ثقافة وأدبسليدر

صلاح معاطي لـ”صوت البلد”: الإبداع البشري يرفض الآلة (3-3)

الأديب صلاح معاطي

بين عراقة الأثير التي صقلت وجدانه، وصدمات التقدم التكنولوجي المتسارع، يمضي بنا الأديب صلاح معاطي، رئيس شعبة الخيال العلمي باتحاد كتاب مصر، في الحلقة الختامية من حواره الممتد لـ“صوت البلد”.

وفي هذا الجزء، يفتح “صاحب السلمانية” خزائن ذكرياته ليؤكد أن حاسته الإبداعية نبتت من ميكروفون الإذاعة المصرية قبل أن ترويها الكتب؛ مسترجعاً ملاحم وصوراً درامية حُفرت في وجدان الأجيال.

كما يخوض مواجهة نقدية وعلمية شرسة ضد اجتياح “الذكاء الاصطناعي” لعوالم الفن، مفككاً بوعي المفكر الخيط الرفيع بين الآلة المساعدة والروح الإنسانية النابضة بالوجع والحنين. ولا يفوته في نهاية اللقاء أن يضع ظاهرة “الأكثر مبيعاً” عبر منصات التواصل في ميزان التقييم التاريخي، كاشفاً بجرأة عن الفارق الجوهري بين نجاح السوق اللحظي والخلود الباقي.. وإلى نص الحوار:

إلى أي مدى صقلت التجربة الإعلامية داخل إذاعة “صوت العرب” حاستك الروائية؟

لقد تربت أذني على صوت المذياع منذ الطفولة، حتى أكاد أجزم أن التراث الإذاعي كله محفور في ذاكرتي قبل مكتبتي الخاصة. ما زلت أحفظ روائع مثل “ألف ليلة وليلة”، “من وراء القضبان”، “غواص في بحر النغم”، “من الحياة”، “أحسن القصص”، “قال الفيلسوف”، “مع الأدباء الشبان”، “لغتنا الجميلة”، و”زيارة لمكتبة فلان” بمقدماتها الموسيقية. كما يتردد في ذهني اسم المخرج عبد الوهاب يوسف الذي قدم روائع الصور الغنائية مثل “الدندرمة”، “قسم”، “علي بابا”، “عواد”، “عوف الأصيل”، و”عذراء الربيع”، بجانب مسلسلات لا تُنسى كالرجل الثعلب، “ملك الأرنس”، “ريا وسكينة”، “موهوب وسلامة”، و”شنطة حمزة”. ومن هذا الأثير التقطت أسماء فاروق شوشة، صفية المهندس، سامية صادق، هدى العجيمي، محمد عثمان، عبده دياب، أنور قزمان، ويوسف حجازي، حتى خُيل إلي أن ملكتي الأدبية نبتت من الراديو، وتمنيت العمل به لأذيع وأكتب الدراما دفعة واحدة.

متى شكلت الإذاعات الإقليمية والكبرى نقطة التحول الحقيقية في مسيرتك؟

حدث ذلك بعد عملي في عديد من المحطات المصرية والعربية، بدءاً من “إذاعة القناة” في الإسماعيلية، ثم “القاهرة الكبرى”، وصولاً إلى “صوت العرب” التي مثلت نقلة نوعية بالغة الأهمية بالنسبة لي، خاصة في برامجها المعنية بالثقافة الموسعة. ومن خلالها سجلت مع قامات ومثقفين كبار، مثل  د. أسامة الباز رئيس مكتب رئيس الجمهورية للمعلومات، ود. سليم الحص رئيس وزراء لبنان الأسبق، والأديب الطيب صالح، والشاعر السوداني الهادي آدم. وكل تجربة من هذه المحطات كانت لها قيمتها الفريدة؛ لأن الإبداع حالة تتداخل فيها الروافد كلها لتصنع صياغة متكاملة.

صراع الآلة

هل يهدد الذكاء الاصطناعي التوليدي عرش الكاتب البشري في المستقبل؟

تقنية الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة كالحاسبة أو الكاميرا أو الهاتف، تعين الباحث أو المبدع على تنسيق المعلومة وتنظيم العمل، لكنني ضد أن تفترس عملية الإبداع كاملة؛ فالإبداع عملية بشرية خالصة تشبه العشق، ولا يجوز لآلية من الخارج أن تشارك فيها لأنها ستشوه تكنيك الكتابة والبناء الدرامي. ورغم أن التقنية اقتحمت مساحة الفن، وباتت بعض المؤسسات تعتمد عليها كشريك إنتاجي يقلل الوقت والتكلفة وينتج حبكات تبدو احترافية في ثوانٍ، إلا أن هذه النصوص تظل فاقدة لـ”الروح الإنسانية”، كونها تعتمد على خوارزميات تحليل الأعمال السابقة وإعادة تركيبها، لا على تجربة شعورية حقيقية.

عجز الخوارزميات

لماذا تعجز الخوارزميات الرقمية عن محاكاة النص الأدبي مهما بلغت دقتها؟

لأن الكاتب لا ينسج الكلمات مجردة، بل يكتب بالخوف، والوجع، والحنين، والانكسار، والتجارب الحية التي عاشها بنفسه، وهي مشاعر لا يمكن للخوارزميات أن تستشعرها مهما بلغت دقتها العالية؛ فالإبداع الحقيقي يولد من التناقضات والألم والأسئلة الوجودية، والذكاء الاصطناعي لا يملك وعياً. ولا أتوقع أن التكنولوجيا ستقضي على الفنان، لكنها ستعيد تشكيل سوق العمل الفني والإعلامي بشكل غير مسبوق، ومستقبل الأدب سيجبر المبدعين على تطوير أدواتهم للتكيف مع هذا العصر الجديد.

ما تقييمك لظاهرة الكتب “الأكثر مبيعاً” المدفوعة بتسويق منصات التواصل؟

هي ظاهرة تستحق النظر إليها بحذر شديد؛ فالمبيعات ليست معياراً نقدياً خالصاً، لكنها ليست عديمة القيمة تماماً، كونها تقيس حجم الانتشار والوصول للجمهور ولا تعكس بالضرورة القيمة الفنية أو العمق الفكري. فقد يحقق كتاب ما رواجاً ضخماً لمجرد مواكبته لموضة معينة أو لحملة تسويقية قوية، وفي المقابل هناك أعمال عظيمة لم تحظ بانتشار عند صدورها ثم غدت من الكلاسيكيات. وهذا الأمر قديم؛ إذ يذكرني برواية اسمها “وردة” لكاتب مجهول يدعى “محمد عثمان” كتبها عام 1860 ومات فقيراً دون أن يلتفت إليه أحد، وفي عشرينيات القرن العشرين عثر ناشر عليها وأعاد طبعها ليحقق منها ثروة طائلة.

فخ الشهرة

كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي المشهد الثقافي والخلط بين النجومية الرقمية وجودة النص؟

وسائل التواصل غيّرت المشهد جذرياً؛ إذ أصبح الكاتب قادراً على بناء جمهور عريض قبل أن يقرأ الناس كتابه أصلاً. وهذه ميزة إيجابية لتوسيع دائرة القراءة، لكن خطورتها تكمن في الخلط بين شهرة الكاتب الافتراضية وجوهر جودة النص؛ فالإعجابات والمشاهدات وترشيحات “المؤثرين” قد تصنع موجة قراءة سريعة، لكنها لا تضمن بقاء العمل لعقود. لذلك فإن “الأكثر مبيعاً” مؤشر على نجاح تجاري وجماهيري مؤقت، لكنه ليس شهادة على الخلود؛ فالزمن، وإعادة القراءة، ومدى التأثير في الوعي الثقافي هي الاختبار الأصعب والأطول عمراً.

أين يكمن الفارق الجوهري بين نجاح السوق والنجاح الأدبي الحقيقي؟

التمييز بينهما يكمن في المعيار؛ فنجاح السوق يقاس بعدد النسخ المباعة والتفاعل الإعلامي اللحظي، بينما النجاح الأدبي يقاس بقدرة العمل على البقاء وإثارة أسئلة جديدة لدى الأجيال المتعاقبة. والتاريخ الأدبي مليء بأعمال جمعت بين الفوزين معاً، وأخرى حققت أحدهما دون الآخر؛ فليس كل كتاب “أكثر مبيعاً” هو عمل سطحي بالضرورة، كما أن ليس كل عمل نخبوّي هو عمل عظيم.

وعي المستقبل

إلامَ يستند مشروعك الموسوعي القادم لبناء جيل جديد من قراء الخيال العلمي؟

قدمت عام 2013 كتاباً بعنوان “الخيال العلمي بين العلم والخرافة” صدر عن دار الوراق بالأردن، وهو عبارة عن موسوعة أدبية في هذا المجال. ولأهمية الموضوع، أعكف حالياً على استكمال هذه الموسوعة لتصبح عالمية تتناول أعمال الخيال العلمي الغربية والعربية، سواء أعمال الرواد الأوائل أو المحدثين، مع التعرض للموضوعات القديمة كالسفر في الفضاء، واكتشاف عوالم جديدة، أو العثور على أشكال من الحياة خارج الأرض، وصولاً إلى الموضوعات الحديثة كالوعي الرقمي والجينوم البشري وربطه بالذكاء الاصطناعي، والتعرض لليوتوبيا والديستوبيا وغيرها من الموضوعات المهمة بالنسبة لهذا الفن. وهدفي الآن هو تهيئة الظروف لإنشاء جيل من كتاب وقراء أدب الخيال العلمي في مصر والوطن العربي يدرك أن الخيال العلمي ليس ترفاً أو تسلية، وإنما أسلوب حياة يعد نافذة حقيقية تطل على المستقبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27006

موضوعات ذات صلة

ياسمين فراج لـ«صوت البلد»: المسرح الغنائي «أمن قومي»

أيمن مصطفى

خريطة بهجة المصريين في العيد

أيمن مصطفى

يسرا اللوزي مع ماجد الكدواني في «كان ياماكان»

مي صلاح

محافظ أسيوط يحول أرض الحمراء إلى مشروع تنموي

أحمد الفاروقى

خالد غازي يكشف خفايا النفوذ الرقمي المعاصر

أيمن مصطفى

رواية “لاكشري” تحتضن رابع دورات مهرجان الغردقة السينمائي