
في حوار خاص، يفتح الأديب صلاح معاطي، رئيس شعبة الخيال العلمي بـاتحاد كتاب مصر، قلبه لـ“صوت البلد”، ليكشف عن كواليس رحلته الممتدة في سبر أغوار المستقبل، حيث يتحدث معاطي بكل صراحة عن واقع هذا اللون الأدبي في العالم العربي ومقارنته بالغرب، مسترجعاً ذكريات بداياته الأولى، والدور الإنساني والإبداعي البارز الذي لعبه الرائد الراحل نهاد شريف في تشكيل وعيه وتوجيه قلمه نحو آفاق جديدة.. وإلى نص الجزء الأول من الحوار:
كيف ترى واقع أدب الخيال العلمي اليوم في مصر والعالم العربي؟
ترأست تلك الشعبة بـاتحاد كتاب مصر منذ عام 2015، وقدمنا خلال هذه الفترة ما يقرب من 150 ندوة و4 مؤتمرات أدبية كبرى، وناقشنا عدداً كبيراً من الروايات سواء المصرية أو العربية والعالمية أيضاً. وأريد أن أؤكد أن هذا الفن عربياً لا يقل أهمية وإبداعاً عن نظيره لدى الغرب؛ فنحن نملك تكنيك الكتابة ولدينا تراث فريد ومتميز في القصة والرواية والمسرح بشكل عام.
والفارق الوحيد بين ما نكتبه وما يقدمونه ليس في المبدع في حد ذاته وإنما في القارئ؛ فالمتلقي في المنطقة العربية يريد أن يقرأ عن مشاكله وهمومه واهتماماته وحياته الشخصية، ويعتبر الموضوعات العلمية ترفاً زائداً، رغم أنها تهم الغربيين أكثر منا، والغريب أن الجمهور العربي يفضل عليها الفانتازيا وقصص الرعب والخوارق. أما هناك، فالمتلقي معد لاستقبال هذه الأعمال بشكل جاد لأنها من صميم حياته اليومية.
استشراف الواقع
ما الذي يجذبك كأديب لاستشراف الغد عبر كتاباتك؟
لا أرى اختلافاً كبيراً بين الحاضر والمستقبل، بل أعتبر قصص الخيال العلمي تفصيلاً من تفاصيل واقعنا المعيش. فالبعض ينظر إلى هذا الفن على أنه محض خيال ولا يعبر عن قضايانا لأنه يتناول رحلات الفضاء، واحتمالية الحياة على الكواكب الأخرى، ومنجزات التكنولوجيا، والأبعاد الزمانية والمكانية، وحروب الغد، وتقنيات الهندسة الوراثية. بينما لو نظرنا بجدية إلى هذه الأمور سنجد أنها تمس حياتنا بشكل كبير، بل تشكل خطورة على مصيرنا؛ وتجاهلنا لها يضعنا في مأزق التجهيل والتهميش واللامبالاة.
لكن دعني أحدثك أولاً عن البدايات، خاصة فيما يتعلق بمجموعتي الأولى “أنقذوا هذا الكوكب” لأن لها حكاية أود أن أرويها؛ ففي بداية الثمانينيات من القرن الماضي تعرفت على الأستاذ نهاد شريف وبدأت أعرض عليه قصصي القصيرة، وفي كل مرة كان يكتب على واجهتها وبجوار العنوان رأياً أو ثناءً، وكان هذا الأمر يشجعني كثيراً، حتى فوجئت يوماً بالرائد الراحل يطلب مني بعض هذه الأعمال، وعندما سألته قال لي: “هاتهم بس”. أعطيته إياها ونسيت الأمر تماماً، حتى فوجئت باتصال منه يهنئني بفوز تلك المجموعة في مسابقة الكتاب الأول بـالمجلس الأعلى للثقافة وأنها ستنشر في كتاب، وكانت سعادتي بهذا الخبر لا حد لها.
وما هي أبرز الملامح الإبداعية والإنسانية التي تعلمتها من مدرسته؟
كنت أكتب تلك النوعية بتلقائية المبتدئ المحب للمغامرة دون أن أعرف لها اسماً محدداً، وكثيراً ما كنت أطلق عليها “القصة العلمية”. حصلت على بعض الجوائز في المدرسة والجامعة ولكن كان ينقصني شيء مهم في تلك الفترة المبكرة، وهو أن أبحث عمن يوجهني إلى الطريق الصحيح. ووجدت ما أنشده في مكتبة أخي الأكبر؛ وهي مجموعة قصصية بعنوان “رقم 4 يأمركم” من تأليفه. عكفت على قراءتها فإذا بها تشع في نفسي أشياء لم أكن أدركها في منتصف السبعينيات؛ فأنا أكتب نفس المضمون ولكن تنقصني الأدوات التي ينبغي أن أمتلكها.
لذلك كان علي أن أقوم بهذه الخطوة المهمة التي غيرت مجرى حياتي وهي مقابلة أستاذي، وقد أرشدني إلى مكان عمله بـالمجلس الأعلى للثقافة أحد الأصدقاء وهو الدكتور عبادة كحيلة أستاذ التاريخ بـجامعة القاهرة الذي كان وقتئذ يعمل بالهيئة المصرية العامة للكتاب. استقبلني بوجهه البشوش، طيب القسمات وابتسامته الودودة، وانتبهت على صوته وهو يقول: “تخيل معي يا صلاح لو أنك تعيش في سنة 3000 هل ستجد نفس المشاكل التي يعاني منها البشر اليوم؟ وإذا انتقلت للعيش على ظهر كوكب آخر ماذا سيكون شكل الحياة، هل ستجد كائنات يشبهوننا وكيف ستتعامل معهم؟” واستيقظت بداخلي نوازع متباينة، وراحت أفكاري تتبلور وتتركز، بينما تداعت خواطري إلى قراءات شغلتني منذ أعوام في هذا المجال المحبب إلى نفسي.
وامتدت بيننا اللقاءات بعد ذلك من مكتبه في الزمالك إلى بيته بالدقي، لتتحول علاقتنا إلى صداقة تزداد قوة ومتانة يوماً بعد يوم. وتلاحقت عبر الأيام جلساتي إليه؛ كنت أنصت إلى كل كلمة يقولها، وأنتبه إلى تعبيرات وجهه، فشعرت أني أدخل معه عالماً مبهراً جذاباً، أو أنني أرى الكون بأكمله أمام عيني؛ من المجرات والنجوم إلى الذرات والإلكترونات المتناهية في الصغر، ومن الديناصورات والوحوش الضخمة إلى البكتيريا والفيروسات، ومن بهاء الفضاء الواسع إلى ظلمة قيعان المحيطات.
وبدأت أقرأ في هذا التخصص بشكل منتظم، وراحت مناقشاتنا تدور حول ما طالعته. وبقربي منه عرفت كيف يفكر ويتأمل ويبدع، فلا شيء يمر من أمامه مرواً عابراً بل لكل شيء دلالته. وبدأت أشعر أن كتاباتي تنحو نحواً آخر، وكأنها صفحات دبت فيها الحياة بعد أن أمهرها بكلمة تشجيع أو برؤية جديدة. ولا أبالغ لو قلت إنني ما ذهبت إليه يوماً إلا وعدت بعشرات الأفكار تصلح للكتابة. لقد جعلني أهتم بكل شيء، لا أترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتأملتها؛ أعطاني تجربته خالصة مصفاة، ومنحني خبراته بكل صدق وأمانة، وقف بجانبي يساعدني ويشجعني ويعنفني أحياناً، ولا أنسى حينما كان يقول لي: “الفرق بيني وبين غيري من الأدباء أن بعضهم قد يشير لك إلى الطريق لتمشي فيه، ولكنني سوف آخذك من يدك لنعبر سوياً الطريق”.
كيف يواجه كاتب اليوم تحدي التفوق التكنولوجي الرقمي السريع؟
إن المتغيرات المتلاحقة تبلغ من السرعة ما يجعل الإبداع أحياناً عاجزاً عن استشراف الغد؛ لذا يعيش صناع هذا الفن حيرة حقيقية لما يصادفونه من صعوبات متزايدة في العثور على موضوعات مبتكرة. بل إن هناك تيمات خرجت من عباءة هذا التخصص وأصبحت تُتناول في أعمال اجتماعية عامة، كالذكاء الاصطناعي الذي شهد طفرة مذهلة جعلت من الصعب استباق تقنياته مستقبلاً بعدما تغلغل في تفاصيل حياتنا، باستثناء الأعمال التي تدور حول تمرد الآلة على البشر وهو أمر استهلكه المؤلفون منذ فترة طويلة.
لذا؛ فإن المعيار الحقيقي الذي يجب أن يتبادر إلى ذهن المبدع هو التساؤل الفلسفي: “ماذا لو؟”.. ولكي يجيب عن هذا الطرح، عليه صياغة مئات القصص التي تتناول العوالم الخفية، مدن الغد، اليوتوبيا، تحكم الآلات، وارتياد الفضاء؛ فالرواية الاستشرافية ليست مجرد مرآة لزمانها، بل هي كشاف ضوء يسلط أشعته على القادم لمحاولة كشف أسراره.
ومن خلال دراسة إنجازات الماضي، يستطيع الأديب بناء رؤية ذهنية للمستقبل مستنداً إلى حقائق علمية؛ فماذا لو لم يخرج الإنسان من الكهوف ولم يكتشف النار والزراعة؟ وماذا لو لم يتأمل النجوم والمجرات، أو يبحث عن علاج لأمراضه، أو يستخرج المعادن والطاقة من باطن الأرض؟ إن الإجابات المتشعبة عن هذه التساؤلات تفتح آفاقاً لآلاف الأفكار، مما يتطلب خيالاً لا يقف عند حد، وعقلاً واعياً يوجِد مبررات منطقية لكل هذه التصورات.
ترقبوا في الجزء الثاني: كيف يرى صلاح معاطي سر غياب عروض الخيال العلمي عن المسرح العربي؟ وما هي الوصية الملهمة التي تركها له الأديب الكبير يحيى حقي لإنقاذ موهبته؟ وحقيقة دمجه للواقعية ورفضه لمصطلح “الفانتازيا”.. تابعونا في الجزء القادم.
