اقتصاد وأعمال

الحرب الصامتة: كيف تسرق الجرائم الإلكترونية ثقة المصريين؟

 

أحمد كامل 

في كل خطوة تخطوها مصر نحو مستقبلها الرقمي، يظهر عدو جديد لا يقاتل في ساحات المعارك التقليدية، بل يختبئ في شفرات البرامج وداخل الروابط المشبوهة.. إنها الجرائم الإلكترونية، التي تحوّلت من حوادث فردية إلى جبهة حرب حقيقية تستنزف الثقة وتكبد الاقتصاد خسائر غير مرئية.

فبينما يراهن البنك المركزي على دمج ملايين المصريين في منظومة الشمول المالي، يشن مجرمو الفضاء السيبراني حرباً غير متكافئة، مستهدفين العصب الرئيسي لهذه المنظومة: ثقة الأفراد وأموالهم.

هذه ليست مجرد أرقام تُعلن في بيانات أمنية، بل هي صراع يومي تتسع رقعته بشكل ينذر بالخطر. ففي عام 2024، أظهرت التقارير تصاعداً لافتاً في عدد الهجمات الإلكترونية، حيث وصل إلى أكثر من 38 مليون هجمة، مقارنةً بـ13 مليونًا فقط في عام 2023.

هذا التضاعف الكبير يؤكد أن مصر دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، حيث باتت الجرائم لا تقتصر على محاولات الاختراق التقليدية بل تحوّلت إلى “مشاريع إجرامية” كاملة تستخدم أدوات معقدة وتوظف الهندسة الاجتماعية بكفاءة عالية.

أمثلة حية على حرب الأموال الرقمية

لم تعد الحيل الإلكترونية مجرد قصص تحذيرية، بل أصبحت وقائع ملموسة تُسلط الضوء على حجم المشكلة؛ ففي مطلع عام 2025، كشفت الأجهزة الأمنية عن شبكة منظمة تدير منصة استثمارية وهمية أُطلق عليها اسم “Future Rise”، نجحت في الاحتيال على مئات المواطنين وجمعت منهم أكثر من 150 مليون جنيه بزعم تحقيق عوائد استثمارية خيالية.

لم يكن الضحايا مجرد أفراد عاديين، بل شملت خسائرهم موظفين وأصحاب أعمال وأسرًا كاملة باعت ممتلكاتها أو اقترضت لتشارك في ما ظنته فرصة العمر.

وفي حادثة أخرى، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط شبكة إلكترونية منظمة استهدفت المواطنين عبر منصة استثمارية وهمية باسم “VSA”، واستولت منهم على 32 مليون جنيه. استخدمت العصابة طرقًا احتيالية محترفة، وأوهمت الضحايا بأنها تعمل بالشراكة مع شركات كبرى، مما أدى إلى تورط 58 مواطنًا في هذه العملية الإجرامية.

كما هزت واقعة أخرى الثقة بالقطاع المصرفي، بعد أن اضطر أحد أكبر البنوك المصرية في أواخر عام 2025 إلى إطلاق حملات توعية مكثفة بعدما تعرض مئات العملاء لمحاولات انتحال هويته عبر تقنيات متطورة.

لم تعد تلك المحاولات تقتصر على الرسائل النصية المعتادة، بل امتدت إلى مكالمات صوتية تستنسخ لهجة موظفي خدمة العملاء بدقة، وتستدرج الضحايا للإفصاح عن بياناتهم البنكية وكلمات المرور الخاصة بهم، مما أدى إلى خسائر مالية ضخمة.

هذه الأمثلة ليست سوى غيض من فيض. فوفقًا لتقارير حديثة، تجاوزت خسائر القطاع المصرفي من عمليات الاحتيال والتصيد الاحتيالي في النصف الأول من عام 2025 نحو 800 مليون جنيه وهذا الرقم لا يمثل سوى الحالات التي تم الإبلاغ عنها وتوثيقها، في حين يبقى الجزء الأكبر من الخسائر غير المعلنة أكبر بكثير.

تهديد للتحول الرقمي

تتجاوز فاتورة الجرائم الإلكترونية مجرد الأموال المسروقة لتفرض تكاليف خفية أثقل على الاقتصاد الوطني؛ فكل عملية احتيال ناجحة تزرع الشك في نفوس الأفراد، مما يدفعهم للتردد في استخدام الخدمات الرقمية والدفع الإلكتروني.

هذا التردد يتباطأ معه معدلات الشمول المالي، ويضعف من مكاسب التحول الرقمي التي تعتبرها الدولة أساساً للنمو.

إضافة إلى ذلك، فإن الخسائر لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى المؤسسات التي تضطر لضخ استثمارات ضخمة في أنظمة الأمان السيبراني وبرامج التوعية، وهو ما يضيف أعباء مالية غير مباشرة على القطاع المصرفي. هذه التكلفة، ورغم ضرورتها، تُعد ضريبة إضافية على النظام المالي ككل.

استراتيجية شاملة

أكد وليد عبد المقصود، خبير أمن المعلومات، أن حماية مستقبل الشمول المالي في مصر من التهديدات المتزايدة للجرائم الإلكترونية يتطلب تبني استراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين تعزيز البنية التحتية الدفاعية للمؤسسات المالية، وتكثيف الوعي الرقمي لدى المستخدمين، وتحديث الأطر التشريعية لمواجهة التهديدات الجديدة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

شدد عبد المقصود على ضرورة أن تتبنى المؤسسات المالية في مصر إطار حوكمة وأمن “إلزامي وقابل للقياس”، يبدأ من مجلس الإدارة وينتهي بالعمليات اليومية, مشددا على أن هذا الإطار يجب أن يتبنى بشكل كامل إطار الأمن السيبراني المالي الصادر عن البنك المركزي المصري (EGY-FIN CSF)، مع ربطه بمؤشرات أداء واضحة.

وأضاف أن ذلك يجب أن يتكامل مع ضوابط المدفوعات الفورية (IPN) التي تتطلب إجراءات خاصة نظراً لسرعة التسوية على مدار الساعة.

وفيما يخص الطبقات الدفاعية التقنية، أوضح عبد المقصود أن المؤسسات يجب أن تعتمد على نهج “عدم الثقة” (Zero-Trust)، مع استخدام تقنيات التحقق المتعدد العوامل (MFA) التي تتكيف مع سلوك المستخدم، وتحليل المعاملات بشكل لحظي للكشف عن أي أنشطة مشبوهة.

ودعا إلى تعزيز حماية قنوات الاتصال من هجمات التصيد والرسائل النصية الاحتيالية، والتكامل مع شركات المحمول لمكافحة عمليات تبديل الشريحة (SIM-Swap) التي تسبق الكثير من عمليات الاحتيال.

أشار الخبير إلى أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص تلعب دوراً حيوياً في هذا السياق، مؤكداً ضرورة إنشاء مركز لتبادل معلومات التهديدات المالية (Financial-ISAC) تحت إشراف البنك المركزي ومركز الاستجابة للطوارئ السيبرانية (EG-CERT)، موضحا أن هذا المركز سيسمح بتبادل التنبيهات المبكرة وأنماط الاحتيال المستجدة، وتنظيم تمارين محاكاة مشتركة لتعزيز الجاهزية.

“الوعي الرقمي الجماعي”: حماية خط الدفاع الأخير

أكد عبد المقصود أن المستخدم هو خط الدفاع الأخير في مواجهة الجرائم الإلكترونية، ولذلك يجب على الحكومة والجهات المعنية اتخاذ خطوات ملموسة لإنشاء “وعي رقمي جماعي” فعال. من أبرز هذه الخطوات:

 – منهج وطني للمحو الأمّي الرقمي السيبراني: يجب أن يشمل هذا المنهج طلاب المدارس والجامعات والموظفين الحكوميين، عبر مواد تعليمية قصيرة ومحدثة باستمرار.

 – رسائل تحذير موحدة: ضرورة إطلاق رسائل تحذير مركزية عبر شركات المحمول ومنصات الدفع عند رصد موجات احتيال واسعة النطاق.

 – مركز بلاغات موحد: إنشاء مركز بلاغات يعمل على مدار الساعة، يدمج بين تقديم البلاغ الجنائي، وتجميد المعاملات، والتواصل مع مزودي الخدمات، مع نشر إحصاءات دورية لزيادة الشفافية.

وعن التحديات، أشار عبد المقصود إلى مشكلة “تطبيع المخاطر” لدى المستخدمين وسرعة تغير تكتيكات المحتالين. وأوضح أن التغلب على ذلك يتطلب محتوى توعوي بالعامية المصرية وأمثلة محلية حية. كما دعا إلى تجاوز “فجوة الثقة” من خلال تسهيل عملية الإبلاغ وتوفير تسويات سريعة للضحايا.

وفيما يتعلق بالتهديدات الجديدة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل “التزييف العميق” (Deepfake) واستنساخ الصوت، أكد عبد المقصود على ضرورة الاستعداد التنظيمي والتشريعي. ودعا إلى:

  • إنشاء وحدة وطنية لاكتشاف المحتوى الاصطناعي الخبيث داخل مركز EG-CERT، تتكامل مع البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية، وتعمل على تعقب المحتوى الاحتيالي وحظر المواقع والحسابات المتورطة.
  • تفعيل قانون حماية البيانات الشخصية (PDPL) بشكل كامل فور صدور لائحته التنفيذية، مع الاستعداد المسبق لمتطلباته مثل تعيين مسؤول حماية بيانات (DPO) ووضع آليات للإبلاغ عن الخروقات.
  • تحديث قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (175/2018) ليشمل تعريفات واضحة للمحتوى الاصطناعي المضلل، وصلاحيات سريعة لـ”الإنزال الرقمي” للمواقع الاحتيالية، وإرشادات ملزمة لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.

في ختام حديثه، قدم خبير أمن المعلومات خلاصة تنفيذية سريعة بـ10 تحركات عاجلة يجب إنجازها خلال 180 يومًا، تتصدرها تفعيل مجلس تنسيق سيبراني مالي، وإطلاق مركز تبادل المعلومات، وتوحيد آليات مكافحة الاحتيال، مع التأكيد على أهمية التدريب المستمر للموظفين وإعداد بروتوكولات موحدة لمواجهة الجرائم الناشئة.

معركة وعي مجتمعي

لقد أثبتت هذه الأزمات المتصاعدة أن مواجهة الجرائم الإلكترونية ليست مجرد معركة تقنية تُخاض في مراكز البيانات والشبكات، بل هي بالأساس معركة وعي مجتمعي؛ فمهما بلغت أنظمة الأمان من قوة، يظل خط الدفاع الأخير هو المستخدم نفسه.

لذلك، يجب أن تكون الجهود المؤسسية في مكافحة الجريمة الإلكترونية مصحوبة بحملات تثقيفية مستمرة تستهدف كل مواطن يحمل هاتفًا ذكيًا كون ذلك مسؤولية مشتركة تتطلب توحيد الجهود بين البنوك والجهات الأمنية والمواطنين أنفسهم، فالمعركة ضد هذا العدو غير المرئي تُخاض في كل شاشة وكل مكالمة، والخسائر لن تتوقف إلا بوعي جماعي يحمي مستقبل مصر الرقمي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24667

موضوعات ذات صلة

تنويع أدوات وأسواق التمويل لتوسيع قاعدة المستثمرين

المحرر

أكبر مجمع لصناعات الأغذية الزراعية بالسادات « مافي»

المحرر

حنان رمسيس: التطبيقات الذكية تعيد المتداولين إلى البورصة

إشادات دولية بوفرة النقد الأجنبي وانتعاش الجنية

المحرر

فتح الأسواق الأوروبية أمام صادرات مصر من الأسماك

المحرر

سوق السيارات في مصر.. تخفيضات قياسية لا تحرك المياه الراكدة

محرر الموقع