
أحمد كامل
تدخل مصر مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أولويات اقتصادها مع إطلاق «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، التي تضع إطارًا موحدًا للسياسات والإصلاحات المستهدفة خلال السنوات المقبلة، وتربط بين برنامج عمل الحكومة ورؤية مصر 2030، مع التركيز على القطاعات الأكثر إنتاجية وقدرة على التصدير.
وتقوم السردية على تعزيز تنافسية الاقتصاد، وإعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتوسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص، والاستفادة من البنية التحتية التي جرى تطويرها لدعم التصنيع والاستثمار.
وخلال فعالية إطلاق السردية، قالت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، الدكتورة رانيا المشاط، إن الإطار الجديد يستند إلى البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، من خلال ثلاثة محاور تتمثل في تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، وزيادة القدرة التنافسية وتحسين بيئة الأعمال، ودعم الانتقال الأخضر.
وأضافت أن السردية تشمل استراتيجيات الاستثمار الأجنبي المباشر والتنمية الصناعية والتجارة الخارجية والتشغيل، مع التركيز على قطاعات الصناعة التحويلية والسياحة والزراعة والطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب السياسات المالية والنقدية وحوكمة الاستثمارات العامة والتخطيط الإقليمي لتوطين التنمية الاقتصادية.
مستهدفات حتى 2030
وضعت الحكومة مجموعة من المستهدفات الكمية، أبرزها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 7 بالمئة بحلول 2030، مقابل 4.5 بالمئة في خطة العام المالي 2025/2026.
كما تستهدف رفع إجمالي الاستثمارات إلى 18 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15.2 بالمئة في خطة العام المالي الجاري، وزيادة حصة الاستثمارات الخاصة من إجمالي الاستثمارات إلى 66 بالمئة مقابل 60 بالمئة.
وتتضمن المستهدفات رفع الاستثمارات الخاصة إلى 11.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 9.1 بالمئة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 82 بالمئة بحلول 2030.
وتستهدف الحكومة كذلك رفع حصة الاستثمارات العامة الخضراء إلى ما بين 70 و75 بالمئة من إجمالي الاستثمارات العامة، مقابل 50 بالمئة في الخطة الحالية، وزيادة عدد الوظائف التي يولدها الاقتصاد سنويًا إلى 1.5 مليون وظيفة بحلول 2030، مقابل 900 ألف وظيفة متوقعة خلال العام المالي الجاري.
السردية مظلة للسياسات الاقتصادية
يقول مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية، الدكتور مصطفى أبو زيد، في تصريحات لـ”صوت البلد”, إن إطلاق السردية يأتي في توقيت يحتاج فيه الاقتصاد المصري إلى استكمال الإصلاحات الهيكلية، للوصول إلى اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة في مواجهة التحولات العالمية.
ويرى أن السردية تمثل المظلة الجامعة للاستراتيجيات والخطط والسياسات الاقتصادية المستهدف تنفيذها خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يتمثل الجديد فيها في تقديم صورة أكثر تفصيلًا لشخصية الاقتصاد المصري من خلال مستهدفات قطاعية ومؤشرات قياس ومتابعة.
ويشير أبو زيد إلى أن الصناعة تحتل موقعًا خاصًا في الإطار الجديد، مع تحديد 28 صناعة مستهدفة لتعظيم فرص الاستثمار وتنميتها، بما يدعم زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل إضافية.
كما تتضمن التوجهات تبسيط وتوحيد الإجراءات لجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية وتسريع وتيرة الأعمال.
ويوضح أن السردية تستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات العامة إلى أكثر من 65 بالمئة، من خلال الحوافز الضريبية والاستثمارية، وبرنامج رد الأعباء التصديرية المرتبط بتحقيق قيمة مضافة بنسبة 50 بالمئة سنويًا، وزيادة الطاقة الإنتاجية بنسبة 10 بالمئة سنويًا.
ويضيف أن الخطة تتضمن تقليص مدة الإفراج الجمركي من 5.8 يوم حاليًا إلى يومين فقط، بما يخفف الأعباء عن المستثمرين والمصدرين، ويدعم القدرات الإنتاجية والتصديرية ويخفض تكلفة المنتجات المصرية.
ويؤكد أبو زيد أن الحكومة لديها الإرادة السياسية لتقديم الدعم والتحفيز اللازمين لتحقيق أهداف السردية المتعلقة باستقرار الاقتصاد الكلي وتحفيز الاستثمار وزيادة التشغيل.
ويختتم تصريحاته قائلًا: «إن الحكم النهائي على السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية كوثيقة مرجعية أو دستور اقتصادي للدولة المصرية سيظل مرهونًا بمدى الاطلاع الكامل على آليات التنفيذ ومؤشرات القياس والمتابعة، وكيفية تحقيق كافة المستهدفات التي تم الإعلان عنها».
استراتيجية الاستثمار تستهدف جذب رؤوس الأموال
وخلال إطلاق السردية، قال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، المهندس حسن الخطيب، إن استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر 2025-2030 تأتي ضمن جهود الدولة لإرساء حوكمة اقتصادية تعزز تكامل السياسات القطاعية مع الإطار المؤسسي والتشريعي للاستثمار.
وأوضح أن الاستراتيجية تستهدف تعزيز مكانة مصر كمقصد استثماري إقليمي ودولي، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتنويع مصادر الاستثمار، مع جذب استثمارات ذات جودة مرتفعة إلى القطاعات ذات الأولوية والقيمة المضافة العالية.
كما تركز على الاستثمارات الخضراء والتصديرية، ودمج مصر في سلاسل القيمة العالمية، وتعظيم الأثر المحلي من خلال إعادة الاستثمار والتوسع في الأنشطة القائمة.
السردية تفتح باب الحوار المجتمعي
وأعلنت المشاط طرح «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية» للحوار المجتمعي لمدة شهرين، عبر تطبيق تابع للوزارة وموقعها الإلكتروني، لإتاحة المجال أمام الخبراء والمتخصصين والباحثين لتقديم آرائهم ومقترحاتهم.
وأكدت أن الإطار يستهدف ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي، وإعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو القطاعات القابلة للتبادل والتصدير، وإعادة تعريف دور الدولة بما يعزز تنافسية الاقتصاد ويدعم مشاركة القطاع الخاص.
كما كشفت عن إعادة هيكلة 59 هيئة اقتصادية لرفع كفاءة الأداء وتقليل تداخل الاختصاصات وترشيد الإنفاق العام، إلى جانب وضع مؤشر لقياس التقدم في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة.
تمكين القطاع الخاص هو جوهر السردية
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، الدكتور خالد الشافعي، أن السردية تمثل مسمى جديدًا لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري.
ويقول إن جوهرها يقوم على تمكين القطاع الخاص وتوسيع دوره في النشاط الاقتصادي، إلى جانب إعادة ترسيم أدوار الوزارات والهيئات الحكومية وربطها بالموازنة العامة، مع دعم السياسات النقدية والمالية لتحقيق معدلات نمو أعلى وتوفير فرص عمل للشباب.
ويؤكد الشافعي في حديثه لـ “صوت البلد”, أن نجاحها يحتاج إلى رؤية واضحة وآليات تنفيذ حقيقية تضمن بيئة تنافسية جاذبة للاستثمار وتعزز الصناعة الوطنية.
ويربط الشافعي الاستفادة من تمكين القطاع الخاص بمدى إتاحة فرص المشاركة أمامه، سواء عبر وثيقة سياسة ملكية الدولة أو برامج الطروحات والاستثمار، إلى جانب إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية التابعة للدولة وتقييم أدائها، وتحديد مدى تحقيقها للأرباح أو تحميلها الموازنة أعباء، وإمكانية دمجها أو تطويرها.
ويشير إلى أن معالجة الاختلالات المالية والإدارية والهيكلية داخل هذه الهيئات تمثل ضرورة لتحقيق الفاعلية المطلوبة، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الوزارات والجهات الحكومية.
ويضيف أن الهدف الأساسي من تمكين القطاع الخاص هو رفع الإنتاج وزيادة الصادرات وتقليص العجز المزمن في الميزان التجاري، معتبرًا أن تجاوز قيمة الصادرات للواردات سيكون مؤشرًا مهمًا على نجاح السردية في تحسين المؤشرات الاقتصادية وزيادة النمو.
