اقتصاد وأعمال

1.3 مليار دولار لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات

 

أحمد كامل 

تقترب مصر من الحصول على حزمة تمويل جديدة من صندوق النقد الدولي، في وقت يدخل فيه برنامج الإصلاح الاقتصادي مرحلة أكثر حساسية، بعدما فرضت التوترات الإقليمية ضغوطًا إضافية على موارد النقد الأجنبي، خصوصًا مع تراجع إيرادات قناة السويس.

وأعلنت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، أن الصندوق يستعد لعرض مقترح أمام مجلسه التنفيذي لإتاحة تمويل لمصر بنحو 1.3 مليار دولار من خلال «تسهيل الصلابة والاستدامة»، وذلك بالتوازي مع استكمال الترتيبات الخاصة بالمراجعة الرابعة لبرنامج «تسهيل الصندوق الممدد».

وكان التمويل الجديد لا يزال في انتظار موافقة المجلس التنفيذي وقت نشر التصريحات.

ولا يمثل مبلغ الـ1.3 مليار دولار زيادة مباشرة في برنامج التمويل الأساسي، إذ يندرج ضمن أداة مختلفة تستهدف مساعدة الدول على مواجهة مخاطر طويلة الأجل، فيما كانت مصر تنتظر كذلك موافقة المجلس على صرف نحو 1.2 مليار دولار مرتبطة بالمراجعة الرابعة للبرنامج الأساسي.

برنامج الإصلاح يدخل مرحلة جديدة

يأتي التمويل المرتقب في إطار برنامج أوسع بدأ في ديسمبر 2022 بقيمة أولية بلغت 3 مليارات دولار، قبل أن يوافق الصندوق في مارس 2024 على زيادة البرنامج إلى نحو 8 مليارات دولار، في ظل اتساع الضغوط على الاقتصاد المصري.

وكان صندوق النقد قد توصل في ديسمبر 2024 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الرابعة، بما يتيح لمصر الحصول على نحو 1.2 مليار دولار حال موافقة المجلس التنفيذي. وفي الوقت نفسه، اتفق الجانبان على إعادة معايرة مسار ضبط المالية العامة، بما يتيح مساحة أكبر للإنفاق على البرامج الاجتماعية مع الحفاظ على استدامة الدين.

وتكشف هذه الخطوة عن تغير في طريقة التعامل مع البرنامج؛ فالصندوق لا يتعامل مع الإصلاحات باعتبارها مسارًا جامدًا، وإنما يسمح بتعديل توقيت بعض الإجراءات بما يتلاءم مع الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد، مع الإبقاء على الأهداف الأساسية للبرنامج.

لماذا تحتاج مصر إلى التمويل؟

 تأتي أهمية التمويل الجديد في توقيت تواجه فيه مصر ضغوطًا على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، فقد أدت أزمة البحر الأحمر إلى تراجع حاد في إيرادات قناة السويس، في وقت تمثل فيه القناة مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي.

وأكدت غورغييفا أن الصندوق يدرك أن هذا التراجع نتج عن عوامل خارجة عن سيطرة مصر، وهو ما دفع إلى إعادة النظر في مسار تنفيذ بعض الإصلاحات.

وفي المقابل، تحسنت قدرة القطاع المصرفي على توفير العملة الأجنبية مقارنة بالمرحلة التي سبقت تحرير سعر الصرف في مارس 2024، بينما ارتفع صافي الاحتياطي الأجنبي إلى 47. مليار دولار بنهاية يناير 2025، مقابل 47.11 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2024، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

لكن ارتفاع الاحتياطي لا يلغي الحاجة إلى معالجة الأسباب الهيكلية لضغوط العملة، وعلى رأسها زيادة موارد الدولة من التصدير والسياحة والاستثمار وتحويلات المصريين في الخارج، إلى جانب الحد من الفجوة بين احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي والموارد المتاحة.

في الاتجاه الصحيح

أبدت غورغييفا تقييمًا إيجابيًا للإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية، مؤكدة أن الصندوق يشعر بالارتياح تجاه حزمة الإصلاحات، وأن الأهداف الأساسية للبرنامج لم تتغير رغم إعادة ضبط مسار التنفيذ.

وتتمثل إحدى أهم ركائز البرنامج في الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، بالتوازي مع تشديد السياسة النقدية والمالية، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص.

وكان صندوق النقد قد أكد عند زيادة حجم البرنامج إلى 8 مليارات دولار أن الخطة الاقتصادية المصرية تستهدف دعم الاستقرار واستعادة الثقة، مع خفض الاستثمار العام وإجراء إصلاحات تساعد القطاع الخاص على أن يصبح محركًا أساسيًا للنمو.

 التمويل ليس حلًا لمشكلة النمو

ورغم أهمية التمويل الخارجي في دعم السيولة وتعزيز الثقة، فإن أثره الاقتصادي لا يتوقف على قيمة الأموال التي تدخل الخزانة أو الاحتياطي، وإنما يرتبط بما إذا كانت الإصلاحات المصاحبة ستؤدي إلى تغيير هيكل الاقتصاد.

فزيادة الاقتراض الخارجي يمكن أن تمنح الاقتصاد مساحة مؤقتة للتحرك، لكنها لا تعالج بمفردها مشكلة ضعف الإنتاج أو ارتفاع فاتورة الواردات أو الحاجة إلى موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

ولهذا تركز الإصلاحات المرتبطة بالبرنامج على تحسين بيئة الأعمال، وزيادة الإيرادات المحلية، وتسريع برنامج التخارج من بعض الأصول، وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص بين الشركات التابعة للدولة والقطاع الخاص، وهي ملفات يضعها الصندوق في صدارة أولويات المرحلة المقبلة.

النمو يتعافى لكن الطريق لا يزال صعبًا

وفي الوقت الذي تواجه فيه مصر ضغوطًا خارجية، بدأت مؤشرات النشاط الاقتصادي في التحسن.

فقد سجل الاقتصاد نموًا بنحو 3.5% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025، بعد أن تباطأ النمو إلى 2.4% خلال العام المالي 2023/2024، وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

لكن الصندوق يرى أن استمرار التعافي يحتاج إلى إصلاحات أعمق ترفع الإنتاجية وتزيد قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع، خصوصًا أن جزءًا من التحديات الحالية لا يرتبط فقط بالسيولة أو سعر الصرف، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد نمو حقيقي ومستدام.

صدمات المنطقة تضاعف أهمية الإصلاح

وتزداد صعوبة المهمة الاقتصادية مع استمرار التوترات في المنطقة، التي أثرت على حركة التجارة والسياحة وقناة السويس.

وترى غورغييفا أن استقرار الأوضاع الإقليمية، ولا سيما التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، يمكن أن يخفف جزءًا من الضغوط الواقعة على اقتصادات المنطقة، كما أن تهدئة التوترات الأمنية قد تساعد على استعادة النشاط الاقتصادي تدريجيًا.

وفي المقابل، تحمل التحولات العالمية تحديات إضافية، خصوصًا مع السياسات التجارية التي قد تتبعها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما يدفع دول المنطقة، بحسب غورغييفا، إلى التركيز بدرجة أكبر على تعزيز قدراتها المحلية وتنويع اقتصاداتها.

من تمويل الأزمة إلى تمويل التحول

وتكشف الحزمة الجديدة من صندوق النقد عن طبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد المصري: لم تعد القضية الأساسية هي توفير تمويل عاجل لسد فجوة قصيرة الأجل فحسب، وإنما استخدام فترة الاستقرار النسبي لإعادة بناء مصادر أكثر استدامة للنمو والعملات الأجنبية.

ومن هنا تبرز أهمية أن تتحول الإصلاحات إلى زيادة فعلية في الإنتاج والصادرات والاستثمار الخاص، وأن يصبح التمويل الخارجي أداة مساندة لعملية التحول الاقتصادي، وليس بديلًا عنها.

وبينما يوفر برنامج صندوق النقد مظلة مالية مهمة لمصر في مواجهة الصدمات، يبقى الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على تقليل اعتماده على التمويل الخارجي، وزيادة موارده الذاتية من النشاط الإنتاجي والتصديري، وتحويل الاستقرار النقدي والمالي إلى نمو يشعر به الاقتصاد الحقيقي.

دعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط

 وفي تصريحاته لـ “صوت البلد”, يرى الخبير الاقتصادي ومدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية الدكتور مصطفى أبو زيد، أن التمويل المرتقب من صندوق النقد الدولي يمكن أن يمثل عامل دعم مهمًا للاقتصاد المصري في ظل الضغوط التي فرضتها التطورات الإقليمية، خصوصًا تراجع إيرادات قناة السويس وتداعياته على تدفقات النقد الأجنبي.

وقال إن إتاحة 1.3 مليار دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، بالتزامن مع المضي قدمًا في المراجعة الرابعة لبرنامج الإصلاح، من شأنها تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية ودعم موقف الاحتياطي النقدي، مشيرًا إلى أن أهمية التمويل لا تقتصر على قيمته، وإنما تمتد إلى ما يمثله استمرار البرنامج من إشارة إيجابية للمؤسسات المالية والمستثمرين بشأن قدرة مصر على مواصلة الإصلاحات.

وأضاف أبو زيد أن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه التمويل والإجراءات الإصلاحية نحو دعم النشاط الإنتاجي وزيادة الاستثمارات، بالتوازي مع تحسين قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، سواء عبر الصادرات أو السياحة أو الاستثمار الأجنبي المباشر.

وأشار إلى أن استقرار سوق الصرف وتحسن المؤشرات النقدية يمثلان عنصرين أساسيين لتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للنمو، موضحًا أن استمرار تراجع الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة قد يفتح المجال أمام تحول تدريجي في السياسة النقدية، بما يسمح بخفض تكلفة التمويل وتحفيز الطلب على الائتمان.

وأوضح أن انخفاض أسعار الفائدة، إذا سمحت به الظروف النقدية، يمكن أن ينعكس على الاستثمار والإنتاج من خلال خفض تكلفة الاقتراض أمام الشركات، بما يدعم التوسع في المشروعات وخلق فرص عمل جديدة، مؤكدًا أن الهدف الأهم من الإصلاحات يجب أن يكون الانتقال من معالجة الضغوط قصيرة الأجل إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24619

موضوعات ذات صلة

مصر تستضيف قادة السياحة العالميين رغم التوترات الإقليمية

نجوى سليم

تعرف على آخر أسلحة البنك المركزي لمواجهة التضخم

سوق السيارات في مصر.. تخفيضات قياسية لا تحرك المياه الراكدة

محرر الموقع

الحفني: التعاون الدولي يدعم مستقبل الطيران الذكي

محرر الموقع

تقرير ماستركارد: الاقتصاد العالمي يتعافى والنمو مستمر 2025

المحرر

تراجع في أسعار الأسمنت بفعل زيادة المعروض

المحرر