اقتصاد وأعمال

الطاقة المتجددة تتحول إلى رهان اقتصادي عالمي

 

أحمد كامل 

لم تعد الطاقة الجديدة والمتجددة تُطرح عالميًا باعتبارها استجابة بيئية فقط لمواجهة تغير المناخ، وإنما تحولت بصورة متزايدة إلى فرصة اقتصادية وأداة لتعزيز أمن الطاقة، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود وتقلب أسواق الطاقة وتداعيات التوترات الجيوسياسية.

وتكشف أحدث البيانات الدولية عن تسارع لافت في هذا التحول؛ فقد سجلت إضافات الطاقة المتجددة عالميًا مستوى قياسيًا خلال 2025، مع تصدر الطاقة الشمسية مشهد التوسع. ووفق وكالة الطاقة الدولية، ارتفعت القدرات المتجددة المضافة خلال العام إلى نحو 800 جيجاوات، واستحوذت الطاقة الشمسية على أكثر من ثلاثة أرباع هذه الإضافات. كما ساهمت الطاقة الشمسية بأكثر من 25 بالمئة من الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة، للمرة الأولى التي تتصدر فيها تقنية متجددة حديثة نمو إمدادات الطاقة عالميًا.

وتعزز هذه الأرقام الجانب الاقتصادي للتحول، إذ تشير البيانات المتاحة إلى استمرار تفوق الطاقة المتجددة من حيث تكلفة توليد الكهرباء الجديدة، بينما أصبحت الشمس والرياح من أكثر مصادر الكهرباء الجديدة تنافسية عالميًا.

وفي هذا السياق، أكد عضو البرلمان العالمي للبيئة، الدكتور وفيق نصير، في تصريحات خاصة لـ “صوت البلد”, أن العالم بات ينظر إلى الطاقة الجديدة والمتجددة، خاصة الشمس والرياح، باعتبارها فرصة اقتصادية كبرى، وليس مجرد أداة لمواجهة التغير المناخي.

وأوضح نصير أن انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية واتساع نطاق استخدامها، إلى جانب النمو القياسي الذي شهدته الطاقة المتجددة خلال 2025، يعكسان تحولًا في طبيعة النظرة العالمية إلى مصادر الطاقة النظيفة.

وأشار إلى أن الطاقة الشمسية وحدها ساهمت في أكثر من ربع الزيادة العالمية في الطلب على الطاقة خلال 2025، وهو ما يعكس تنامي دورها في تلبية الاحتياجات المتزايدة للطاقة.

3 أهداف تقود التحول

ويرى نصير أن توجه الدول نحو الطاقة المتجددة تحركه ثلاثة أهداف رئيسية، في مقدمتها الحصول على كهرباء أرخص وأكثر أمانًا وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، خاصة في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

ويتمثل الهدف الثاني في خلق صناعات جديدة وفرص عمل مرتبطة بسلاسل القيمة للطاقة النظيفة، بدءًا من تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات، وصولًا إلى السيارات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها.

أما الهدف الثالث فيرتبط بتحسين جودة الهواء والحد من التلوث، بما ينعكس على الصحة العامة ويقلل الآثار الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتلوث.

الشبكات والتخزين.. التحدي المقبل

ورغم النمو المتسارع للطاقة المتجددة، يلفت نصير إلى أن التحول لا يخلو من تحديات، وفي مقدمتها الحاجة إلى تطوير شبكات كهرباء أكثر كفاءة وقدرة على استيعاب القدرات الجديدة.

كما يبرز تخزين الطاقة باعتباره عنصرًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، لضمان استمرارية إمدادات الكهرباء عندما لا تكون الشمس متاحة أو عندما تتراجع سرعة الرياح.

وتؤكد التطورات العالمية أهمية هذا الجانب؛ فقد أصبحت بطاريات تخزين الكهرباء أسرع تقنيات قطاع الطاقة نموًا خلال 2025، مع إضافة نحو 110 جيجاوات من قدرات التخزين خلال العام.

الحروب تعيد تشكيل خريطة الطاقة

ويربط نصير بين تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة وبين التوترات الجيوسياسية والحروب التي أعادت ملف أمن الطاقة إلى صدارة أولويات الحكومات.

وفي أوروبا، أدى الاعتماد السابق على الغاز الروسي إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة، وفي مقدمتها مبادرة REPowerEU التي تستهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي وتسريع نشر مصادر الطاقة المتجددة.

وفي الاتحاد الأوروبي، برز التحول بصورة أكبر خلال 2025، إذ وصلت مساهمة الشمس والرياح مجتمعتين إلى 30 بالمئة من توليد الكهرباء، متجاوزتين الوقود الأحفوري للمرة الأولى.

ويشير نصير كذلك إلى تجربة أوكرانيا، حيث ساهمت إضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة خلال الحرب في تعزيز مرونة منظومة الطاقة وتقليل مخاطر الاعتماد على مصادر محددة.

الشرق الأوسط ومصر.. سباق نحو الطاقة النظيفة

ولا تقتصر تداعيات التحولات الجيوسياسية على أوروبا، إذ يرى نصير أن التوترات في مناطق استراتيجية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر أظهرت مخاطر الاعتماد الكبير على الوقود المستورد، وهو ما يدفع دول المنطقة إلى تسريع استثماراتها في مصادر الطاقة النظيفة.

وفي مصر، تأتي خطط التوسع في الطاقة المتجددة ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وكانت الاستراتيجية تستهدف الوصول إلى أكثر من 42 بالمئة من الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة بحلول 2030، قبل أن تعمل الحكومة على تسريع الجدول الزمني إلى 45 بالمئة بحلول 2028.

وتتضمن خطط القطاع كذلك التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح وأنظمة تخزين الكهرباء، بالتوازي مع تطوير الشبكة بما يسمح باستيعاب القدرات الجديدة وتحقيق استفادة أكبر من مصادر الطاقة المتجددة.

كما تشهد دول أخرى في المنطقة، بينها الأردن والمغرب وتركيا، توسعًا في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في ظل توجه إقليمي لتنويع مصادر الطاقة وتقليل التعرض لتقلبات أسواق الوقود.

أمن الطاقة.. الدافع الأقوى

ويخلص نصير إلى أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة قدمت درسًا واضحًا للحكومات، مفاده أن الدول التي تمتلك مصادر طاقة محلية ورخيصة، مثل الشمس والرياح، تكون أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات أسعار الوقود.

ومن هذا المنظور، يرى أن أمن الطاقة أصبح أحد أقوى المحركات للتحول نحو الطاقة المتجددة، بعدما تجاوزت دوافع هذا التحول في بعض الحالات الاعتبارات البيئية وحدها، لتصبح الطاقة النظيفة جزءًا من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للدول.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24625

موضوعات ذات صلة

الجمارك 5 شروط للإفراج عن سيارات المعاقين

عملة ترامب.. ثورة اقتصادية أم فقاعة مضاربة؟

المحرر

مصر تتولى رئاسة لجنة إقليمية لأمن الطيران

محرر الموقع

التحول الرقمي يعزز مستقبل الطيران في مصر

محرر الموقع

سبعة محاور لتطوير التعليم والبحث العلمي في 2024-2025

سلوي عمار

تنويع أدوات وأسواق التمويل لتوسيع قاعدة المستثمرين

المحرر