
تظل شاشة التليفزيون المصري “ماسبيرو” الجسر الأقوى في بناء الوعي، والمنصة الأكثر تأثيراً في صياغة وجدان المشاهد العربي عبر تاريخه الطويل. ومن قلب هذه المدرسة الإعلامية العريقة، تبرز ضيفتنا الإعلامية المتألقة مها عادل حسني، كامتداد أصيل لجيل الالتزام والانضباط المهني؛ حيث تنقلت برشاقتها المعهودة بين استوديوهات القناة الفضائية المصرية، محلقة بجمهورها في عوالم برامجية ثرية، تمزج بذكاء شديد بين بهجة الحياة وعمق الواقع المجتمعي. وفي هذا الحوار الخاص والممتد لـ“صوت البلد”، نفتح معها دفاتر الذكريات للإبحار في كواليس الزمن الجميل، ونستشرف برؤيتها الثاقبة ملامح الحاضر وآفاق المستقبل الإعلامي.
نعود بالذاكرة إلى البدايات؛ ما الذي يزال حياً في وجدانك من اختبارات كاميرا “ماسبيرو”؟
لم تكن اختبارات الكاميرا في “ماسبيرو” مجرد إجراء روتيني عابر، بل تجسدت كمصفاة حقيقية لفرز الموهبة، واختبار الثقافة، وقياس الحضور، والتمكن اللغوي، ولذا تظل تفاصيلها محفورة بكامل ألقها في ذاكرتي. لقد حاصرتنا تلك الأجواء بقدر هائل من الانضباط والجدية الصارمة، مما رسخ في وجداني عقيدة مهنية راسخة، مفادها أن الإعلام رسالة وطنية ومسؤولية أخلاقية جسيمة قبل أن يكون بريقاً للشهرة أو مجرد ظهور على الشاشة؛ إذ إن احترام عقل المشاهد ينبثق بالأساس من توقير المهنة والالتزام بمحدداتها.
عاصرتِ قامات إعلامية باسقة، وتدربتِ في مدرسة الرائدة سهير الإتربي والإعلامية الكبيرة سناء منصور؛ ما هي “الروشتة الذهبية” التي تسلمتِها منهن، وما زالت تضبط أداءك أمام الشاشة حتى اليوم؟
من الرائدة الراحلة سهير الإتربي تشربتُ درساً بليغاً بأن المذيع المحترف لا يترك شيئاً للمصادفة، بل يجب أن يكون في حالة استعداد دائم ومحيطاً بأدق تفاصيل ملفاته. ومن الإعلامية القديرة سناء منصور تعلمتُ يقينًا أن الصدق هو الجسر الأسرع نفاذاً إلى قلوب المشاهدين وعقولهم. وبناءً على ذلك، ما زلت أتحرك وفق هذه المعادلة الثنائية التي تجمع بين التحضير الجيد الصارم، والصدق المطلق أمام الكاميرا، باعتبارهما المرتكز الأساسي للنجاح والاستمرارية.
كانت الفضائية المصرية بمثابة “سفير فوق العادة” ، كيف تعاملتِ مع مسؤولية مخاطبة الجاليات المصرية والعربية في المهاجر الغربية في مقتبل مسيرتك؟
استشعرتُ منذ اللحظة الأولى أن المسؤولية مضاعفة؛ فخِطابي لم يكن موجهاً لجمهور محلي فحسب، بل كنت أحمل اسماً وتاريخاً وطنياً ينبغي تمثيله بكفاءة أمام أبناء مصر في الخارج والعالم أجمع. ومن هذا المنطلق، حرصتُ كل الحرص على تقديم صورة حضارية، حقيقية، ومتوازنة عن الدولة المصرية؛ صورة تمزج بذكاء بين الإنجازات التنموية المشهودة على الأرض، وبين الهوية والثقافة الأصيلة التي يعتز بها كل مغترب ويحن إليها في منافيه.
تنقلتِ بين برامج مبهجة وأخرى مجتمعية تلامس الواقع مثل “الحياة حلوة”، “امرأة عصرية”، و”سيدتي”؛ كيف تصنعين التوازن بين بث الأمل في النفوس وبين تلمس هموم المواطن الحقيقية؟
في قناعتي الراسخة، لا ينبغي للإعلام أن ينفصل عن الواقع بمراراته وتحدياته، كما لا يجوز له الإغراق في التفاؤل الزائف؛ بل إن دوره الأساسي يكمن في صناعة التوازن الذكي. ولذلك، لا أكتفي برصد المشكلات بوجهها العاري، بل أحرص على طرح التحديات بواقعية مسؤولة، مع إبراز نماذج النجاح الملهمة والحلول الإيجابية التي تفتح للمشاهد طاقات الأمل وتمنحه الطاقة لمواجهة الحياة وتجاوز صعابها.
رسالة بصرية
في برنامجك “كل الدنيا”، تسلطون الضوء على فعاليات حيوية كـ “ماراثون الأهرامات”؛ كيف ترين توظيف الإعلام التلفزيوني كقوة ناعمة لدعم السياحة وتحسين الصورة الذهنية لمصر عالمياً؟
الإعلام ليس مجرد ناقل محايد للأحداث، بل هو شريك أصيل في معركة التنمية والترويج السياحي؛ فحينما نسلط الضوء على حدث رياضي وإنساني بحجم “ماراثون الأهرامات”، أو نحتفي بالفعاليات الثقافية الكبرى، فإننا لا نقدم مجرد تغطية خبرية عابرة، بل نرسخ رسالة بصرية وحضارية للعالم أجمع، نؤكد من خلالها أن مصر ستظل واحة للأمن والأمان، ومنارة للجمال والتنوع الإنساني.
هل ترين أن الإعلام الخدمي الموجه للمرأة نجح بالفعل في تفكيك الموروثات المجتمعية السلبية، أم أننا ما زلنا ندور في حلقة مفرغة من الطروحات التقليدية؟
في تقديري، حقق الإعلام النسائي طفرة ملموسة وتقدماً لافتاً في خلخلة وتغيير كثير من المفاهيم التقليدية العقيمة، لا سيما تلك المتعلقة بحتمية تمكين المرأة، وحقها الأصيل في التعليم، والعمل، وتصدر المشهد التنموي. ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال ممتداً أمامنا، وثمة قضايا شائكة تحتاج إلى مزيد من تعميق الوعي وتوسيع مساحات النقاش الجاد، وهنا تحديداً يتجلى الدور المحوري للإعلام كقائد للتنوير والإصلاح المجتمعي.
من واقع تجربتك الثرية؛ ما هي الحلقة التليفزيونية أو الشخصية التي غادرتِ الاستوديو بعدها وأنتِ تشعرين بيقين داخلي بأنكِ قدمتِ “رسالة عمرك” للمشاهد؟
يعد هذا السؤال من أصعب الأسئلة صياغة وإجابة، نظراً لأن خزانة ذكرياتي تفيض بحلقات تركت في نفسي أثراً غائراً لا يمحى. ولكن، تظل اللقاءات الأقرب إلى قلبي ووجدان هي تلك التي استضفتُ فيها نماذج مصرية ملهمة من قلب البسطاء؛ أشخاصاً تحدوا المستحيل وقهروا الصعاب ليصنعوا نجاحاً من عدم. ففي هذه اللحظات تحديداً، كنت أشعر بانتشاء مهني غامر، وبيقين أن برنامجنا لا يقدم مجرد مادة تليفزيونية عابرة، بل يبث قيمة إنسانية عليا ورسالة حضارية نابضة بالحياة.
ضراوة المنافسة
كيف يواجه التليفزيون اليوم طغيان القنوات الفضائية الخاصة وتمدد المنصات الرقمية؟
لا يمكن لعاقل أن ينكر شراسة وضراوة المنافسة التي يواجهها التليفزيون المصري حالياً في ظل الطفرة الرقمية، لكن “ماسبيرو” يرتكز على أرض صلبة من رصيد تاريخي هائل، ومصداقية مهنية تراكمت عبر العقود وتوارثتها الأجيال، حيث إن ماسبيرو في الوعي الجمعي ليس مجرد شاشات ومبنى إعلامي، بل هو قطعة أصيلة من هوية وتاريخ وجدان المصريين والعرب على حد سواء، وهذه القيمة المعنوية والتاريخية بمثابة جينات حضارية يستحيل على أي منصة رقمية أو قناة خاصة، مهما بلغت ميزانياتها، أن تشتريها أو تعوضها.
أفرزت الفضاءات الرقمية والسوشيال ميديا نجوماً يلهثون خلف “التريند” السريع؛ هل ترين أن تراجع محددات المهنية، واللغة الرصينة، والحضور الطاغي في العالم الافتراضي بات يهدد الذوق العام للمشاهد العربي؟
لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحات ديمقراطية واسعة للتعبير والوصول السريع للجماهير، غير أن هذا الانفتاح غير المنضبط دفع البعض للأسف إلى التضحية بالمضمون والقيمة في سبيل مطاردة “التريند” اللحظي. ومع ذلك، أنا لست قلقة على الإطلاق؛ فالزبد يذهب جفاءً، وستظل القواعد المهنية الصارمة، والثقافة الموسوعية، والسلامة اللغوية، هي الصخرة التي تتحطم عليها الموجات العابرة، وهي العناصر الأساسية الوحيدة الكفيلة بضمان استمرارية وتأثير أي إعلامي على المدى الطويل.
متى يخدم الارتجال المذيع ومتى يتحول إلى فخ يسحب البساط من تحت قدميه؟
شخصياً، أنحاز للالتزام الدقيق بالإطار العام والمحددات الرئيسية للملف التحريري والمادة المعدة سلفاً، لكنني في الوقت ذاته أعشق الارتجال الذكي والمدروس؛ كونه يضفي على الحوار عفوية، وحيوية، ولمسة إنسانية تقربنا من المشاهد؛ فالارتجال يكون عبقرية ومطلوباً إذا جاء خادماً للفكرة ومثرياً للنقاش، لكنه يتحول فوراً إلى فخ مهني قاتل إذا شطح بالمذيع بعيداً عن جوهر الهدف أو تسبب في تشتيت تركيزه وضياع البوصلة منه على الهواء.
ما هي أقسى الأزمات الطارئة أو المواقف العصيبة التي داهمتكِ على الهواء مباشرة؟
عشت الكثير من اللحظات الحرجة والمواقف المفاجئة التي تضع المذيع في اختبار حقيقي على الهواء؛ ما بين أعطال فنية مفاجئة في هندسة الصوت أو الصورة، أو تأخر تقارير ومواد مصورة حيوية، أو حتى خروج مفاجئ وحاد من بعض الضيوف عن السياق المألوف للحوار. ففي هذه اللحظات الحرجة، تسقط كل النظريات، ولا يتبقى للمذيع سوى ثلاثة أسلحة لإنقاذ الموقف: الهدوء النفسي المطلق، وسرعة البديهة الخاطفة، والثقة التامة بالنفس؛ فهي الأدوات الفاصلة بين المحترف والهاوي.
الكاميرا لا تكذب
يقال إن “الكاميرا لا تكذب” وتكشف بدقة الحالة النفسية للمذيع؛ فكيف تفصل الإعلامية مها عادل بين أزماتها وضغوطها الشخصية وبين إطلالتها المبتسمة المعتادة أمام الجمهور؟
بالتأكيد لكل إنسان ظروفه وحمل ثقيل من الضغوط الحياتية الخاصة، لكنني أؤمن إيماناً راسخاً بأن احترام المشاهد يفرض عليّ تقديم أفضل نسخة من ذاتي بمجرد وقوفي أمام الكاميرا؛ حيث إن عتبة الاستوديو بالنسبة لي هي الحد الفاصل؛ فبمجرد دخولي إليه، أتحرر من أثقالي الشخصية، وينصب تركيزي كاملاً على الرسالة الإعلامية التي أحملها، تاركةً أي هموم ذاتية خارج إطار الكاميرا والعمل.
كيف تقيمين كيمياء العلاقات خلف الكاميرا بين المذيع والمخرج والمعد، وعمن ترينه “الجندي المجهول” الحقيقي وراء نجاح برامجك؟
نجاح أي برنامج تليفزيوني لا يمكن أن يكون مجداً فردياً، بل هو ثمرة ناضجة لجهود فريق عمل متكامل يذوب في منظومة جماعية؛ فالمذيع ليس إلا الواجهة الفضائية التي يراها الناس، لكن خلفه كتيبة مدربة من صناع الإعداد والإخراج والتصوير والمونتاج. وإذا أردت إنصاف عنصر محدد، فإنني أعتبر المخرج المتميز والواعي هو صمام الأمان وأحد أهم الركائز الأساسية التي تمنح البرنامج روحه وبصمته الناجحة.
بين تطلعات الحاضر وآفاق المستقبل، لو أتيحت لكِ الفرصة اليوم لصياغة وبث برنامج بفكرة مبتكرة وغير مستهلكة؛ فما هو القالب البرامجي الذي تتمنين تقديمه ولم تفعليه بعد؟
أتطلع بشغف إلى تقديم برنامج ميداني عصري لا تحبسه الجدران؛ برنامج يجوب محافظات مصر وقراها، لينبش في تفاصيل الحكايات المنسية، ويكتشف قصص النجاح المبهرة والابتكار والتراث الإنساني النابض في عمق ريفنا وصعيدنا. أريد تقديم صورة حقيقية، حية ومختلفة، تعكس جوهر وجينات المجتمع المصري بعيداً عن القوالب البلاتينية والاستوديوهات التقليدية.
