اقتصاد وأعمالسليدر

خبير اقتصادي: قرار «فيتش» يجدد ثقة المستثمرين

«فيتش» تثبت تصنيف مصر الائتماني عند مستوى «B»

أكد د. عبد المنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن قرار وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني بتثبيت تصنيف مصر السيادي عند مستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة، يحمل رسائل اقتصادية هامة إلى الأسواق والمستثمرين على الصعيدين المحلي والدولي.

وأوضح أن الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في رفع درجة التصنيف، بل في تأكيد نجاح الاقتصاد المصري في الحفاظ على توازنه وقدرته على مواجهة الضغوط العنيفة والصدمات الإقليمية والدولية المتلاحقة، بالتزامن مع تحقيق تحسن ملموس في مؤشرات الاقتصاد الكلي وتدفقات السيولة بالنقد الأجنبي.

وأضاف السيد أن قرار الوكالة الصادر مؤخراً يأتي في سياق زمني مغاير تماماً للأعوام السابقة؛ حيث باتت مصر تمتلك مصدات مالية قوية واحتياطيات نقدية أجنبية بلغت مستويات تاريخية غير مسبوقة لتسجل نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر من عام 2026، مقارنة بمستويات منخفضة وشديدة الحرج في الفترات الماضية. كما أشار إلى قفزة صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي لتصل إلى نحو 31.2 مليار دولار في أغسطس 2026، وهو المعدل الأعلى المسجل منذ يناير 2020، ينقسم إلى 18.8 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري و12.4 مليار دولار لدى البنوك التجارية العاملة في السوق.

مؤشرات إيجابية

واستطرد رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية موضحاً أن هذه البيانات الرقمية لا تعكس مجرد نمو كمي في حجم الاحتياطيات المتاحة، بل تبرهن على تحول هيكلي نوعي يرتبط بقدرة الجهاز المصرفي على توفير السيولة بالعملة الصعبة وامتصاص الهزات الخارجية المفاجئة، حيث يعتبر صافي الأصول الأجنبية من أهم المعايير القياسية الدالة على سلامة وقوة المركز الخارجي للمنظومة المصرفية؛ إذ يسهم تحسن هذا المركز طردياً في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على تلبية متطلبات التجارة الخارجية، وسداد الالتزامات الدولية في مواعيدها المقررة، وتسهيل تحويلات أرباح المستثمرين الأجانب، وتمويل عمليات استيراد السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج.

د. عبد المنعم السيد

وأشار التقرير الصادر عن وكالة فيتش إلى أن التصنيف الائتماني الحالي لمصر يستند إلى مقومات أساسية، أبرزها قوة النمو الاقتصادي، وضخامة حجم الاقتصاد المحلي مقارنة بالدول المماثلة المصنفة ضمن نفس الفئة التمويلية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم استمرار تدفق الدعم المالي من الشركاء الدوليين والإقليميين في تعزيز الموقف المالي للدولة. وفي هذا الصدد، أكد د. عبد المنعم السيد أن المرونة التي أبداها الاقتصاد المصري مكنته من امتصاص الصدمات الجيوسياسية الحادة في المنطقة دون التعرض لاستنزاف ضخم في الاحتياطيات النقديّة، أو حدوث انهيار في منظومة توفير النقد الأجنبي.

وفي سياق الأرقام الرسمية المشجعة، سجل الاقتصاد المصري معدل نمو حقيقي بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/ 2026، مقارنة بنحو 4.4% في العام المالي السابق له، حيث جاء هذا الصعود مدفوعاً بنشاط ملحوظ في قطاعات الإنتاج والخدمات، والنمو الإيجابي لعائدات قطاع السياحة والصناعات التصديرية، جنباً إلى جنب مع استقرار معدلات الاستهلاك المحلي. وفي المقابل، تتوقع وكالة فيتش استمرار مسار النمو خلال العام المالي المقبل 2026/ 2027، وإن يكن بوتيرة أكثر اعتدالاً واستقراراً لتبلغ نحو 4.7%.

تحديات قائمة

ومع ذلك، شدد د. عبد المنعم السيد على أهمية تبني قراءة اقتصادية موضوعية ودقيقة لتقرير وكالة “فيتش” دون الاكتفاء بالنظر إلى الجوانب الإيجابية فقط؛ فالإبقاء على التصنيف عند مستوى «B» يوضح صراحة أن الدولة لا تزال تواجه مخاطر ائتمانية مرتفعة نسبياً بأسواق المال العالمية. وبناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي والملح للمرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في مجرد الحفاظ على حجم الاحتياطي النقدي الحالي، بل يتطلب تحويل هذا التحسن الملموس في مستويات السيولة الخارجية إلى طاقة نمو مستدام تدعم مجالات الاستثمار والإنتاج والتصدير الحقيقي.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن النظرة المستقبلية تتطلب تسريع وتيرة التحول في السياسات الاقتصادية نحو تمكين القطاع الخاص، وتحفيز رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وهو التوجه الذي تعمل عليه الدولة حالياً برفع مساهمة القطاع الخاص لتصل إلى 65% من إجمالي حجم الاستثمارات الكلية للدولة. وأوضح السيد أن زيادة الاحتياطيات الأجنبية لا يجب التعامل معها كهدف نهائي مستقل، وإنما ينبغي أن تترجم كإحدى النتائج الطبيعية لبناء اقتصاد إنتاجي مستدام يولد العملة الصعبة ذاتياً عبر تنمية الصادرات السلعية، وتنشيط السياحة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعظيم تحويلات العاملين بالخارج، وتطوير الخدمات اللوجستية وعائدات قناة السويس.

ويمثل الاستثمار الأجنبي المباشر محور الارتكاز في هذا التحول؛ نظراً لوجود فارق جوهري وبنيوي بين تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) التي تلاحق العوائد المرتفعة السريعة وتنسحب فجأة، وبين الاستثمارات المباشرة التنموية التي تؤسس المصانع، وتنفذ المشروعات الإنتاجية، وتتيح فرص عمل حقيقية للشباب، وتزيد القدرات الإنتاجية المحلية، مما يولد حصيلة تصديرية مستقرة بالعملة الأجنبية.

نمو مستدام

وتابع السيد بالإشارة إلى أن مصر تمضي في مواصلة حزمة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية الرامية لرفع مستويات الكفاءة التنافسية، وتهيئة مناخ أعمال جاذب للقطاع الخاص، مع التركيز المكثف على الصناعات كثيفة العمالة، ونقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة، والقطاعات الصناعية التصديرية. مشيراً إلى أن هذا الاتجاه الاستراتيجي يُعد هو الأكثر أهمية لتأمين مستقبل الاقتصاد، والانتقال الفعلي من مرحلة “إدارة نقص العملة الأجنبية” إلى مرحلة “إنتاج العملة الأجنبية”.

كما أكد أن عملية تمكين القطاع الخاص لا تقتصر على طرح حصص في الشركات الحكومية أو تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاستثمارية فحسب، بل يجب أن تقترن بإجراءات جذرية لتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الخطوات البيروقراطية، وتسريع إصدار التراخيص، وضمان استقرار السياسات التشريعية والضريبية، وتوفير الأراضي الصناعية المرفقة بأسعار تنافسية، وتسهيل سبل التمويل، وتعزيز قواعد المنافسة العادلة في السوق. لافتاً إلى أن المستثمر يبحث دائماً عن وضوح الرؤية والقدرة على التخطيط الاستراتيجي لمدد طويلة تتجاوز عشر سنوات، وضمان مرونة تحويل الأرباح واستقرار القواعد القانونية المنظمة لعمله.

واختتم د. عبد المنعم السيد حديثه بالإشارة إلى أن تثبيت التصنيف الائتماني ليس دليلاً على انتهاء المهمة الاقتصادية، بل هو إقرار بزيادة صلابة الاقتصاد بوجه الأزمات. موضحاً أن الخطوة التالية تكمن في استثمار هذه المصدات لبناء نموذج اقتصادي إنتاجي تنافسي، ينعكس بشكل ملموس على المواطن عبر خفض معدلات التضخم وأسعار السلع والخدمات الأساسية، وتحسين القوة الشرائية للدخل المتاح، تحقيقاً لعوائد التنمية المستدامة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=26692

موضوعات ذات صلة

بيراميدز يصطدم بحلم الاحتراف الأوروبي

محمد عطا

بلجيكا تنتزع التأهل من أنياب السنغال

محمد عطا

الوادى الجديد : طفرة لتطوير الطرق والميادين في الفرافرة

أحمد الفاروقى

الاستيراد والتصدير .. تيسيرات للتبادل التجارى

المحرر

مجزر فاقوس المطور بالشرقية

أيمن مصطفى

أحمد العوضي: لم أخلف وعدي مع جمهوري

أحمد عاشور