
بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، نعيش في ظلال سيرة عطرة غيّرت مجرى التاريخ الإنساني، وأعادت بناء منظومة القيم على أسس من العدل والرحمة والكرامة. وفي هذا الحوار الخاص لجريدة “صوت البلد”، نلتقي بفضيلة الشيخ الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري، من علماء الأزهر الشريف، ليبحر معنا في أبعاد الرسالة المحمدية، وكيف أنصف الإسلام المرأة وحارب العصبيات الجاهلية، مقدمًا قراءة واقعية لكيفية تحويل الاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة إلى سلوك عملي يُصلح القلوب والبيوت والمجتمعات. فإلى نص الحوار:
بأي عين نقرأ اليوم الأبعاد الإنسانية لذكرى المولد النبوي الشريف في التاريخ؟
لم يكن مولد سيدنا محمد ﷺ مجرد ميلاد إنسان عظيم أو حدث تاريخي عابر، بل كان ميلاد رسالة غيّرت ميزان القيم؛ فأعادت للإنسان كرامته، وللمرأة مكانتها، وللضعيف حقه، ومنحت الإنسانية المعنى الحقيقي للأخوة والرحمة. وفي هذه الذكرى العطرة، من المهم المقارنة بين واقع البشرية المظلم قبل الإسلام، والمبادئ العادلة التي جاء بها النبي ﷺ.
إلى أي مدى كان هذا التمييز والظلم الاجتماعي سائداً في مجتمعات ذلك العصر؟
ليس المقصود أن المجتمعات كلها كانت سواء في الظلم، ولكن الإسلام جاء بمنظومة متكاملة من التكريم والعدل، في وقت انتشرت فيه صور قاسية من الاستعباد والتمييز حول العالم.
ما أبرز ملامح معاناة المرأة في تلك البيئات قبل البزوغ الإسلامي؟
قبل الإسلام، حُرمت المرأة في مجتمعات قديمة من حقوقها المالية والاجتماعية، وعُوملت كمتاع يُورث ولا يَمْلِك. وفي البيئة العربية، كان البعض يُكره ولادة الأنثى، كما صوّر القرآن الكريم حالهم بدقة: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ…﴾، فجاء الرسول ﷺ لينهي هذا الهوان ويرفع مكانتها.
رحمة للعالمين
ما المنهج العملي الذي رسمه الدين الحنيف لإعادة المرأة إلى مكانتها الطبيعية؟
جاء الإسلام حاسماً بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلم يهمشها أو يجعلها مخلوقاً من الدرجة الثانية، بل أقر حقوقها وواجباتها وأقام العلاقة الزوجية على المودة والرحمة. وجاء النبي ﷺ ليؤكد ذلك عملياً بقوله: «استوصوا بالنساء خيراً»، بل جعل معيار أفضلية الرجال مرتبطاً بحسن معاملة الزوجة فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
أين تتقاطع النظرة الإسلامية للمرأة مع الأطر التقليدية التي سادت آنذاك؟
المرأة في الإسلام ليست سلعة، ولا أداة إنجاب، ولا خادمة للرجل، فهي إنسان مكرم له ذمة مالية مستقلة، وحق في الميراث، والمهر، والقبول أو الرفض في الزواج. الإسلام لم يأت ليحرر المرأة من رجل إلى رجل، بل حرر الإنسان عامة من الظلم والعبودية لغير الله.
ما الضابط الحقيقي الذي وضعه القرآن الكريم لتقييم المكانة الإنسانية؟
القرآن لم يربط القيمة بالجنس أو العرق، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. تأمل قوله: “يا أيها الناس”، لم يخص العرب، أو البيض، أو الأغنياء، أو الرجال، بل جعل التقوى والعمل الصالح هما الميزان الوحيد، فلا قيمة للون أو نسب أو مال.
القدوة الحسنة
ما الأسس والركائز التي اعتمد عليها النبي ﷺ لتفكيك الطبقية والعصبيات الجاهلية؟
جاء النبي ﷺ ليهدم عصبيات الجاهلية ويجعل العدل والحق أساس التعامل. وفي خطبة الوداع، أعلن ﷺ مبدأً إنسانياً خالداً: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب». فالإسلام يرفع الإنسان لإنسانيته أولاً، ثم لتقواه وصلاحه، ولذلك احتل بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي مكانة عظيمة في نسيج الأمة. الإسلام لم يلغِ اختلاف الأعراق، بل ألغى أن يكون الاختلاف سبباً للظلم والاستعلاء.
أين تجلت أبعاد الرحمة المحمدية الشاملة في تعاملات السيرة مع المخالفين؟
يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فكلمة “للعالمين” تؤكد أن الرحمة المحمدية ليست محصورة في قبيلة، أو لون، أو وطن، بل شملت الإنسانية كلها حتى مع المخالف. وجاء الإسلام ليعلن أن العدل قيمة ثابتة لا تسقط بالخصومة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قومٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي عندما تختلف لا تظلم، وعندما تكره لا تجور، وفي الخصومة لا تسقط أخلاقك.
من أين استمد الإسلام عظمته في تحويل منظومة القيم إلى واقع معاش؟
عظمة الإسلام تكمن في تحويل القيم إلى سلوك وحياة؛ فعندما عانت المرأة، أنصفها بالقرآن، وعندما تفاخر الناس بأنسابهم جعل التقوى ميزاناً، وعندما مزقت العصبية المجتمع قال النبي ﷺ عنها: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، ليعلم البشرية أن القوة ليست في البطش، والكرامة ليست في الاستعلاء وإذلال الآخرين.
ما المفهوم الحقيقي للاحتفاء بذكرى مولد الهادي البشير ﷺ في واقعنا المعاصر؟
الاحتفاء الحقيقي بمولد النبي ﷺ ليس مجرد كلمات تُقال أو مظاهر تنتهي بانتهاء المناسبة، بل هو مراجعة حقيقية للذات وسؤال أنفسنا: هل اقتدينا بأخلاقه؟ هل أكرمنا المرأة ورحمنا الضعيف؟ هل أنصفنا من نختلف معه وتركنا العنصرية والسخرية من ألوان الناس، وأنسابهم، وفقرهم؟ وهل تمثلنا بأخلاقه ﷺ داخل بيوتنا وفي تعاملاتنا اليومية كما أمرنا الإسلام؟
إذا كنا نحتفل بمولد من قال: «استوصوا بالنساء خيراً» ثم نظلم المرأة ونقسو عليها، فماذا بقي من الاقتداء؟ وإذا كنا نتحدث عن نبي الرحمة ثم نؤذي الناس بألسنتنا وأيدينا، فماذا فهمنا من رسالته؟ وإذا افتخرنا بالإسلام ثم احتقرنا إنساناً لفقره أو لونه، فقد خالفنا صريح القرآن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. من هنا نفهم لماذا كان ميلاده ﷺ ميلاداً حقيقياً للرحمة، والعدل، والكرامة الإنسانية. فصلوات ربي وسلامه على النور المبين، الهادي البشير، والسراج المنير، ورحمة الله للعالمين.
