنفيذ سياسة متوازنة وذكية، جمعت بين الحفاظ على أسعار فائدة تهدف لضبط التضخم، والاستفادة من الجنيه المستقر الذي اقترب من 49 جنيهًا للدولار، إضافة إلى ضخ الثقة في الأسواق والمستثمرين.

في حال استمرت تدفقات النقد الأجنبي، فقد يشهد الاقتصاد مزيدًا من الاستقرار، وقد يصبح الجنيه مؤهلاً لتسجيل مستويات أدنى مستقبلاً، بيد أن كل ذلك يعتمد على استمرار الانضباط النقدي والانفتاح المالي وفق التوجيهات الحكومية.

وفي تصريحات خاصة لـ”صوت البلد”، رأت المحلل المالي وعضو مجلس إدارة شركة “الحرية” لتداول الأوراق المالية الدكتورة حنان رمسيس  حول استقرار الجنيه وسياسات البنك المركزي، أنه لا يمكن وصف الوضع الحالي بتحسن الجنيه بقدر ما هو ضعف للدولار أمام العملات عالمياً بسبب إجراءات ترامب الجمركية التي تسببت في ارتفاع التضخم بأمريكا وتعطيل سلاسل الإمداد.

وأضافت: أما محلياً، فإن انخفاض الدولار يعود لسببين رئيسيين: زيادة تحويلات المصريين بالخارج والسيطرة الكاملة على منافذ الصرف، حيث أصبحت كل التحويلات تتم عبر القنوات الرسمية دون وجود سوق سوداء، مما منح الدولة سيطرة كاملة على تحديد سعر الصرف صعوداً وهبوطاً.

وحول مدى علاقة ذلك بقرار تثبيت أسعار الفائدة، فأوضحت أن له علاقة بمعدلات التضخم وليس بتحويلات المصريين، لافتة إلى أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو الغذاء ينعكس مباشرة على التضخم، وهذا ما يجعل البنك المركزي حريصاً على تثبيت الفائدة، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتوترة التي تفرض حالة من الحذر.

وأردفت: كما أننا لا ننسى أن هناك فئة كبيرة من المدخرين الذين يعتمد عليهم النظام المصرفي كممول رئيسي للحكومة.

وشددت رمسيس، على أن استدامة هذا التحسن في سعر الصرف تتطلب توافر النقد الأجنبي، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وخفض الدين الداخلي والخارجي، مع توجيه النقد الأجنبي لقطاعات مستدامة بدلاً من استخدامه فقط لسداد القروض.

ونبهت بأن الظروف الإقليمية الحالية تؤثر على وصول السلع في مواعيدها وتزيد من أسعارها عالمياً، مما ينعكس على موازنة الدولة.

بالنظر للمؤشرات الحالية، فإن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، حيث تمكنت -وفقا لـ”رمسيس”- من تحقيق فائض أولي في الموازنة من خلال زيادة الإيرادات، لكننا نتابع عن كثب مؤشر مديري المشتريات الذي لا يزال تحت 50 نقطة، مما يشير إلى بطء في النشاط الاقتصادي.

واعتبرت أن معدلات التشغيل وتوافر السلع الأساسية دون أزمات كلها مؤشرات إيجابية، لكن الطريق ما زال طويلاً لتحقيق النمو المستدام.

أما الخبير الاقتصادي الدكتور حسام الغايش، فقال في تصريحات خاصة لـ”صوت البلد”،  إن استقرار سعر صرف الجنيه المصري لا يمكن ربطه بأداة واحدة، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل نقدية ومالية، مشددًا على أن **تحويلات المصريين بالخارج تُعد عاملًا أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بأسعار الفائدة المرتفعة.

وأوضح الغايش أن “قرار البنك المركزي بتثبيت أسعار الفائدة رغم التوقعات بالخفض، جاء في إطار الحفاظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية للمستثمرين الأجانب، مما يساعد على تدفق العملة الأجنبية ودعم استقرار الجنيه”، لكنه أشار إلى أن هذا الخيار “لا يمكن التعويل عليه طويلًا”، لأنه “يؤثر على وتيرة النمو الاقتصادي على المدى المتوسط نتيجة كلفة الإقراض المرتفعة”.

وأضاف: “في المقابل، تُعتبر تحويلات المصريين بالخارج من أهم مصادر دعم الاحتياطي النقدي وتخفيف الضغط عن سوق الصرف، إذ بلغت في بعض السنوات أكثر من 30 مليار دولار، مما يجعلها عاملًا حيويًا ودائمًا في دعم العملة المحلية”.

وحول سؤال “صوت البلد” عن استدامة التحسن في التحويلات، أجاب الدكتور الغايش: “التحسن الأخير يعود بالأساس إلى تضييق الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، وتعزيز ثقة المواطنين في النظام المصرفي، إضافة إلى الإجراءات الرقابية الأخيرة”، لكنه حذّر من هشاشة هذا التحسن إذا لم يُصاحب بسياسات دائمة، مثل إصلاح سوق الصرف، تقديم حوافز تحويل حقيقية، وتخفيض التكاليف المصرفية على الحوالات.

وختم خبير أسواق المال, تصريحه بالتأكيد على أن “التحسن في الجنيه يجب أن يُبنى عليه عبر حزمة من الإصلاحات الهيكلية، أهمها التوسع في الإنتاج المحلي والتصدير، تنشيط السياحة، جذب الاستثمارات طويلة الأجل، وتخفيض الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل”.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24659

موضوعات ذات صلة

مدير مركز “القاهرة للدراسات”: نيران الحرب تحرق النفط

أيمن مصطفى

الحفني: التعاون الدولي يدعم مستقبل الطيران الذكي

محرر الموقع

تعرف على آخر أسلحة البنك المركزي لمواجهة التضخم

خبير: زيارة ترامب لدول الخليج تهدف للتعاون الاقتصادي

المحرر

دليل تعريفي لمبادرة «الحوافز والتسهيلات الضريبية» لاستفادة الممولين

المحرر

جلسة حوارية بمكتبة الإسكندرية:الاستقرار المالي والنمو المستدام

أيمن مصطفى