سليدرشؤون سياسية

ساعة الصفر التي غيرت تاريخ الشرق الأوسط

في تمام الثانية بعد ظهر السادس من أكتوبر 1973، خيّم صمت حذر على ضفتي قناة السويس، حيث كانت أجواء الخريف تلف المكان، بينما انشغل الجنود الإسرائيليون خلف حصونهم بالاستعداد لعيد الغفران. فجأة، انشق سكون السماء عن زئير 220 مقاتلة مصرية عبرت القناة بارتفاع منخفض؛ وفي اللحظة ذاتها، دوت هتافات آلاف الجنود، وصبت المدافع جحيمها فوق خط بارليف، لتبدأ الملحمة التي غيرت مجرى التاريخ.

اعتمدت الخطة المشتركة على مباغتة العدو، في وقت ظن فيه الجميع أن الحرب مستحيلة. تحركت القوارب المطاطية الأولى تقطع صفحة المياه؛ حاملة على متنها رجال المشاة الذين تسلقوا الساتر الترابي بخطى سريعة وثابتة. كان عنصر المفاجأة الاستراتيجية والتكتيكية البطل الأول في تلك الدقائق الحرجة؛ إذ أصيبت خطوط الدفاع الإسرائيلية بالشلل التام، أمام جسارة الهجوم المنسق بين الجبهتين المصرية والسورية.

سقوط الساتر الترابي

أمام المهندسين العسكريين وقف عائق صنفُه خبراء العالم “مستحيلاً”: ساتر ترابي شاهق، تحصينات خرسانية مسلحة، وخزانات “نابالم” جاهزة لإشعال مياه القناة. لكن الحل جاء ببساطة مذهلة من خارج الصندوق؛ مد الجنود خراطيم مياه قوية، وبدأوا تجريف الرمال بالضغط العالي.

انهمرت آلاف الأطنان من الأتربة أمام عيون العدو المذهولة، وفُتحت الثغرات في جسد خط بارليف المنيع. وعبرت الدبابات والمعدات الثقيلة فوق الجسور التي شُيدت في زمن قياسي تحت القصف؛ لتتساقط الحصون واحداً تلو الآخر مثل أوراق الشجر في مهب الريح. استسلم من استسلم وفر من فر، ليتلاشى الخط الذي قيل إنه يحتاج إلى قنبلة ذرية لتدميره في غضون ساعات، مسجلاً أكبر اختراق هندسي في الحروب الحديثة.

حائط الصواريخ

انطلقت نداءات الاستغاثة من القوات البرية الإسرائيلية المحاصرة في سيناء، تطلب الدعم العاجل من سلاح الجو الذي طالما تفاخرت به تل أبيب. طارت المقاتلات الحديثة لإنقاذ الموقف، لكنها ارتطمت فجأة بجدار غير مرئي؛ كان “حائط الصواريخ” المصري بالمرصاد.

شبكة معقدة من صواريخ (سام) ملأت السماء بالنيران، متساقطة بالطائرات الإسرائيلية كالفراشات المحترقة فور اقترابها من القناة. أصيبت القيادة الجوية الإسرائيلية بالذهول، وصدرت الأوامر الشهيرة لطياريها: “لا تقتربوا من القناة لمسافة 15 كيلومتراً”. هذا الحظر الجوي الصارم منح القوات البرية غطاءً آمناً لتثبيت أقدامها، وإنشاء رؤوس الكباري داخل سيناء، وتحييد سلاح الجو الإسرائيلي تماماً.

ملحمة التضامن

بينما كانت المعارك المستعرة تطحن المعدات على الجبهتين، تحركت العواصم العربية لتكتب فصلاً جديداً من فصول الحرب. تدفقت القوات البرية والجوية من مختلف الدول العربية لتقف كتفاً بكتف مع المقاتل المصري والسوري في الميدان، في مشهد مهيب يعكس وحدة الدم والمصير؛ مما أسهم في استنزاف قدرات العدو وإرباك حساباته العسكرية.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الميدان؛ بل امتدت المعركة إلى أروقة السياسة والاقتصاد الدولية، حيث أشهرت الدول العربية المصدرة للنفط سلاحاً من نوع آخر؛ بقرارها التاريخي خفض إنتاج البترول وحظر تصديره للدول الداعمة لإسرائيل، حيث اهتزت عواصم الغرب تحت وطأة أزمة الطاقة، وتحول النفط العربي إلى قوة ضغط هائلة أجبرت القوى الكبرى على التدخل السريع لوقف القتال.

زلزال استراتيجي

حين وضعت الحرب أوزارها، كان المشهد الجيوسياسي في المنطقة قد تغير بالكامل؛ إذ تحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، وتبددت نظرية الأمن الإسرائيلي القائمة على التوسع والتحصينات الطبيعية. وقد أجبر هذا التحول الميداني الضخم كافة الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مما مهد الطريق لاستعادة مصر سيادتها الكاملة على أرض سيناء المقدسة.

أما في الأكاديميات العسكرية العالمية، فقد تحولت حرب أكتوبر إلى مادة أساسية تُدرس في فنون التخطيط، الخداع الاستراتيجي، والتنسيق بين الأسلحة المشتركة، حيث قد أثبتت الحرب للعالم أجمع أن الإرادة الوطنية والتخطيط العلمي الدقيق، قادران على تحويل الانكسار إلى نصر مؤزر ترويه الأجيال.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26467

موضوعات ذات صلة

غضب بيراميدز بسبب سوء أرضيات الملاعب

محمد عطا

بحر… رحلة صراع الشباب بين الواقع والأمل

حسن عبدالعال

د. كمال يونس لـ(صوت البلد): التفكيكية حولت المسرح لأشلاء

أيمن مصطفى

انسحاب سوريا من باريس يربك جهود التسوية

المحرر

توسعات محطات مياه كفر الدوار

أيمن مصطفى

هند عبد الحليم تخوض تجربة غنائية بالفصحى

أحمد عاشور