منوعات

أفراح البدو في سانت كاترين.. زواج يحفظ التراث

من قلب الوادي المقدس طوى، شهدت مدينة سانت كاترين عرسًا بدويًا تحول إلى مشهد حي لاستعادة الذاكرة الثقافية لقبائل جنوب سيناء، حيث امتزجت عادات الزواج بسباقات الهجن والفنون الشعبية وطقوس الضيافة، في نموذج يعكس ثراء التراث الثقافي غير المادي الذي تتوارثه الأجيال، ويكشف جانبًا من الهوية الثقافية الفريدة للمدينة.

شهدت الاحتفالية حضور رئيس مجلس مدينة سانت كاترين، والأثري أحمد عادل، مدير منطقة آثار جنوب سيناء والمشرف على مشروع التجلي الأعظم، والأثري محمد النني مفتش آثار منطقة سانت كاترين، إلى جانب عدد من مشايخ القبائل، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع المحلي بموروثه الثقافي.

وبرز سباق الهجن باعتباره أحد أبرز مظاهر العرس، بمشاركة أكثر من 200 جمل جرى تزيينها بالخرج الرياشي الملون والشداد البدوي الأصيل، وسط منافسات أظهر خلالها شباب قبيلة الجبالية مهارات توارثوها عبر الأجيال، وهم أنفسهم ممن يعملون في نقل زوار جبل موسى عبر الدروب الجبلية.

طقوس الزواج

ولم تقتصر مظاهر الاحتفال على سباقات الهجن، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة البدوية، حيث نُصبت خيمة الفرح وبيت الشعر المصنوع من وبر الإبل، وتجلت تقاليد الضيافة في إعداد القهوة العربية والشاي على الحطب، وتقديم الذبائح إكرامًا للضيوف.

كما حضرت فنون السامر والتغرودة والدحية، واستمرت الاحتفالات حتى ساعات الفجر، إلى جانب العادات المرتبطة بالزواج، ومنها المهر والسياق، بما تحمله هذه الممارسات من دلالات اجتماعية تعكس طبيعة العلاقات والتقاليد داخل المجتمع البدوي.

ذاكرة القبائل

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن هذا العرس يقدم نموذجًا للتراث الثقافي غير المادي في جنوب سيناء، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات متجذرة في وجدان نحو 7 آلاف بدوي ينتمون إلى 7 قبائل تقطن محمية سانت كاترين منذ مئات السنين.

وأضاف أن القبائل أسست عبر وجودها الممتد علاقة متوازنة مع البيئة الجبلية، انعكست على عاداتها وتقاليدها وحرفها وقوانينها العرفية، التي لا يزال جانب كبير منها حاضرًا في الحياة اليومية.

وأشار إلى أن قبيلة الجبالية ترتبط تاريخيًا بالرواية التي ترجع أصولها إلى جماعات من المقدونيين والمصريين جلبهم الإمبراطور جستنيان لحماية دير سانت كاترين، موضحًا أن العلاقة بين القبيلة والدير امتدت قرونًا، وشهدت صورًا من التعاون وتبادل المنافع والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.

تراث متكامل

وتكتسب هذه الاحتفالية أهمية إضافية في ظل القيمة التاريخية والثقافية لمدينة سانت كاترين، التي تحتضن موقع دير سانت كاترين المسجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بما يضمه من عناصر ذات قيمة دينية وتاريخية وطبيعية استثنائية.

ويكشف العرس عن جانب آخر من هوية المدينة، يتمثل في التراث غير المادي الذي يشمل العادات والتقاليد والفنون الشعبية والطقوس الاجتماعية وأساليب الحياة والمعارف المتوارثة، ليكمل الصورة التي يقدمها التراث المادي من آثار ومبانٍ ومواقع تاريخية.

تسجيل باليونسكو

وفي هذا السياق، أعلنت حملة الدفاع عن الحضارة المصرية اهتمامها برصد هذا النموذج من التراث البدوي والمطالبة بالعمل على توثيقه وإعداد ملف لتسجيله ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، وفقًا لاتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي. وتستهدف الاتفاقية حماية الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تعتبرها المجتمعات جزءًا من تراثها، إلى جانب صون الأدوات والأماكن المرتبطة بها، ودعم المجتمعات الحاملة لهذا التراث وضمان استمراره وانتقاله إلى الأجيال الجديدة.

ولا تقتصر أهمية التسجيل على توثيق مظاهر الاحتفال، بل تمتد إلى دعم أبناء القبائل باعتبارهم أصحاب التراث وممارسيه، وتعزيز مشاركتهم في صونه ونقله، والتوعية بقيمته الثقافية والإنسانية.

وهكذا تكشف أفراح البدو في سانت كاترين عن أن التراث لا يسكن المتاحف والمواقع الأثرية وحدها، بل يظل حيًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الأغاني والرقصات وطقوس الزواج والضيافة، التي تمنح المكان هويته وتحفظ ذاكرته عبر الأجيال

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27659

موضوعات ذات صلة

فرحة العيد.. لحظات سعادة في القلوب

المحرر

كيف تنتقل المشاعر بين الناس من دون أن نشعر؟

ولاء فتحي

شواهد أثرية : وجود ميناء قديم بمياه الإسكندرية

المحرر

د. مجدي بدران: الصيام “ثورة بيولوجية” لتجديد جيوش المناعة

أيمن مصطفى

مصر توسع حضورها في بورصة لندن

نجوى سليم

دير الأنبا بولا ضمن جدول زيارات السائحين

المحرر