ثقافة وأدبسليدر

كيف نستعيد متعة القراءة في زمن التشتت؟

لم تكن المعرفة بكافة أشكالها متاحة أمامنا بهذا القدر من قبل؛ فإذا أردت القراءة عن أي موضوع أو فكرة، ما عليك سوى البحث على الإنترنت، وستجد مئات الكتب والمقالات التي تتناول الموضوع من زوايا مختلفة، يمكنك الاطلاع عليها مجانًا وبدون أي جهد، إلا أن هذه الوفرة لم تنعكس بالضرورة لصالح معدلات القراءة، بل إن بعض الدراسات تشير إلى تراجع القراءة للمتعة، رغم اتساع نطاق المحتوى وسهولة الوصول إليه؛ فلماذا يجد معظمنا صعوبة في القراءة اليوم؟ وماذا يحدث في دماغنا عندما نقرأ كتابًا جيدًا؟ وكيف نختار الكتاب “المثالي” في هذا العصر؟ وهل يمكن أن ننتقل من مجرد القراءة إلى تغيير حقيقي؟

يجيب صبحي سالم عن هذه الأسئلة في كتابه “القراءة الذكية في زمن التشتت” الصادر حديثًا عن دار أزهى للنشر ، القاهرة ، والذي يُعد دليلًا عمليًّا لـ”القراءة بشكل مختلف”، حسبما ورد في مقدمة الكتاب، حيث يأخذنا إلى أعماق علم الأعصاب لفهم الأسباب التي جعلت التركيز أكثر صعوبة، ويقدم أنظمة ذكية لإدارة المعرفة بدلًا من تكديسها، إلى جانب فنون قديمة وحديثة تساعدنا على تحويل ما نقرؤه إلى معرفة قابلة للتطبيق، وأثر ملموس في حياتنا.

عوامل متباينة

بدايةً يُرجع المؤلف صعوبة القراءة اليوم إلى عوامل داخلية وخارجية؛ فالعوامل الداخلية ترتبط بالدماغ، وتأثير الاعتياد على المحفزات السريعة والمكافآت الفورية في قدرتنا على التركيز، حتى أصبحت القراءة الطويلة أكثر صعوبة، أما العوامل الخارجية، فتتمثل في البيئة الرقمية المحيطة بنا، من خوارزميات المنصات التي تتنافس على انتباهنا، إلى زيادة الاعتماد على الشاشات والعمل عن بُعد، وصولًا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتيح الوصول السريع إلى ملخصات الكتب ومعلوماتها.

ويفرِّق الكاتب بين القراءة السطحية والقراءة العميقة؛ فوفقًا لعالمة الأعصاب الإدراكية ماريان وولف، تعتمد الأولى على التصفح السريع واستخلاص المعلومات الأساسية، أما الثانية فتتطلَّب التمهل والتفاعل مع النص، وتنشِّط الذاكرة والخيال والتعاطف والتفكير النقدي، مشيرًا إلى أن القراءة العميقة تمكِّننا من تذكُّر ما نقرؤه وفهمه وتحليل أفكاره، في حين تخلق الملخصات الرقمية، سواء في صورة فيديوهات قصيرة أو مقالات موجزة أو إجابات من الذكاء الاصطناعي، وهمًا بالمعرفة؛ إذ تمنحنا شعورًا بأننا تعلمنا شيئًا دون أن نخوض عملية التعلم نفسها.

تنشّط الدماغ

ولا يقتصر تأثير القراءة العميقة على الذاكرة والفهم، بل يمتد إلى علاقتنا بالآخرين؛ حيث تتيح قراءة النصوص الأدبية الخيالية خاصة الروايات للقارئ محاكاة تجارب الشخصيات ومشاعرها، ما يسهم في تنمية قدرته على التعاطف معها؛ إذ أظهرت دراسات أُجريت في جامعة تورنتو أن الأشخاص الذين يقرؤون الروايات بانتظام سجلوا درجات أعلى في اختبارات التعاطف والذكاء العاطفي، وتدعم ذلك دراسة بالرنين المغناطيسي أُجريت في جامعة نيويورك، أشارت إلى أن قراءة جمل تصف أحاسيس جسدية أو مشاعر عاطفية تنشّط مناطق في الدماغ مرتبطة باختبار هذه الأحاسيس والمشاعر.

وفي ظل هذا الكم الهائل من الكتب، يستعرض الكاتب طريقة اختيار الكتاب “المثالي” للقارئ، من خلال مجموعة من المعايير التي تساعده على المفاضلة بين العناوين؛ بدءًا من قدرته على الصمود أمام اختبار الزمن، وصلته باحتياجات القارئ ومشكلاته الحالية، وموثوقية التوصيات التي يستند إليها، وصولًا إلى قابلية أفكاره للتطبيق، وعمقه الفكري، وما يضيفه من تنوع ثقافي وفكري، بالإضافة إلى جودة الكتابة، وفي النهاية، يترك الكاتب مساحة للحدس الشخصي، باعتباره عاملًا قد يساعد القارئ على اختيار الكتاب الذي يشعر بأنه أكثر اتصالًا باحتياجاته في تلك اللحظة.

طريقة متكاملة

ثم ينتقل الكاتب إلى الجانب العملي من القراءة، مستعرضًا مجموعة من التقنيات التي تساعد على تحقيق فهم أعمق والاستفادة ممَّا نقرؤه؛ منها تقنية “فاينمان”، التي تقوم على اختيار مفهوم وشرحه بكلمات بسيطة، ثم اكتشاف جوانب عدم الفهم والعودة إلى المصدر لمعالجتها، ونظام “SQ3R”، الذي يُعد طريقة متكاملة للقراءة النشطة، تبدأ باستكشاف الكتاب وطرح الأسئلة، ثم القراءة والشرح والمراجعة، كما يتناول “تدوين الهوامش” باعتباره وسيلة لتحويل القراءة إلى حوار مع الكتاب، من خلال تسجيل الملاحظات والتعليقات والروابط والأفكار التطبيقية.

وفي الفصل الأخير، يقدِّم لنا سالم مجموعة من الكتب الموصى بها وفقًا لأهداف القارئ، موضحًا أن هذه القوائم ليست مجرد مجموعة من الكتب الأكثر مبيعًا أو شيوعًا، وإنما اختيارات مدروسة، جرى تحديدها لخدمة أهداف حياتية ومعرفية محددة، مقسِّمًا إياها إلى ست فئات رئيسية تشمل النمو المهني والإنتاجية، والصحة النفسية والعاطفية، والإبداع والفكر، والقيادة وإدارة الذات، والتكنولوجيا والمستقبل، والرحلات الإنسانية، كما يوضح للقارئ كيفية الاستفادة من هذه القوائم، بدءًا من تحديد هدفه واختيار كتاب واحد، ثم قراءته بعمق وتطبيق ما يتعلمه قبل الانتقال إلى الكتاب التالي، ليذكّرنا بأن “الكتاب الأفضل هو الذي تقرؤه فعلاً، وليس الذي يبقى على القائمة أو الرف”.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26395

موضوعات ذات صلة

جلسة حوارية بمكتبة الإسكندرية:الاستقرار المالي والنمو المستدام

أيمن مصطفى

تل الكوع يعيد رسم الحياة في عصر الهكسوس

هدير عادل

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

سارة الدسوقى

الروسي أندريه ماكين يستعيد وحشية النظام الستاليني

المحرر

ندوة عربية تبحث أوضاع العمال المتقاعدين

صفاء الشاطر

افتتاح مركز طبي جديد بديرب نجم بتكلفة 700 ألف جنيه

محمد مرسي