دين ودنياسليدر

منبر رقمي جديد يولد بذكاء اصطناعي

من داخل مبنى عتيق اعتاد الناس أن يقصدوه للفتوى والخطبة، ولد كيان جديد يحمل اسماً يختصر كل ما سيأتي بعده: مركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف. لم يعد الأمر مجرد فكرة على ورق، بل أصبح غرفاً حقيقية، وشاشات مضيئة، واستديوهات، وقاعات إنتاج، وشباب يجلسون أمام لوحات مفاتيح تكتب مستقبلاً مختلفاً للخطاب الديني.

القصة لم تبدأ بقص شريط، بل بسؤال ظل يتردد لسنوات: كيف يمكن لرسالة واحدة، عميقة ورصينة، أن تصل في نفس اللحظة إلى طفل في العاشرة، وشاب يقلب هاتفه كل ثانيتين، وأم تتحدث العامية، ومتلقٍ أجنبي في قارة أخرى؟ الإجابة جاءت من هذا المركز، الذي قرر أن يضع حداً لفكرة “الرسالة الواحدة للجميع”.

حلم يتحقق

ما يحدث داخل المركز ليس مجرد مونتاج فيديو، بل هو مشروع متكامل لتطوير صناعة المحتوى الديني الرقمي، يقوم على معادلة دقيقة: توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي الهائلة لإنتاج مواد مرئية تجمع بين عمق المضمون وجاذبية التقديم. هنا، لا تكتفي التقنية بالصوت والصورة، وإنما تدخل إلى مناطق أكثر تعقيداً: المعالجة البصرية، والرسوميات المتحركة، وتعدد اللغات والصيغ، لتقديم الفكرة الواحدة بأكثر من ثوب.

البداية كانت محسوبة ومتواضعة، كما يجب أن تكون كل البدايات الذكية؛ فالتشغيل التجريبي للمركز انطلق بإنتاج 100 فيلم فقط، اختير لها موضوع واحد موحد وملهم: عجائب صنع الله في الكون ومظاهر قدرته في خلقه. كانت المائة فيلم هذه بمثابة الاختبار العملي، البروفة التي تقيس هل تستطيع الخوارزمية أن تترجم الإيمان إلى صورة؟

هذا الاختبار نجح، فانتقلت الأرقام سريعاً إلى مستوى آخر، حيث إن القدرة الإنتاجية المعلنة اليوم للمركز وصلت إلى 1000 فيلم ومقطع مرئي شهرياً. لكن الرقم الحقيقي الذي يستهدفه القائمون على المشروع، والذي يعملون عليه ليل نهار، هو 3000 فيلم ومقطع شهرياً. إننا نتحدث عن مضاعفة الإنتاج ثلاث مرات في فترة وجيزة، وهو ما يعكس توجهاً نحو بناء تجربة إنتاجية قابلة للتطوير والتوسع المستمر، لا تقتصر على موضوع واحد، بل تمتد إلى مجالات دينية وثقافية ومعرفية وقيمية متنوعة.

خمسة مسارات

الرقم 3000 وحده لا يكفي لفهم فلسفة مركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، فالسر الحقيقي لا يكمن في الكم، بل في الكيف، وتحديداً في الرقم 5؛ فالمركز لا يؤمن بفكرة الرسالة الواحدة التي تُلقى على الجميع، بل يعمل من خلال خمسة مسارات رئيسة لتقديم المحتوى، وهي قلب المشروع وروحه.

تبدأ الحكاية بالمسار الأول، باللغة العربية الفصحى، لغة المنبر الرسمي والباحث عن الأصالة، ثم تنتقل مباشرة إلى المسار الثاني، بالعامية المصرية المبسطة، تلك اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتدخل البيوت دون استئذان. ومن هناك، يتفرع الطريق إلى مسارين يخاطبان المستقبل: مسار ثالث مخصص بالكامل للنشء، برسوم وألوان وإيقاع سريع يناسب عالمهم الصغير، ومسار رابع صمم للشباب ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يجب أن تكون الرسالة مكثفة وسريعة ومواجهة مباشرة لأفكار مثل التنمر والكذب كما في حملة “صحح مفاهيمك”. وأخيراً، يأتي المسار الخامس، ليكسر حدود الجغرافيا، بمحتوى باللغة الإنجليزية يحمل الصوت المصري المعتدل إلى العالم الخارجي.

هذه المنظومة الخماسية هي التي تتيح للمركز تجاوز النمط التقليدي، وتحويل الطاقة الإنتاجية الضخمة التي تستهدف 3000 فيلم شهرياً من مجرد رقم إلى تأثير حقيقي، عبر محتوى أكثر قدرة على مراعاة الفروق العمرية والثقافية واللغوية، مع الحفاظ على وحدة المعنى وسلامة المضمون. فالرسالة واحدة، لكن أثوابها خمسة.

لا يمكن لأي ذكاء اصطناعي أن يعمل وحده؛ فخلف كل جهاز، هناك إنسان. ففي مرحلته الحالية، يضم المركز نحو 40 شاباً وشابة من الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الرقمي، والتصميم، والإنتاج المرئي، والوسائط الرقمية. هؤلاء الأربعون هم نواة الحلم، لكن خطة العمل الموضوعة تتحدث عن توسع كبير ليصل فريق العمل إلى نحو 150 متخصصاً. هذا يعني أننا أمام خطة لزيادة عدد العاملين بنسبة تتجاوز 275%، وهو رقم يعكس حجم الرهان على الخبرات المصرية الشابة. كل شاب جديد يعني عشرات الأفلام الإضافية، وقدرة أكبر على مخاطبة الجمهور بلغات متعددة.

وقد بدأت ثمار هذا الفريق تظهر بالفعل؛ فداخل قاعات الإنتاج، يجري العمل على إنتاج مسلسل كامل حول مكافحة الأفكار الخاصة بالسحر والشعوذة، ومسلسل آخر عن رضا الوالدين، بالإضافة إلى تصميمات حملة “صحح مفاهيمك” التي تنشر على منصات التواصل وتعالج مفاهيم حياتية يومية. هذه ليست مجرد أفلام، بل هي أدوات لمواجهة الأفكار المتطرفة والمعلومات المضللة، وترسيخ قيم الوعي والانتماء.

من الفكرة للشاشة

أخطر ما في الذكاء الاصطناعي هو سرعته، وأهم ما في المحتوى الديني هو دقته؛ فكيف نجمع بين الاثنين؟ هنا يأتي المنجز الأهم للمركز.

الوزارة أولت أهمية خاصة لضمان دقة المحتوى من خلال منظومة متخصصة لمراجعة المخرجات قبل نشرها؛ فلا يخرج مقطع واحد قبل أن يمر عبر خمس مراحل إجبارية: تبدأ من الفكرة، ثم كتابة السيناريو، ثم إدخال السيناريو للذكاء الاصطناعي لإنتاج المواد المختلفة، ثم إدخالها لقسم المونتاج، وأخيراً قسم المراجعة اللغوية والفقهية والشرعية.

هذه المراجعة تشمل الجوانب الدينية والتاريخية والإعلامية والاجتماعية، بحسب طبيعة كل مادة. إنها منظومة تحقق التوازن الصعب بين سرعة الإنتاج التي تتيحها التكنولوجيا، والمسئولية العلمية والمجتمعية. فالهدف ليس تكثيف عدد المواد المنتجة فحسب، بل ضمان صحة المعلومات وسلامة المعالجة.

وفي النهاية، ما يقدمه مركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف ليس مجرد أرقام: 100 فيلم تجريبي، 1000 فيلم حالياً، 3000 فيلم مستهدف، 40 شاباً اليوم و150 غداً، و5 مسارات للوصول إلى كل قلب. ما يقدمه هو نموذج جديد لفكرة قديمة: كيف نجعل التكنولوجيا خادمة للمعنى، وكيف نجعل المعنى قادراً على الوصول إلى جمهور أوسع، والتفاعل مع تساؤلات العصر، واستدامة الريادة الفكرية المصرية بلغة يفهمها العالم كله.

وتتويجاً لهذه الرحلة من الفكرة إلى الشاشة، جاء الافتتاح الرسمي لمركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف، حيث أزاح رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي ووزير الأوقاف د. أسامة الأزهري الستار إيذاناً ببدء التشغيل، وقاما بجولة تفقدية داخل قاعاته واستديوهات إنتاج المحتوى، واستمعا لعرض حول آليات العمل من الفكرة إلى السيناريو إلى المونتاج والمراجعة الفقهية، وأدارا حواراً مباشراً مع الشباب القائمين على صناعة الأفلام التي تتنوع بين مسلسلات توعوية وحملات قيمية لتصحيح المفاهيم، في تأكيد على أن المركز لم يعد مجرد وحدة إنتاج، بل أصبح منبراً رقمياً متكاملاً يعكس توجه الدولة نحو توظيف التقنيات الحديثة في تطوير الخطاب الديني وصناعة المحتوى الثقافي والتوعوي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27967

موضوعات ذات صلة

الكدواني وصلاح يقودان نجوماً مصريين في The-Cat-in-the-Hat

ماذا تكسب مصر من تحالف التراث الآسيوي؟

نجوى سليم

محمد إمام يكشف أول صورة من شمس الزناتي

شيخ الأزهر يقود الحوار العالمي نحو سلام دائم

محمود على

الأزهر يراجع الترجمة الإسبانية لكتاب المقتبس

حازم السيد

شواطئ الإسكندرية “كاملة العدد”

أيمن مصطفى