ثقافة وأدبسليدر

شارع الفن يعيد إلى وسط القاهرة نبضها القديم

في وسط القاهرة، لا يبدو “شارع الفن” مجرد مشروع ثقافي جديد، بل محاولة لإيقاظ ذاكرة مدينة اعتادت أن تصنع الدهشة من تفاصيلها اليومية. هنا، بين واجهات قديمة تحفظ ملامح القاهرة الخديوية، وممرات عرفت صخب التجارة والصحافة والمقاهي ودور السينما، يخرج الفن من عزلته الهادئة إلى قلب الشارع، ليقابل الناس في طريقهم العادي. يتحول العابر إلى مشاهد، والممر إلى مسرح، والمدينة إلى لوحة مفتوحة يتداخل فيها الصوت واللون والحركة مع نبض الحياة اليومية.

انطلق المشروع في منطقة مثلث البورصة وشارع الشريفين بوسط البلد، ضمن تعاون بين محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون التابعة لوزارة الثقافة، في إطار رؤية تسعى إلى إعادة الفن إلى المجال العام، وفتح مساحات مباشرة بين الفنان والجمهور. ولا تقوم الفكرة على تقديم عروض احتفالية عابرة فحسب، بل على إعادة تعريف الشارع بوصفه مساحة ثقافية حية، قادرة على استقبال الموسيقى والرسم والغناء والرقص والعروض الشعبية، بعيدًا عن القوالب التقليدية المغلقة.

مشهد حي

ومنذ انطلاق الفعاليات الأولى، بدا الشارع كأنه يستعيد لغة قديمة يعرفها جيدًا. فنانون يرسمون أمام الجمهور، موسيقى تنساب بين المارة، أصوات غناء تتجاور مع عروض الباليه، وفن العرائس، والكاريكاتير، والرسم على الأرض. كما حضرت الفنون التراثية المصرية عبر التنورة والتحطيب والرقص الفلاحي وصندوق الدنيا والأراجوز، في مشهد يجمع بين الذاكرة الشعبية والتعبير الفني المعاصر.

قوة المشروع تكمن في أنه لا ينتظر جمهورًا محددًا، بل يذهب إلى الناس حيث يوجدون. الطفل الذي يمر مع أسرته، والموظف العائد من عمله، والسائح، والطالب، ورواد المقاهي والمحال، جميعهم يجدون أنفسهم فجأة أمام تجربة فنية لا تحتاج إلى دعوة ولا تذكرة. هكذا يصبح الفن قريبًا من الناس، لا حدثًا بعيدًا عنهم، ويصبح الشارع مساحة للمشاهدة واللقاء لا مجرد طريق مزدحم.

وتمنح منطقة مثلث البورصة المشروع عمقًا خاصًا، لأنها ليست موقعًا عاديًا في وسط المدينة، بل مساحة محملة بتاريخ طويل من الحركة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد عرفت المنطقة البنوك والشركات والمقاهي والمكتبات ودور السينما والصحف، وكانت جزءًا أصيلًا من صورة القاهرة الحديثة. لذلك فإن تحويلها إلى مساحة للفن لا يعني إضافة نشاط ثقافي فقط، بل يعني إعادة قراءة المكان نفسه، ومنحه حضورًا جديدًا يحترم تاريخه ويعيده إلى الجمهور.

ولا ينفصل “شارع الفن” عن خطة أوسع لتطوير وسط القاهرة التاريخي. فقد شملت المرحلة الأولى إعادة تأهيل شارع الشريفين، وترميم واجهات العقارات المطلة عليه، وتحسين الأرضيات، وتحويله إلى ممر مخصص للمشاة. وتمتد المراحل التالية إلى ممر القاضي الفاضل وتفرعاته، ضمن تصور يستهدف جعل بعض مناطق وسط البلد أكثر ملاءمة للحركة الثقافية والسياحية والإنسانية.

تطوير حضري

ويمنح تخصيص بعض المسارات للمشاة بعدًا مهمًا للتجربة، لأن الفن يحتاج إلى شارع يمكن التوقف فيه، لا طريق يُدفع فيه الناس إلى العبور السريع. وعندما يهدأ إيقاع السيارات، تتسع المساحة أمام الموسيقى والعرض المسرحي والرسم الحي، ويتحول الرصيف إلى مكان للتأمل والمشاركة، لا مجرد حافة ضيقة على جانب الطريق.

ومن المنتظر أن تستمر الفعاليات بصورة أسبوعية، خاصة أيام الخميس والجمعة والسبت، مع تخصيص ساعات المساء للعروض الفنية، بينما تبقى الفنون التشكيلية حاضرة على مدار الأسبوع. وهذا الانتظام يمنح المشروع طابعًا مستمرًا، ويخرجه من حدود المناسبة المؤقتة إلى برنامج ثقافي يمكن أن يصبح جزءًا من عادات رواد وسط البلد.

ويضيف مشروع “كشك الموسيقى والفنون” بعدًا آخر إلى المبادرة، إذ ينقل الاهتمام بالفن إلى الحدائق والمتنزهات العامة، عبر منصات صغيرة تستقبل المواهب الناشئة في الغناء والعزف والفنون البصرية. وتمنح هذه الأكشاك الفنانين الشباب مساحة اختبار حقيقية أمام الجمهور، وتساعدهم على اكتساب الخبرة من التفاعل المباشر، بدلًا من انتظار فرصة بعيدة داخل المؤسسات التقليدية.

برنامج دائم

وتعيد هذه الفكرة إلى الأذهان دور الحدائق العامة في الحياة الثقافية للمدن، حين كانت مكانًا للموسيقى والاحتفال والمشاهدة، لا مساحة للراحة فقط. وفي مدينة كبيرة مثل القاهرة، تبدو الحاجة ملحة إلى منافذ ثقافية قريبة من الناس، تعيد للفضاء العام روحه الاجتماعية والفنية.

وتبدو التجربة قابلة للانتقال إلى مدن أخرى، بعدما بدأت الفكرة تظهر في مواقع مثل شارع النبي دانيال بالإسكندرية، مع إمكانية تطبيقها لاحقًا في محافظات مختلفة. غير أن نجاح التجربة في كل مدينة سيظل مرتبطًا بقدرتها على احترام خصوصية المكان؛ فالقاهرة لها ذاكرتها، والإسكندرية لها إيقاعها، ومدن الصعيد والساحل تحمل حكاياتها الشعبية والبصرية الخاصة.

وعلى المستوى العالمي، تنتمي فكرة “شارع الفن” إلى اتجاه متزايد في المدن الكبرى، يقوم على استعادة الشارع بوصفه مساحة ثقافية لا مجرد ممر مروري. ففي إدنبرة، تحولت الشوارع منذ منتصف القرن العشرين إلى منصات مفتوحة للعروض الفنية ضمن مهرجان “فرينج”، حتى صارت المدينة خلال أيام المهرجان عاصمة عالمية للفنون الأدائية. وفي نيويورك، منحت مبادرة “شوارع الصيف” الناس فرصة استخدام الطرق بعيدًا عن السيارات، عبر أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية تعيد العلاقة الإنسانية بين السكان والمدينة.

تجارب عالمية

وفي باريس، تظل ساحة “دو تيرتر” في حي مونمارتر نموذجًا كلاسيكيًا للفن في الهواء الطلق، حيث يرسم الفنانون أمام الزوار، وتصبح لحظة الإبداع نفسها جزءًا من تجربة المكان. أما عربيًا، فقد قدمت مدينة أبها السعودية تجربة لافتة من خلال “شارع الفن”، الذي جمع بين الفنون البصرية والموسيقى والمقاهي والممرات المفتوحة، وتحول إلى نقطة جذب ثقافي وسياحي.

لكن التجربة القاهرية تمتلك خصوصيتها، لأنها تنطلق من منطقة ذات رصيد تاريخي كثيف. فوسط البلد ليست مساحة تبحث عن هوية جديدة من الصفر، بل مكان يحمل ذاكرة المسرح والسينما والصحافة والمقاهي الثقافية والحياة السياسية والاقتصادية. لذلك تبدو عودة الفن إلى شوارعها أقرب إلى استئناف حوار قديم بين المدينة وسكانها.

ويقدم “شارع الفن” تصورًا مختلفًا لدور الثقافة في المدينة. فالثقافة هنا ليست نشاطًا منفصلًا عن الحياة اليومية، وليست رفاهية مؤجلة، بل فعل حاضر في الطريق والممر والرصيف وواجهة المبنى القديم. إنها صيغة تجعل الفن قريبًا من الناس، وتمنح المدينة مساحة للتنفس وسط إيقاعها الضاغط.

بهذا المعنى، لا تكتفي القاهرة بترميم واجهاتها، بل تحاول استعادة روحها. وبين مبانٍ تستعيد رونقها، وفنانين يلتقون الجمهور بلا حواجز، ومارة يتوقفون أمام عرض لم يكن في خطتهم، تتشكل صورة جديدة لمدينة تعرف أن الحياة لا تسكن الحجر وحده، بل في قدرة الشارع على أن يصبح مساحة للفرح، والذاكرة، والإبداع.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=18912

موضوعات ذات صلة

العدد 60 لـ«المسرح».. وجبة نقدية وفكرية دسمة

أيمن مصطفى

بين جدران الصمت.. معاناة الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس

المحرر

البابا تواضروس يدعم برامج التنمية الاجتماعية بالكنيسة

حازم رفعت

تحرك برلماني لوقف “رامز ليفل الوحش”

أيمن مصطفى

“صوت البلد ” تستعرض التشكيل الكامل للجان “الأعلى للثقافة”

أيمن مصطفى

مستقبل تقنيات علاج الأسنان والحلول الذكية

أيمن مصطفى