
على مقربة من نسيم البحر الذي يميز منطقة العصافرة البحرية بحي المنتزه ثان بالإسكندرية، يتغير المشهد تمامًا بمجرد أن تطأ قدمك شارع أحمد العباني. هذا الشارع الحيوى المحصور بين شرياني “أطلس” و”صديقات الكتاب المقدس”، تحول تدريجيًا من مجرد مسار سكني هادئ، إلى ساحة مفتوحة للفوضى والعشوائية، أو ما يمكن وصفه بـ“السويقة” التي ابتلعت ملامح الشارع وحرمت سكانه من أبسط حقوقهم في العيش الآمن والنظيف.
تبدأ الحكاية مع خيوط الفجر الأولى، حيث لا يستيقظ سكان الشارع على زقزقة العصافير، بل على أصوات ارتطام الأخشاب وهتافات الباعة الجائلين الذين اتخذوا من نهر الطريق مقرًا ثابتًا لهم. عربات الخضار والفاكهة الخشبية الضخمة تصطف على الجانبين كجدار عازل، يضيق الخناق على المارة والسيارات على حد سواء. الحركة هنا أشبه بمتاهة، فالرصيف لم يعد ملكًا للمشاة، بل أصبح مستباحًا بالكامل بعد أن استعرضت محال المأكولات نفوذها، وفَرَشت طاولاتها ومقاعدها في حرم الطريق العام، غير آبهة بحق المار في رصيف آمن.
تغول الباعة
ولكن المأساة لا تتوقف عند حدود الباعة وصخبهم. إذا توغلت قليلاً في عمق الشارع، ستطرق مسامعك أصوات ضجيج المعادن الحادة؛ إنها ورش “الألوميتال” غير المرخصة التي نبتت كالفطر بين العمارات السكنية. هذه الورش لا تكتفي بـإزعاج السكان طوال النهار والليل بالضوضاء والتلوث السمعي، بل تمتد أضرارها لتشكل خطرًا بيئيًا وأمنيًا داهمًا على قاطني العقارات، وسط غياب تام لوسائل الأمان والتراخيص القانونية التي تنظم مثل هذه الأنشطة المقلقة للراحة وسط الكتلة السكنية.
وفي زوايا الشارع، تكتمل فصول المشهد المزري مع الأراضي الفضاء التي تحولت بفعل الأمر الواقع إلى “جراجات عشوائية”. هذه المساحات لم تعد مجرد مأوى للسيارات، بل تحولت إلى بؤر لإهدار المال العام والموارد المائية. هنا، يتم تفريط المياه بغزارة لغسيل السيارات بالمخالفة الصريحة للقانون، لتتحول أرض الشارع إلى برك من الوحل والمياه الراكدة التي تهدد البنية التحتية وتجلب الحشرات والأوبئة. وما يزيد الطين بلة، أن هذه الجراجات والزوايا المظلمة أصبحت، بحسب شهادات الأهالي المكتومة، مكانًا لتجمع الخارجين عن القانون والبلطجية، مما يفرش بساط الخوف والرعب في قلوب المارة بعد غروب الشمس.
ورش الألوميتال
وسط هذه الفوضى العارمة، تبرز مأساة إنسانية في هذه المنطقة؛ مدرسة عزيز أباظة الابتدائية. المدرسة التي يفترض أن تكون منارة للعلم والتربية وبيئة آمنة للطفولة، باتت محاصرة بالمظهر العشوائي والبلطجة. يضطر تلاميذ المرحلة الابتدائية يوميًا إلى خوض “معركة عبور” حقيقية بين عربات الخضار، وقطع الحديد المتناثرة من ورش الألوميتال، فضلًا عن سماع الألفاظ النابية المشاحنات اليومية بين الباعة أو المسجلين خطر. كيف لطفل في عمر الزهور أن يستوعب درسه وهو يسمع ضجيج “السويقة” وصراخ الخارجين عن القانون خارج أسوار مدرسته؟
الوضع في شارع أحمد العباني تجاوز مرحلة “المشكلة الإنسانية” أو “المخالفة المرورية”، وأصبح يمثل تحديًا صارخًا لهيبة القانون وسلامة المجتمع. السكان أرسلوا العديد من الاستغاثات، والعيون تترقب تحركًا عاجلًا من الأجهزة التنفيذية بحي المنتزه ثان، لإعادة الانضباط للشارع، ورفع الإشغالات، وإغلاق الورش غير المرخصة، وإنقاذ محيط مدرسة عزيز أباظة من هذا الحصار العشوائي. وحتى يتحقق ذلك، يبقى شارع أحمد العباني صرخة صامتة تنتظر الاستجابة.
امتداد الفوضى
ولا تبدو أزمة شارع أحمد العباني معزولة عن محيطها الجغرافي؛ إذ تمتد خيوط الفوضى العشوائية لتتشابك مع شوارع محيطة حيوية مثل شارعي أطلس و6 أكتوبر المتفرعان من شارع جمال عبد الناصر الرئيسي. هناك، تتكرر المأساة بملامح أكثر قتامة، حيث تحولت المقاهي المخالفة إلى قوى أمر واقع تفترش حرم الطريق العام بلا رادع، وتلتهم الأرصفة لحساب طاولاتها ومقاعدها. وتتكامل هذه الصورة العشوائية مع مئات المحال التجارية التي تباشر نشاطها وتفتح أبوابها للجمهور دون الحصول على رخص تشغيل رسمية، في تحدٍ صارخ للقانون واللوائح المنظمة للمنشآت التجارية وسط التجمعات السكنية.
ومع غياب الرقابة الحازمة في هذه الشرايين المجاورة، فرض “السياس” غير الشرعيين نفوذهم على الشارع، حيث يمارسون أعمال البلطجة وفرض الإتاوات على قائدي المركبات مقابل السماح لهم بصف سياراتهم في المنبع والمصب. إن هذا الحزام العشوائي الممتد بين شوارع العباني وأطلس و6 أكتوبر بات يستغيث بـرئيس حي المنتزه ثان ومحافظ الإسكندرية، لشن حملات مكبرة ومستدامة لا تكتفي بالإزالة المؤقتة، بل تعيد هيبة الدولة وتنقذ ما تبقى من المظهر الحضاري لعروس البحر المتوسط.
