البلد خانةسليدر

مافيا الأسفلت.. متى تنتهي سطوة السايس؟

في تمام السادسة مساءً، يطفئ المهندس شريف (42 عاماً) محرك سيارته أمام إحدى البنايات السكنية بحي المهندسين بالجيزة. لم يكد يترجل ويغلق الباب، حتى انشقت الأرض عن شاب ثلاثيني يحمل هراوة خشبية صفراء، وبنبرة حادة لا تقبل النقاش قال: “الحساب مقدم يا باشا.. الركنة بـ20 جنيهاً”. حاول شريف التمسك بحقه قائلاً: “أنا أركن في شارع عام ولن أستغرق خمس دقائق”، فما كان من الشاب إلا أن رد بابتسامة تحمل تهديداً مبطناً: “الشارع عام لكن الرصيف ملكنا، وإذا حدث خدش للسيارة فلن تجدني”. اضطر الرجل للدفع تجنباً للمشاكل، ومضى وهو يشعر بالقهر في شوارع وطنه.

هذا المشهد اليومي ليس مجرد موقف عابر، بل هو سيناريو متكرر يعيشه ملايين المصريين يومياً في شوارع القاهرة والجيزة والإسكندرية ومعظم المحافظات. لقد تحولت مهنة “السايس” من مجرد تنظيم لحركة السير، إلى “مافيا أسفلت” حقيقية تفرض إتاوات مقنعة، وتستبيح الفضاء العام بقوة البلطجة، وسط غياب شبه تام للرقابة الصارمة.

إتاوات إجبارية

في زحام القاهرة، وتحديداً بشوارع وسط البلد ومحيط المحاكم والهيئات والمؤسسات الحكومية، تحولت الأرصفة إلى “مناطق نفوذ” مقسمة بين بلطجية الشوارع. التقينا بـ”منى”، طبيبة شابة، تروي بمرارة تجربتها اليومية: “أدفع ما يقرب من 800 جنيه شهرياً فقط لمناديب السيارات. السايس لا يكتفي بأخذ المال، بل يحدد لي أين أقف، وإذا اعترضت يمنعني من الركن ويسمعني كلمات نابية”. المشكلة تفاقمت بعد أن تجاوزت الأسعار حدود المنطق، لتصل في بعض المناطق الحيوية إلى 50 و100 جنيه للركنة الواحدة.

الخطورة في هذه “الإتاوات الإجبارية” أنها تُفرض دون أي غطاء قانوني أو إيصالات رسمية، حيث يتحكم هؤلاء الأشخاص في مصائر المواطنين وسياراتهم، مستغلين حاجة أصحاب المركبات لركوب وسائل النقل أو قضاء مصالحهم، ليمارسوا نوعاً من الابتزاز العلني الذي يجري تحت سمع وبصر الجميع في وضح النهار.

قوانين معطلة

قبل سنوات قليلة، استبشر الشارع المصري خيراً بصدور القانون رقم 150 لسنة 2020، والمعروف إعلامياً بـ”قانون السايس”، والذي وضع اشتراطات صارمة تشمل استخراج رخصة، وتقديم فيش وتشبيه، وتحديد تسعيرة رسمية من المحافظة. لكن جولة سريعة في شوارع الدقي والعجوزة تكشف أننا أمام “قوانين معطلة” على أرض الواقع. الغالبية العظمى من العاملين في هذه المهنة لا يحملون أي تراخيص، بل إن بعضهم من أرباب السوابق الذين يتخذون من الشارع ستاراً لأنشطة أخرى.

يقول خبير الإدارة المحلية، المستشار صبري الجندي: “التشريع متكامل وممتاز، لكن أزمة التطبيق تكمن في آليات الرقابة. المحليات لا تمتلك الأعداد الكافية لمتابعة كل شوارع العواصم، مما ترك مساحة واسعة لغير المرخصين لفرض سيطرتهم وإلغاء وجود القانون الفعلي”. لافتاً إلى أن هذا التراخي حوّل المبادرة الحكومية لتنظيم المواقف إلى مجرد حبر على ورق في نظر المواطن البسيط.

أرصفة مستباحة

إذا انتقلنا إلى الإسكندرية، نجد أن الأزمة اتخذت أبعاداً أكثر تشويهاً للمظهر الحضاري على طول طريق الكورنيش، ومنطقة محطة الرمل، وسيدي بشر، حيث تحولت المساحات العامة إلى “أرصفة مستباحة”؛ إذ يضع “المناديب” حواجز حديدية، وصناديق بلاستيكية، وإطارات سيارات قديمة لحجز الأماكن، مانعين أي مواطن من صف سيارته إلا بعد دفع الثمن المقابل مسبقاً.

أحمد راشد، أحد سكان شارع أحمد العبادي بمنطقة العصافرة البحرية، يعبر عن استيائه قائلاً: “حتى شاطئ البحر لم نعد نراه بسبب تكدس السيارات بتوجيه من السايس غير المرخص. لقد سلبوا منا الحق في الشارع وفي الرصيف وحتى في الرؤية، وتحولت المدينة السياحية إلى جراج مفتوح تديره مجموعات خارجة عن القانون”. مشيراً إلى أن هذا التعدي السافر حوّل معالم الإسكندرية التاريخية إلى ساحات للبلطجة اليومية.

حلول غائبة

أمام هذا التغول، تظل تساؤلات الشارع معلقة حول البدائل الحقيقية؛ فرغم المحاولات الخجولة لبعض المحافظات لطرح شرائط إلكترونية أو إسناد تنظيم الشوارع لشركات خاصة، إلا أن هذه الخطوات تظل مجرد مسكنات في ظل “حلول غائبة” للمشكلة من جذورها. إذ إن غياب المنظومة الذكية الموحدة لانتظار السيارات يجعل المواطن فريسة سهلة للمبتزين.

إن إنهاء سطوة “مافيا الأسفلت” واستعادة الانضباط لشوارع مصر الكبرى لا يتطلب حملات تفتيش موسمية، وإنما يقتضي حزماً إلكترونياً وتنفيذياً شاملاً، حيث يجب الإسراع في تعميم منظومة الدفع الرقمي لانتظار السيارات عبر تطبيقات الهاتف، وتفعيل خطوط ساخنة للإبلاغ الفوري عن أي سايس غير مرخص، مع فرض عقوبات جنائية مغلظة على فارضي الإتاوات، لإعادة هيبة القانون وحماية كرامة المواطن على أرصفة شوارع بلاده.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=27467

موضوعات ذات صلة

البابا تواضروس بالنمسا: من ألحان الكورال إلى بناء الشباب

حازم رفعت

واشنطن ترسم الخط الأحمر أمام بغداد

ضاحى محمود

الشوكولاتة.. قربان مقدس وصناعة استعمارية غيرت العالم

سارة الدسوقى

الأحد.. “عمل عن بُعد” بالبنوك خلال أبريل

أيمن مصطفى

طلب إحاطة بشأن سوء الخدمات بمطار القاهرة الدولي

المحرر

«صوت البلد» تنفرد بتفاصيل القائمة الدولية للحكام 2027

تامر يسري