
لا تزال حرب السادس من أكتوبر عام 1973 تمثل جرحاً غائراً ونقطة تحول استراتيجية عجزت عقود الزمان عن ترميمها. وفي حوار خاص لـ“صوت البلد”، أكدت إنجي بدوي، الباحثة المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية، أن ذكرى أكتوبر تتجاوز مجرد كونها حدثاً تاريخياً، لتظل بمثابة العقدة النفسية والعسكرية الأبرز في تاريخ الكيان الصهيوني، حيث نجحت مصر كأول دولة عربية في كسر أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” وتحقيق تفوق عسكري وبشري ساحق.
روايات متناقضة
أوضحت الباحثة إنجي بدوي ، أنه على الرغم من مرور 53 عاماً على الحرب، فإن الساحة الإسرائيلية لا تزال تشهد تدفقاً مستمراً من الروايات والمحاولات المستميتة لإعادة تفسير الهزيمة وتخفيف وطأة الانتصار المصري الصادم. وأشارت بدوي إلى أن القراءات الإسرائيلية لنتائج الحرب تنقسم إلى اتجاهات متعددة؛ حيث يركز تيار منها على أحداث “ثغرة الدفرسوار” محاولاً تضخيمها لصناعة نصر وهمي يغطي على الفشل الأولي. وفي المقابل، يستند تيار آخر إلى تبريرات استخباراتية تدعي أن الأجهزة الأمنية كانت تمتلك معلومات مسبقة بموعد الحرب، لكنها أخفقت فقط في “تقدير الموقف” وقراءة النوايا المصرية.
وعلى الجانب الآخر، لفتت بدوي إلى وجود أصوات إسرائيلية أكثر واقعية ووضوحاً، تعترف علانية بالعبقرية المصرية؛ إذ تقر هذه الأصوات بأن القيادة السياسية والعسكرية في مصر نجحت في تنفيذ خطة خداع استراتيجي معقدة شلت حركة التفكير الإسرائيلي، واستخدمت في نهاية المطاف أدوات الحرب والسلام بكفاءة مطلقة لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي المحتلة.
صدمات نفسية
وانتقلت الباحثة المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية إلى زاوية أكثر عمقاً، مؤكدة أن تداعيات حرب أكتوبر لم تتوقف عند حدود الانكسار العسكري على جبهة القتال، بل امتدت لتحدث زلزالاً نفسياً ممتداً عصف بالجنود الإسرائيليين. ووفقاً لشهادات قدامى المحاربين في حرب “يوم كيبور” (الغفران)، فإن الجيش المصري حقق انتصاراً موازياً على المستوى النفسي والمعنوي، حيث تحولت سيناء إلى كابوس يطارد المقاتلين الإسرائيليين حتى اليوم عبر ما يُعرف باضطراب “الصدمة النفسية بعد الحرب”.
واستشهدت بدوي ببيانات منظمة ناتال الإسرائيلية، وهي الجهة الرسمية المتخصصة في تقديم الدعم النفسي لضحايا الحروب، والتي كشفت عن تلقيها نحو 12 ألف مكالمة استغاثة من قدامى محاربي عام 1973 الذين يعانون من اضطرابات النوم، الخوف المستمر، والشعور العميق بالعار. وتؤكد المنظمة أن 20% من إجمالي الحالات التي تطلب الدعم النفسي لديها هي من مقاتلي حرب أكتوبر، مما يعكس بقاء آثار الحرب حية وكأن أحداثها لم تنتهِ رغم مرور أكثر من نصف قرن.
وفي سياق متصل، استعرضت الباحثة شهادة اللواء الإسرائيلي المتقاعد بيرتي أوهايون (الكتيبة المدرعة 196)، الذي وصف معارك “المزرعة الصينية” في مذكراته بأنها “أطول ليلة في حياتي وجحيم سيناء”، واصفاً مشاعر الرعب وتفحم الدبابات الإسرائيلية تحت ضربات المدفعية المصرية. كما أشارت بدوي إلى دراسة نشرها مركز شوميريم، توثق قيام جنود إسرائيليين بتأسيس مجموعة على تطبيق “واتساب” تحمل اسم “انهزمت 73″، وهو اسم دلالي يبرز استمرار وطأة الاكتئاب والقلق الجماعي لجيل الهزيمة.
أكاذيب إعلامية
وفي قراءتها للمشهد الراهن، ربطت إنجي بدوي بين مرارة الذاكرة التاريخية والهجوم الإعلامي العبري الواسع ضد مصر خلال ذكرى أكتوبر هذا العام. وأوضحت أن الإعلام الإسرائيلي تعمد تحريف وتزييف الحقائق؛ فبدلاً من إدانة التصريحات الاستفزازية لوزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي هدد بوضوح قائلاً “لن تكون هناك سيناء إذا هاجمت مصر إسرائيل”، ركز الإعلام العبري على ردود الأفعال المصرية الغاضبة.
وأكدت بدوي أن سيناء تمثل خطاً أحمر وقضية وجودية فائقة الحساسية لدى الشعب المصري، ومن الطبيعي أن تواجه تهديدات سموتريتش برادع قوي من الشخصيات الإعلامية والسياسية المصرية، والتي وصل بعضها للحديث عن زوال إسرائيل في حال المساس بالسيادة المصرية. ورغم ذلك، تعمد الإعلام العبري إبراز الردود المصرية وتصويرها كتهديد مباشر وأمر عدائي، بل وصل بهم الأمر إلى إبداء القلق من استمرار المدارس المصرية في تعليم الأطفال بطولات انتصار 6 أكتوبر، وكأن مجرد الحفاظ على الوعي الوطني المصري يمثل خطراً استراتيجياً يهدد أمنهم الهش.
