سليدرمنوعات

فخ الحساسية

دكتور مجدي بدران

 

يُحيي العالم في الثامن من يوليو “اليوم العالمي للحساسية”، وهي المناسبة التي تأتي هذا العام لتدق ناقوس الخطر حول أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً وتمدداً في العصر الحديث، حيث لم تعد أمراض الحساسية مجرد أعراض عابرة تتمثل في عطس أو حكة جلدية، بل تحولت إلى معركة يومية يخوضها الملايين حول العالم ضد “الوباء الصامت” الذي يهدد جودة الحياة ويرفع من تكاليف الرعاية الصحية؛ إذ تكتسب هذه المناسبة أهمية استثنائية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والملوثات البيئية الجديدة التي ساهمت في زيادة شراسة المواد المهيجة وتحفيز أجهزة المناعة لدى البشر بشكل مفرط وغير معتاد.

وفي هذا الإطار، فتحت البوابة الإلكترونية لجريدة “صوت البلد” ملف هذا التحدي الصحي الكبير، في حوار خاص مع الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة. وقد وضع الطبيب الخبير يد الرأي العام والمجتمع على خارطة الأمراض التحسسية، كاشفاً عن أحدث المستجدات العلمية في طرق الوقاية والتعامل مع المحفزات، ومقدماً روشتة طبية متكاملة لحماية الأسر المصرية من مخاطر الأزمات التحسسية الحادة والمزمنة.

الخطر المتزايد

بدأ الدكتور مجدي بدران حديثه بالتأكيد على أن أمراض الحساسية تشهد قفزة غير مسبوقة في معدلات الإصابة عالمياً ومحلياً؛ موضحاً أن الحساسية في جوهرها العلمي هي رد فعل مفرط وخاطئ من الجهاز المناعي تجاه مواد طبيعية غير ضارة في الأصل، مثل حبوب اللقاح، أو ذرات الغبار، أو بعض الأطعمة، أو حتى وبر الحيوانات الأليفة؛ لافتاً إلى أنه عندما يتعرف الجسم على هذه المواد كعدو، يفرز الأجسام المضادة ومادة “الهيستامين”، مما يتسبب في ظهور الأعراض المرضية التي تختلف شدتها من شخص لآخر.

وأشار “بدران” إلى أن العوامل البيئية الحديثة لعبت دوراً رئيسياً في تحويل الحساسية إلى أزمة صحية عامة، موضحاً أن التغيرات المناخية، والاحتباس الحراري، وارتفاع مستويات تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة الناتجة عن عوادم السيارات والمصانع، أدت جميعها إلى إطالة مواسم نمو النباتات وزيادة كميات حبوب اللقاح في الجو وتضاعف قدرتها على إثارة الجهاز التنفسي؛ حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الحساسية الموسمية، بل امتدت المعاناة لتصبح مرافقة للمريض طوال فصول العام نتيجة التغيرات الجوية المفاجئة وتصادم الكتل الهوائية المختلفة، وخاصة في فترات الانتقال الفصلي التي تزداد فيها حدة الفيروسات التنفسية ومسببات الحساسية.

وحذر استشاري المناعة من أن إهمال التعامل الصحيح مع الأعراض الأولية، مثل الرشح المستمر، أو الكحة الجافة، أو الطفح الجلدي، قد يؤدي إلى تطور الحالة من حساسية أنفية بسيطة إلى أزمة ربوية حادة وصعبة العلاج. مشدداً على ضرورة رفع الوعي المجتمعي للتمييز بين نزلات البرد العادية والحساسية المزمنة، لضمان التدخل الطبي المبكر وحماية الأطفال بصفة خاصة، كونهم الفئة الأكثر عرضة للتأثر بالملوثات الهوائية ومضاعفات الربو الشعبي.

المحفزات الخفية

انتقل الدكتور مجدي بدران في حديثه لـ”صوت البلد” إلى نقطة بالغة الأهمية تتعلق بالمحفزات غير التقليدية التي تختبئ داخل بيوتنا وفي حياتنا اليومية دون أن نشعر. وأوضح أن “عثة غبار المنزل” – وهي كائنات مجهرية دقيقة تعيش في السجاد، والمفروشات، والستائر، والأغطية – تمثل المتهم الأول في إثارة حساسية الأنف والصدر داخل البيئات المغلقة. وأكد أن عدم التهوية الجيدة للمنازل والسماح بارتفاع معدلات الرطوبة يوفر بيئة مثالية لتكاثر هذه الكائنات ولنمو الفطريات وجراثيم العفن، مما يجعل الهواء الداخلي للمنزل أحياناً أكثر خطورة وتلويثاً من الهواء الخارجي.

وفي سياق متصل، حذر استشاري الحساسية والمناعة بشدة من إهمال العوامل المرتبطة بحساسية الطعام، مشيراً إلى أن ثقافة تناول الوجبات السريعة والأطعمة خارج المنزل قد تكون بداية لكوارث صحية لبعض الأفراد؛ فالأطعمة المصنعة تحتوي على مواد حافظة، ومكسبات طعم، وألوان صناعية تعمل كمثيرات قوية للحساسية، فضلاً عن احتمالية احتواء الوجبات الجاهزة على مكونات خفية مثل الفول السوداني، أو الصويا، أو السمسم، أو مشتقات الألبان والبيض، وهي من المكونات الثمانية الأكثر شهرة في إحداث الصدمات التحسسية الحادة.

ولم يغفل الخبير إلقاء الضوء على حساسية المعادن، لاسيما حساسية النيكل الموجود بكثرة في بعض الإكسسوارات، والساعات، والعملات المعدنية، والتي تتسبب في التهابات جلدية تلامسية مزعجة. كما تطرق إلى الانتشار المتزايد لحساسية الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب؛ حيث يعتقد الكثيرون خطأً أن الفراء هو السبب، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في البروتينات الموجودة في لعاب الحيوان، وبوله، وقشور جلده الميتة التي تلتصق بالملابس والأثاث وتظل معلقة في الهواء لفترات طويلة، مستهدفة الجهاز التنفسي بشكل مباشر.

الوقاية الحقيقية

في ختام حديثه الشامل، قدم الدكتور مجدي بدران استراتيجية واضحة المعالم للوقاية والتعايش الآمن مع أمراض الحساسية، واصفاً إياها بأنها “حائط الصد الأول” لحماية الصحة العامة. وركز على ضرورة تعزيز المناعة الطبيعية للجسم كوسيلة دفاعية أساسية، حيث يبدأ ذلك من المراحل الأولى للحياة عبر تشجيع الرضاعة الطبيعية المطلقة للأطفال في الأشهر الستة الأولى، والتي ثبت علمياً دورها الهائل في تقليل فرص إصابة الأطفال بالحساسية والربو في المستقبل.

أما على صعيد النمط الحياتي اليومي، فقد لخص “بدران” خطة الوقاية المنزلية في خطوات عملية صارمة تشمل التهوية الدورية لفتح النوافذ يومياً لضمان تجديد الهواء ودخول أشعة الشمس لقتل الفطريات مع تجنب الأوقات التي تنشط فيها الرياح المحملة بالأتربة، وغسيل المفروشات المنسوجة كأغطية الأسرة والوسائد بماء ساخن لا تقل درجة حرارته عن 60 مئوية بشكل أسبوعي للقضاء التام على عثة الغبار، بالإضافة إلى التغذية الطبيعية والذكية عبر الحرص على تناول الأغذية الطازجة الغنية بمضادات الأكسدة وفيتامين (سي) وفيتامين (د) والابتعاد الكامل عن الأغذية المحفوظة وتجنب التدخين بكافة أشكاله سواء الإيجابي أو السلبي داخل المنزل وخارجه.

واختتم الدكتور مجدي بدران نصائحه عبر بوابة “صوت البلد” بالتأكيد على أن التشخيص الدقيق عبر إجراء اختبارات الحساسية الحديثة تحت إشراف الطبيب المختص هو المفتاح الذهبي للعلاج، حيث يسمح تحديد المادة المسببة بدقة بوضع خطة علاجية مخصصة تشمل تجنب المثيرات، وتناول الأدوية الوقائية بانتظام، أو اللجوء إلى العلاج المناعي (أمصال الحساسية) الذي يعمل على إعادة تدريب جهاز المناعة وتعديل سلوكه تجاه المسببات، مما يمنح المريض فرصة حقيقية للشفاء والعيش بحرية وأمان بعيداً عن قيود الحساسية المزعجة ومخاطرها.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=21953

موضوعات ذات صلة

إقبال وإجراءات مشددة بانتخابات “المنتزه” في الإسكندرية

أيمن مصطفى

رؤية جديدة للصحة والتنمية المستدامة: مدينة طبية بالعاصمة

المحرر

عروس السراديب.. مزيج بين التاريخ والفانتازيا

أيمن مصطفى

بشرى سارة للمواطنين بشأن أسعار البطاطس

المحرر

د. جمال فرويز: شياطين ببدلات أنيقة .. سيكوباتيو 2026

أيمن مصطفى

ماراثون الإعدادية 2026

أيمن مصطفى