اقتصاد وأعمال

ما وراء الأرقام.. تشريح الاقتصاد العاطفي للمستهلك المصري

أحمد كامل

في شوارع القاهرة، لم تعد حسابات كثير من المصريين تُحسب بالورقة والقلم، بل بالمشاعر. يقول عامل بسيط: “لو نزلت الأسعار مش هشتري برضو… مبقتش مطمن”.. وفي هذا التصريح البسيط تكمن معادلة اقتصادية كاملة: القرار المالي للمصريين لم يعد يُبنى على العقل الحسابي بل على “عقل العاطفة”، حيث تتقدّم مشاعر الخوف، عدم اليقين، والقلق على منطق البيانات.

ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتكرار خفض العملة وارتفاع التضخم، بات سلوك المستهلك المصري معبّرًا عن اقتصاد نفسي خفي لا ترصده المؤشرات الكلية، لكنه يؤثر على كل مفصل من مفاصل الحياة اليومية.

سلوك المستهلك

في ظل التضخم الذي تخطى 30% خلال عام 2023، وانخفض إلى 14.9% في مايو 2025، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، اتجه كثير من المصريين إلى تخفيض حاد في أنماط الإنفاق، ليس بدافع الفقر وحده، بل بدافع الشعور بفقدان السيطرة على المستقبل المالي.

أظهرت دراسة استقصائية محلية أجرتها مؤسسة TGM للأبحاث أن 62% من الأسر المصرية غيّرت أنماطها الاستهلاكية كليًا في 2024، فيما قال أكثر من 50% إنهم باتوا يُفضّلون الشراء المؤجل (تقسيط، أو “اشتر الآن وادفع لاحقًا”) بسبب “شعورهم بعدم الأمان المالي”.

وفي نفس السياق، ارتفعت معدلات الاكتناز – خاصة للذهب – لدى فئات متوسطة الدخل بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق، وفق تقارير صادرة عن شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، في ظاهرة تعكس تحوّلًا من الاستهلاك إلى التحوّط العاطفي.

الأمان العاطفي مقابل العائد الاستثماري

لماذا لا يبيع المواطن ذهبًا اشتراه بأسعار مرتفعة رغم وصول الأسعار إلى ذروتها؟ ولماذا يفضّل كثير من المصريين الاحتفاظ بـ”شقة مغلقة” بدلًا من استثمارها أو بيعها؟ إنها ليست قرارات اقتصادية تقليدية بقدر ما هي مواقف وجدانية تستند إلى مفهوم الأمان العاطفي.

التقارير الصادرة عن البنك المركزي المصري تكشف أن ودائع الأسر في البنوك شهدت نموًا طفيفًا (3.2% في النصف الأول من 2024)، لكن الانخفاض الحاد في شهادات الاستثمار طويلة الأجل مقابل الارتفاع في حسابات التوفير قصيرة الأجل، يعكس نزعة إلى السيولة والاحتفاظ بالمتاح بدلًا من المجازفة.

السبب؟ ليس فقط التذبذب في أسعار الفائدة (التي وصلت إلى 25% للإقراض في يوليو 2025)، بل شعور دفين بأن المستقبل المالي “مضطرب”، ما يجعل القرار الاقتصادي يستند إلى رد فعل نفسي أكثر من تقييم عقلاني للمخاطر والعوائد.

الاقتصاد الرسمي لا يرصد

تُصدر الحكومة موازنات دقيقة، وتستعرض المؤشرات الكلية بشكل مستمر، لكن البيانات الرسمية لا ترصد هذا “الاقتصاد العاطفي الموازي” الذي يتحرك خارج الحسابات التقليدية.
 على سبيل المثال، لا توجد مؤشرات وطنية ترصد مستويات الثقة أو القلق الاقتصادي بين الأفراد.

ولا توجد قاعدة بيانات لسلوك المستهلك تجاه التقسيط أو اكتناز الذهب أو تفضيل “المترو على التاكسي” رغم القدرة على الدفع.

حتى استطلاعات الرأي حول الثقة في السياسات النقدية – والتي يجريها البنك المركزي بشكل داخلي – لا تُنشر علنًا، ما يترك فجوة كبيرة في فهم المحرّك الحقيقي وراء اختيارات المصريين الاقتصادية اليومية.

أسباب السلوك العاطفي في الإنفاق

يُعزى السلوك العاطفي في الإنفاق، الذي يغلب فيه الشعور على المنطق الاقتصادي، إلى عدة أسباب متداخلة في السياق المصري الحالي:

 * تآكل الثقة في المستقبل الاقتصادي: التكرار المستمر للأزمات الاقتصادية، وتذبذب سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، كلها عوامل تؤدي إلى شعور عام بعدم اليقين وفقدان القدرة على التنبؤ بالمستقبل المالي، مما يدفع الأفراد للتحوط بدلاً من التخطيط الاستثماري.

 * تجارب سابقة سلبية: يعاني المصريون من تراكم تجارب مريرة مع انخفاض قيمة العملة وتقلبات الأسعار، مما يجعلهم أكثر حذرًا وتحفظًا. حتى لو انخفضت الأسعار، يبقى “الشعور بعدم الأمان المالي” مسيطرًا، خوفًا من أن يكون الانخفاض مؤقتًا أو أن يتبعه ارتفاع أكبر.

 * البحث عن “الأمان العاطفي”: في ظل غياب الاستقرار الاقتصادي، يصبح الأفراد أكثر عرضة للقرارات التي توفر لهم شعورًا فوريًا بالأمان، حتى لو كانت غير مجدية اقتصاديًا على المدى الطويل. الاحتفاظ بالذهب أو العقارات غير المستغلة يعطي شعورًا بالاحتفاظ بالقيمة، حتى لو كانت هذه الأصول لا تدر عوائد مجزية.

 * صعوبة التخطيط للمستقبل: التقلبات الحادة في الأسعار والفائدة تجعل التخطيط المالي طويل الأمد أمرًا بالغ الصعوبة. يدفع هذا الأفراد إلى التركيز على السيولة والحفاظ على ما هو متاح لديهم، وتفضيل الودائع قصيرة الأجل على الاستثمارات طويلة الأجل.

 * الغياب الجزئي لمؤشرات “الثقة” الرسمية: عدم وجود مؤشرات واضحة ومعلنة تقيس مستويات الثقة أو القلق الاقتصادي لدى الأفراد يترك فجوة في فهم المحركات الحقيقية لسلوك المستهلك، مما يجعل الأفراد يعتمدون على شعورهم الداخلي أكثر من البيانات الرسمية التي قد لا تعكس واقعهم المعيشي.

 * الضغط الاجتماعي والنفسي: الأزمات الاقتصادية تولد ضغوطًا نفسية كبيرة على الأفراد والأسر, وهذه الضغوط يمكن أن تدفعهم لاتخاذ قرارات غير رشيدة اقتصاديًا، ولكنها تخفف من حدة القلق أو تعزز شعورهم بالسيطرة في بيئة تبدو خارجة عن السيطرة.

إنفاق استهلاكي غير عقلاني

بدوه، حذّر استشاري الصحة النفسية الدكتور وليد هندي، من تفشي ما وصفه بـ”الاقتصاد العاطفي” أو *التسوق العاطفي* لدى شرائح واسعة من المصريين، مشيرًا إلى أن الضغوط النفسية الناتجة عن التوتر ومشاكل العمل والخلافات الأسرية تدفع الكثيرين إلى إفراغ شحناتهم السلبية عبر الإنفاق الاستهلاكي غير العقلاني.

وأوضح هندي أن بعض الأفراد يلجأون إلى شراء سلع قد لا يحتاجونها -فقط لتحسين الحالة المزاجية- ويشعرون بلحظات من السعادة المؤقتة مع كل عملية شراء، ما يفسر تراكم منتجات غير مستخدمة في المنازل.

وشبّه هذه الحالة بالإدمان، مؤكدًا أن حتى ارتفاع الأسعار لا يثني هؤلاء عن التسوق، تمامًا كما لا يتوقف مدمن المخدرات أمام الغلاء أو الفقر.

ورغم أن التضخم يُعد أحد أخطر مظاهر التراجع الاقتصادي، يرى الدكتور هندي أن مظاهره في مصر ليست دائمة أو مستقرة، بل تتسم بالتقلب، مما لا يولّد شعورًا عميقًا بالعجز لدى المستهلك، خاصة مع توافر معظم السلع بشكل مستمر، حتى وإن كانت مرتفعة الثمن.

وأشار إلى أن العوامل الثقافية والاجتماعية تعزز هذا النمط من الاستهلاك، مثل الأمثال الشعبية التي تحث على الظهور بمظهر جيد مهما كان الوضع المالي، ووجود ضغط اجتماعي للمحاكاة، والتنافس على ارتداء العلامات التجارية وامتلاك أحدث الهواتف والسيارات.

ولفت إلى الدور الكبير للمناسبات الاجتماعية المتكررة – كعيد الحب وعيد الأم ورمضان – في تغذية سلوك الشراء القائم على الانفعال.

وأكد أن هذا النمط من التسوق ليس مجرد سلوك استهلاكي، بل *آلية دفاع نفسي* للهروب من الاكتئاب أو القلق، وأن من يعاني من اضطراب في هذا الجانب قد يستنزف دخله ويدخل في دوامة من الديون.

وقدم هندي مجموعة من النصائح للحد من هذا السلوك، أهمها:

* تحديد ميزانية مسبقة للتسوق وعدم تجاوزها.

* كتابة قائمة أولويات قبل الخروج للشراء.

* تجنب الدفع الإلكتروني لتقوية الإحساس بقيمة المال.

* البحث عن وسائل بديلة للتنفيس العاطفي مثل ممارسة الرياضة، الرسم، الرحلات، أو الحديث مع صديق مقرب.

وختم بقوله: “في البيئة العربية عمومًا، والتجربة المصرية خصوصًا، التسوق العاطفي لا يتأثر بارتفاع الأسعار أو التضخم الاقتصادي، ما لم يكن هناك وعي فردي حقيقي يدفع نحو الاستهلاك الرشيد”.

التوقعات مفتاح فهم سلوك المستهلك

في المقابل أكد الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي، أن انتشار سلوكيات مثل “الاجتياز العاطفي” أو “التأجيل الاستهلاكي بدافع القلق” يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتوقعات الأفراد والمستثمرين، مشيرًا إلى أن هذه التوقعات تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد قرارات الطلب والعرض داخل الأسواق.

وقال الإدريسي إن المستهلك إذا توقّع ارتفاع الأسعار في المستقبل، فإنه يُسرع في اتخاذ قرار الشراء حاليًا، بينما يمتنع عن الشراء في حال توقع انخفاض الأسعار.

وأضاف بأن ذلك ينطبق أيضًا على سلوك التاجر الذي قد يعمد إلى تخزين السلع وعدم عرضها للبيع في الوقت الحالي، انتظارًا لفرص بيع أفضل مستقبلًا. وهو ما ينعكس على معدلات النمو والاستثمار بشكل عام؛ لأن اتخاذ القرار هنا لا يرتبط فقط بعوامل نفسية بل بتوقعات عقلانية تتعلق بسعر الصرف، والتضخم، ومخاطر الدين، والوضع الجيوسياسي.

وعن دور صانع السياسات في التعامل مع هذه السلوكيات، شدد الإدريسي على أهمية استيعاب وفهم التوقعات الاستهلاكية عند وضع الاستراتيجيات الاقتصادية، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة التضخم واستعادة ثقة المواطنين.

ولفت إلى أن استقرار التوقعات وتوجهها نحو الانخفاض في معدلات التضخم يعزز سلوك الشراء، بينما يؤدي تآكل القوة الشرائية بسبب التضخم إلى تراجع الدخل الحقيقي للمستهلك، أي عدد السلع والخدمات التي يمكنه شراؤها بمبلغ ثابت من المال، وهو ما يقلّص قدرته على الإنفاق.

وأشار إلى أن القرارات الاقتصادية لا يمكن عزلها عن هذه العوامل النفسية والاقتصادية المعقدة، فهي تؤثر على قرارات الأفراد في ما إذا كانوا سيحتفظون بأموالهم في صورة مدخرات بالبنوك، أو يستثمرونها في مشروعات، أو حتى يحتفظون بها في المنزل.

وفي ما يتعلق بأدوات قياس الثقة الاقتصادية والقلق العام، أوضح الإدريسي أن هناك العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية مثل معدل النمو، وعجز الموازنة، والتضخم، والبطالة، ومستويات الدين العام، إضافة إلى مؤشرات دولية تصدر عن مؤسسات بحثية ومراكز تصنيف، مثل مؤشر الحرية الاقتصادية، وسهولة ممارسة الأعمال، والتقارير الخاصة بالتنافسية العالمية.

واختتم بالقول إن التوقعات تظل العامل الحاكم في جميع هذه المعادلات، إذ ترتبط قرارات الأفراد ليس فقط بسعر العقار أو السلعة، بل أيضًا ببدائل الاستثمار ومدى جدواها.. فالتوقع بأن العقارات سترتفع أسعارها أو تنخفض أو تستقر، هو ما يدفع الفرد لاتخاذ القرار بالشراء أو التريث، الأمر الذي ينطبق كذلك على بدائل الادخار والاستثمار في البنوك أو خارجها.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24651

موضوعات ذات صلة

إلغاء الإجازات في الجمارك لدعم انسياب حركة التجارة

المحرر

أبو بكر الديب لـ«صوت البلد»: العالم في مهب «إعصار الطاقة»

أيمن مصطفى

مطار سفنكس الدولي يرفع جاهزيته لافتتاح المتحف المصري الكبير

محرر الموقع

خبير اقتصادي : هذه سلبيات وايجابيات صفقة الروم

اخلاص عبدالحميد

الاستيراد والتصدير .. تيسيرات للتبادل التجارى

المحرر

طرح عملة 2 جنيه لمواجهة أزمة الفكة

المحرر