
أحمد كامل
لم تعد تداعيات التغير المناخي والكوارث الطبيعية مجرد قضية بيئية، بعدما تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر في النمو والاستثمار والإنفاق العام، مع ارتفاع تكلفة الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والإنتاج وسلاسل الإمداد.
وتكشف تقديرات شركة إعادة التأمين الألمانية Munich Re أن الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية حول العالم بلغت نحو 320 مليار دولار خلال 2024، مقابل 268 مليار دولار في العام السابق، فيما وصلت الخسائر المؤمن عليها إلى نحو 140 مليار دولار. وسجلت 2024 خامس أعلى مستوى للخسائر الإجمالية منذ عام 1980.
وتزامن ذلك مع تسجيل 2024 أعلى متوسط لدرجات الحرارة عالميًا، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي أعلنت في 10 يناير 2025 أن متوسط الحرارة العالمية بلغ نحو 1.55 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
فاتورة اقتصادية متصاعدة
يرى عضو البرلمان العالمي للبيئة، وفيق نصير، أن التحديات البيئية الحالية تتشابك بصورة مباشرة مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى استجابة متكاملة.
وأوضح أن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة يفاقمان مخاطر الفيضانات والجفاف والأعاصير وارتفاع مستويات البحار، بما يهدد البنية التحتية والأمن الغذائي والمائي ويزيد الأعباء الاقتصادية.
وأشار إلى أن فقدان التنوع البيولوجي وتلوث المياه والتلوث البلاستيكي واستنزاف الموارد الطبيعية تمثل بدورها تحديات تتجاوز آثارها الجانب البيئي، فيما يظل الاعتماد على الوقود الأحفوري أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويرى نصير أن مواجهة هذه التحديات تتطلب زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وحماية التنوع البيولوجي، وتقليل استخدام البلاستيك وتعزيز إعادة التدوير، إلى جانب التعاون الدولي لتحقيق أهداف المناخ.
تكلفة عدم الاستعداد
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن فاتورة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية أصبحت عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في أداء الاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتفاع تكلفة إصلاح البنية التحتية وتراجع الإنتاج وزيادة الضغوط على الموازنات العامة.
وقال إن تسجيل خسائر عالمية بنحو 320 مليار دولار خلال عام واحد يكشف أن تكلفة عدم الاستعداد للكوارث والمخاطر المناخية أصبحت أكبر من تكلفة الاستثمار المسبق في الوقاية والتكيف، موضحًا أن تجاهل هذه المخاطر يدفع الدول إلى توجيه جزء متزايد من الإنفاق العام إلى التعويضات والإصلاح وإعادة الإعمار بدلًا من الاستثمار والتنمية.
وأضاف أن تأثير الكوارث لا يقتصر على الخسائر المباشرة، وإنما يمتد إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع إنتاجية قطاعات مثل الزراعة والصناعة، فضلًا عن انعكاس نقص المياه وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية على التضخم.
المخاطر المناخية في حسابات الاستثمار
وأشار الشافعي إلى أن الشركات مطالبة بإعادة النظر في مفهوم المخاطر الاستثمارية، بحيث لا يقتصر تقييم المشروعات على العائد المتوقع وتكلفة التمويل، وإنما يشمل مدى تعرضها لمخاطر المناخ والمياه والكوارث الطبيعية.
وأوضح أن تجاهل هذه العوامل قد يحول مشروعًا مربحًا على الورق إلى استثمار مرتفع التكلفة على أرض الواقع، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل أو التأمين أو تعرض سلاسل الإمداد للتعطل.
التحول الأخضر فرصة اقتصادية
وأكد أن التحول إلى اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية لا يعني بالضرورة زيادة الأعباء الاقتصادية، وإنما يمكن أن يمثل فرصة استثمارية جديدة، من خلال التوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، وتطوير البنية التحتية القادرة على تحمل المخاطر، ودعم صناعات إعادة التدوير والتكنولوجيا الخضراء.
وأوضح أن المعادلة الاقتصادية أصبحت واضحة: كلما تأخرت الدول في الإنفاق على الوقاية والتكيف، ارتفعت تكلفة الخسائر اللاحقة، وبالتالي فإن الإنفاق البيئي يجب النظر إلى جزء منه باعتباره استثمارًا لحماية النمو، وليس مجرد تكلفة إضافية على الموازنة.
وشدد الشافعي على ضرورة إدماج المخاطر المناخية والمائية في خطط الاستثمار والموازنات العامة، بالتوازي مع تطوير أدوات التأمين والتمويل الأخضر، بما يحد من انتقال تكلفة الكوارث إلى الحكومات والمواطنين والشركات.
وتعكس هذه الرؤية تحول المخاطر البيئية إلى عنصر أساسي في الحسابات الاقتصادية، إذ لم يعد السؤال مرتبطًا فقط بحجم الأضرار التي قد تنتج عن الكوارث، وإنما بتكلفة الاستعداد لها مقارنة بتكلفة عدم الاستعداد.
